الحدث:
أعلن الجيش السوداني، في الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، إعادة تموضع قواته خارج منطقة "سالي" في إقليم "النيل الأزرق"، بعد إعلان تحالف "تأسيس" الذي يضم قوات "الدعم السريع" و"الحركة الشعبية - شمال"، السيطرة على قاعدتها العسكرية الواقعة على محور "الكرمك"، على بعد نحو 35كلم شمال المدينة الحدودية مع إثيوبيا، وعلى الطريق الذي يربط عاصمة الإقليم "الدمازين" بالمناطق الحدودية. وقال مصدر عسكري لقناة "الجزيرة" إن "قوات الدعم السريع" هاجمت المنطقة بمسيّرات قادمة من إثيوبيا، فيما قال القائد الميداني في "تأسيس"، علي الرينو، إن السيطرة على القاعدة التي تُعتبر من أكبر المواقع العسكرية في الإقليم بعد "الدمازين" تكشف قيادة الفرقة الرابعة مشاة أمام قواته. وفي الليلة نفسها هاجمت أسراب من المسيّرات الانقضاضية "الدمازين" لليلة الثانية على التوالي مستهدفةً مقار عسكرية ومنشآت مدنية، بحسب مصادر عسكرية لصحيفة "سودان تربيون"، وأعلن الجيش اعتراضها. وجاءت هذه التطورات بعد يوم من قرار إثيوبيا إغلاق القنصلية السودانية في "أصوصا" عاصمة إقليم "بني شنقول-قمز" المحاذي للحدود، واعتبار طاقمها أشخاصًا غير مرغوب فيهم مع مهلة 48 ساعة للمغادرة دون إعلان أسباب رسمية، بحسب مصادر سودانية.
الرأي:
يأتي سقوط "سالي" بعد أسابيع من استعادة الجيش قاعدة "بكوري" على محور قيسان وبعد يوم واحد من إعلانه صد هجوم على الموقع نفسه، كما يتزامن مع تصعيد دبلوماسي بين الخرطوم وأديس أبابا عقب تقديم السودان شكوى إلى كل من مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الأفريقي، يتهم إثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها لإمداد "الدعم السريع" وإطلاق المسيّرات ضد أهداف سودانية، مع احتفاظ الخرطوم بحقها في الرد وفق القانون الدولي. بالمقابل، أعادت مصر تأكيد استعدادها لدعم السودان وفق اتفاقية الدفاع المشترك، تزامنًا مع تجدد الخلافات المصرية–الإثيوبية بشأن سد النهضة.
عسكريًا، تمنح السيطرة على "سالي" تحالف "تأسيس" موقعًا متقدمًا على محور الكرمك يتيح له زيادة الضغط على دفاعات الجيش جنوب الدمازين وتهديد خطوط إمداده، لكن دون أن يعني ذلك اقتراب سقوط عاصمة الإقليم. ويكتسب هذا التطور أهمية إضافية مع استمرار الضغط على محاور أخرى باتجاه الدمازين والروصيرص، بالتوازي مع هجمات المسيّرات على مقر الفرقة الرابعة، بما يشير إلى محاولة توسيع جبهة الاستنزاف البري والجوي في وقت تتوزع فيه قوات الجيش على جبهات كردفان ودارفور.
على المستوى الإقليمي، فإن تزامن التطورات الميدانية مع اتهامات الخرطوم لأديس أبابا يزيد من احتمالات انتقال الخلاف إلى مستوى أمني إقليمي أكثر خطورة، خصوصًا مع تدهور العلاقات الإثيوبية–الإريترية وتجدد الصراع في تيغراي. ولا يعني ذلك وجود ترابط عملياتي حاليًا بين هذه الجبهات، لكنه يعزز احتمال تداخل الحرب السودانية مع شبكة الصراعات والاصطفافات المتصاعدة في القرن الأفريقي، ويمنح مصر دوافع إضافية لتعزيز دعمها السياسي والأمني للسودان.
ومن المرجح أن يحاول الجيش استعادة "سالي" أو احتواء الاختراق لمنع تحالف "تأسيس" من تثبيت موطئ قدم يسمح له بمواصلة التقدم نحو الدمازين، مع استمرار الضغط بالمسيّرات على عاصمة الإقليم. وعلى المستوى الإقليمي، يبقى التصعيد الدبلوماسي والأمني بين السودان وإثيوبيا أرجح من المواجهة العسكرية المباشرة، ما لم تتكرر هجمات مؤثرة يُثبَت انطلاقها من الأراضي الإثيوبية، أو تتعرض الدمازين ومنشآت الروصيرص لتهديد أشد يدفع الخرطوم إلى مراجعة حدود ردها.