الحدث
واصلت الاحتجاجات اتساعها جغرافيًا في أنحاء إيران منذ اندلاعها في 28 ديسمبر/ كانون الأول 2025، عقب انخفاض الريال الإيراني إلى عتبة 147 ألف تومان للدولار الواحد، ما انعكس مباشرة على الأسواق، حيث تعطلت حركة البيع، وأُغلقت آلاف المحال التجارية في طهران ومدن أخرى. وقد أعلنت وكالة تسنيم في 11 يناير/ كانون الثاني 2026 عن مقتل 109 من قوات الأمن والشرطة في محافظات متفرقة، أبرزها أصفهان، فارس، كرمانشاه، ومشهد، في مواجهات وصفتها السلطات بأعمال الشغب المنظمة. وعقد المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني اجتماعًا طارئًا لمناقشة سبل احتواء الاحتجاجات، بالتوازي مع الاستعداد لسيناريو ضربة عسكرية خارجية محتملة، كما ألقى مرشد الثورة كلمة لتهدئة الاحتجاجات، وكذلك الرئيس بزشكيان.
بالتوازي، صدرت تهديدات أمريكية و"إسرائيلية" مباشرة، لوّح فيها الرئيس الأمريكي ترامب بإمكانية التدخل العسكري في حال قمع الاحتجاجات بعنف، وأعلن نتنياهو دعمه لما سماه بنضال الشعب الإيراني. كما أصدر وزراء خارجية أستراليا وكندا والاتحاد الأوروبي بياناً طالبوا فيه طهران بوقف استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين.
الرأي
بدأت الاحتجاجات في سياق اقتصادي يتسم بانهيار سريع في سعر صرف التومان، وتعطّل شبه كامل للأسواق، على وقع العقوبات الأمريكية والغربية، فضلا عن تراجع عائدات النفط التي لم تعد تغطي سوى نحو 16% من الإيرادات الحكومية، وبالتزامن مع مناقشة البرلمان لميزانية جديدة تعتمد على رفع الضرائب بنسبة تقارب 62%.
تعكس الخطوات التي اتخذها النظام الإيراني لحل الأزمة ضيق هامش المناورة الاقتصادية في مواجهة الاحتجاجات، نتيجة العقوبات الأمريكية والأوروبية التي تقيد موارد النظام بصورة كبيرة. فقد تم استبدال محافظ البنك المركزي السابق بعبد الناصر همتي الذي تولّى المنصب خلال عهد الرئيس روحاني، كما تم ضخ 7 مليار دولار من العملات الأجنبية في أنظمة الصرف منذ بداية العام المالي الجاري (مارس 2025) لضبط سعر العملة، وفما اعتُمد التعليم عن بُعد في عدد من الجامعات لتقليص الاحتكاك الاجتماعي في مراكز المدن.
على المستوى الأمني، بدأ نشر الحرس الثوري والجيش في الأماكن الأكثر التهابا، كما أعلنت السلطات بشكل متكرر عن مقتل عناصر من قوات الأمن والحرس الثوري لتأطير الاحتجاجات بوصفها عنفًا منظمًا ذي أبعاد خارجية. وقد حرص المرشد الأعلى من خلال الإقرار بشرعية شكاوى التجار على احتواء القاعدة الشعبية المحتجة عبر الاعتراف بالمشكلة الاقتصادية دون ربطها بشرعية النظام أو بنيته السياسية، وذلك في محاولة للفصل بين الاحتجاج وأعمال التخريب، للإبقاء على الغطاء القانوني والأمني للتعامل الصارم مع أعمال الشغب.
في المقابل يهدف الموقف الأمريكي و"الإسرائيلي" لاستخدام الاحتجاجات كرافعة ضغط على النظام في طهران، بهدف الوصول إلى تغييره. فتصريحات ترامب التي ربطت بين قمع المتظاهرين واحتمال توجيه ضربات عسكرية تستهدف وضع سقف مسبق لسلوك الأجهزة الأمنية الإيرانية، وتشجيع المواطنين على التظاهر، وتوسيع نطاق الاحتجاجات، بالإضافة لتوفير غطاء لأي تدخل أمريكي محتمل. وفي الاتجاه نفسه، يتعامل الخطاب "الإسرائيلي" مع الاحتجاجات من زاوية تأثيرها على استقرار نظام الحكم، والسعي للإطاحة به باعتبار أنه بات في أضعف حالاته.
ما تزال الدولة الإيرانية تحتفظ بسيطرتها على الأجهزة الأمنية مقابل غياب بنية تنظيمية معارضة قادرة على إنتاج قيادة موحدة أو بديل سياسي واضح. ويمنح هذا الاختلال السلطات قدرة على احتواء الاحتجاجات، لكنه لا يلغي إدراكها بأن الأزمة الجارية تختلف عن سابقاتها من حيث توقيتها وتشابكها مع ضغوط وتهديدات خارجية غير مسبوقة. ولذا بادر المجلس الأعلى للأمن القومي عقب تهديدات ترامب، إلى رفع الجاهزية مع تزايد احتمال تعرض إيران لضربات عسكرية أمريكية "إسرائيلية"، بالأخص بعد التدخل الأمريكي في فنزويلا والقبض على الرئيس مادورو.