الحدث:
شهدت مدينة حلب تطوّرات عسكرية وتصعيدًا ميدانيًا بين الجيش السوري و"قوات سورية الديمقراطية" (قسد)، في حيي "الشيخ مقصود" و"الأشرفية"، ذات الأغلبية الكردية، حيث استطاع الجيش السوري فرض السيطرة الكليّة على هذه المنطقة وإخراج عناصر "قسد" إلى مناطق سيطرة الأخيرة شرق نهر الفرات، وذلك بعد اشتباكات محدودة بالأسلحة الثقيلة وقذائف المدفعية استمرت لعدة أيام، وقع خلالها عشرات القتلى والجرحى، ودفعت آلاف المدنيين للنزوح، ما دفع الحكومة السورية إلى إعلان هذه الأحياء مناطق عسكرية مغلقة وتعليق الحركة الجوية وإغلاق مطار حلب الدولي مؤقتًا.
الرأي:
عادت مدينة حلب إلى واجهة الأحداث العسكرية، بعد فشل جولة المفاوضات الأخيرة بين الحكومة السورية و"قسد" لتنفيذ بنود اتفاق 10 آذار/ مارس، ومحاولة "قسد" استخدام أحياء "الشيخ مقصود" و"الأشرفية" للضغط على الحكومة السورية، كلّما ضاق أفق عملية التفاوض بينهما. فالاشتباكات التي اندلعت لم تكن حدثًا معزولًا أو مفاجئًا بالكامل، فمنذ أسابيع، كانت مؤشرات التوتر تعود تدريجيًا إلى الواجهة، خاصة التحركات العسكرية والتعزيزات الميدانية من الجانبين، وعودة لغة التصعيد في التصريحات السياسية، في إشارة واضحة إلى أن التفاهمات السابقة فقدت قدرتها على ضبط المشهد أو احتواء الخلافات المتراكمة.
وبعد التطوّرات الأخيرة، أصبح اتفاق 10 آذار في وضع ضبابي، وستكون جولات التفاوض بين الحكومة و"قسد" أكثر حساسية؛ فبينما تشير التطورات إلى أن دمشق تبقي الخيارات مفتوحة على كل الاحتمالات، لكنّها على الأرجح ستواصل الرهان على مسار التفاوض وليس الحسم العسكري، أي أن الحكومة السورية هدفت من وراء السيطرة على هذه الأحياء الضغط على "قسد" ودفعها نحو اللجوء إلى التفاوض وتقديم تنازلات تفضي إلى تطبيق بنود اتفاق 10 آذار.
وتبدو دمشق متمسكة بسياسة النفس الطويل، وتحقيق مكاسب تدريجية، من دون الانجرار إلى مواجهات شاملة، وبالتالي من المرجح أن تتسم المرحلة المقبلة بضبط إيقاع الصراع بدلًا من توسيعه، فالحرب في شرق الفرات مكلفة للحكومة وتهدد بدخول البلاد في مرحلة فوضى أوسع، في وقت تحتاج فيه لضبط جبهات الجنوب وبعض مناطق الساحل، والتي من المتوقع حصول فوضى فيها في حال دخول الحكومة في اشتباك مباشر مع "قسد" وانشغالها في شرق الفرات.
بالمقابل، يشكّل ما جرى في حلب اختبارًا ميدانيًا لقيادة "قسد"، فخسارة أحياء بحلب لا يعني انهيارها بالضرورة لكنها بمثابة ضربة قوية تضيّق خياراتها بين إعادة التموضع أو القبول بتسويات جزئية، خاصةً أنّ الموقف الدولي الذي كانت تعوّل عليه "قسد" بات أقل زخمًا في ظل انفتاح المجتمع الدولي والإقليمي على الحكومة السورية. ومن المتوقع أن تعيد "قسد" حساباتها من الناحية العسكرية في مناطق شرق الفرات مع التغييرات التكتيكية التي أظهرتها الحكومة السورية، إضافة إلى أن حالة الانشقاق التي شهدتها صفوف "قسد"، في الحيين، خاصةً من قبل العشائر العربية، يمكن أن تلعب دورًا في زعزعة صفوف "قسد" العسكرية والمواقف التفاوضية. وهذا يعني أنّ "قسد" أمام مرحلة جديدة من التفاوض دون ورقة فاعلة خارج جغرافيا شرق الفرات، ووسط صورة متأرجحة داخليًا ومدنيًا.