المصدر: رويال يونايتد سيرڤيس إنستيتيوت
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
تُظهر التجارب الحديثة في كل من أفغانستان والعراق أن إعادة الإعمار في مناطق النزاع المشتعل تنطوي على مخاطر وفشل كبيرين، لكنها (رغم ضبابية الأوضاع) تبقى ضرورة في كل من غزة وأوكرانيا. فمع تعاقب فترات توقف قصيرة في صراعات طويلة الأمد، تطرح الساحتان المعضلة المألوفة نفسها؛ كيف يمكن إعادة البناء في مناطق لا تزال الحرب فيها مستمرة؟ ففي ظل تصميم روسيا الواضح على خوض حرب طويلة، اضطرت أوكرانيا إلى اعتماد إعادة إعمار تدريجية ومجزّأة. وفي غزة، قد يكون لدى كل من "الإسرائيليين" والفلسطينيين دوافعهما لاستئناف القتال، وعلى الدول المموّلة لجهود إعادة الإعمار أن تضع في الحسبان أن هذه العملية تحمل ألغامًا خاصة، وأن أي خطوة خاطئة ستكون مكلفة.
ورغم الاعتقاد السائد بأن التنمية وسيلة مضمونة لتحقيق الاستقرار، فإن افتراض أن إعادة الإعمار يمكن أن تمنع عودة العنف سيكون خطأً فادحًا؛ فالإخفاقات السابقة في الشرق الأوسط تمثل نموذجًا واضحًا على حدود (بل ومخاطر) ضخ الأموال بلا حساب في أرضٍ أنهكتها الحرب باسم الاستقرار. فمن بين نحو خمسة تريليونات دولار أنفقتها الولايات المتحدة على حربي العراق وأفغانستان، خُصص 141 مليارًا فقط لإعادة إعمار أفغانستان، وأكثر من 220 مليارًا لإعادة إعمار العراق، دون أثر مستدام يُذكر. والأسوأ من ذلك أن جزءًا كبيرًا من الخبرة المؤسسية المكتسبة من هذه الإخفاقات قد تلاشى، بسبب إعادة هيكلة حكومية وتقلص تمويل المنظمات غير الحكومية المتخصصة، ما أدى لتراجع القدرة على تطبيق الدروس المستفادة.
رغم ذلك، ستتدفق الأموال إلى كلتا الساحتين، لكنها لن تكون عصًا سحرية؛ فاحتياجات إعادة إعمار غزة تُقدّر بـ53 مليار دولار خلال العقد المقبل، مقابل 524 مليارًا لأوكرانيا. ورغم أن غزة أقل مساحة بكثير وأرخص كلفة نسبيًا، فإن فرص نجاح إعادة إعمارها على المدى الطويل تبقى أضعف، في حين أن الطرفين يواجهان مخاطر جسيمة إذا تم تجاهل الدروس السابقة.
مصائد المال:
يواجه المموّلون في بيئات غير مستقرة تحديات كبرى:
· أولًا: ضمان أمن الكوادر العاملة على الأرض.
· ثانيًا، وخصوصًا في غزة، ضخ الأموال في المجتمعات المحلية دون تقوية العناصر المعادية المندمجة فيها.
· ثالثًا: الحد من المخاطر الاقتصادية مثل التضخم، والتبعية طويلة الأمد، وإعاقة بناء القدرات المحلية.
· رابعًا: تجنّب إنشاء أهداف عالية القيمة قد تستقطب الهجمات، ومن هنا فإن كيفية إدارة هذه المخاطر سترسم مستقبل جهود إعادة الإعمار في كلا البلدين.
الأمن شرط سابق وليس نتيجة:
للإجابة عن سؤال: "لماذا فشلت جهود إعادة الإعمار في تحقيق أهدافها؟" قال المفتش العام الأمريكي للعراق:
"الأمن.. هذا هو التفسير الذي تكرر آلاف المرات منذ غزو 2003، باعتباره السبب الرئيسي وراء الإخفاقات الكبيرة والصغيرة في برنامج إعادة الإعمار الأمريكي. لكن هذا التفسير يستدعي سؤالًا آخر: لماذا جرى تنفيذ خطة إعادة إعمار واسعة في بيئة أمنية شديدة الاضطراب؟ إن هذا السؤال يسلط الضوء على درس قاسٍ من العراق؛ الحذر من مواصلة إعادة الإعمار بشكل واسع في ظل استمرار الصراع".
إن هذا العامل يمثل التهديد الأكبر لجهود إعادة الإعمار في كل من أوكرانيا وغزة؛ ففي غزة لا يُرجّح أن توقف الفصائل المسلحة، التي تعتبر حماس إحداها فقط، الأعمال العدائية لفترة كافية لتمكين تنمية مستدامة. فهذه المجموعات أكثر تجذرًا من شبكات التمرد شرق أوكرانيا، وقد دمجت البنية التحتية المحلية في جهدها العسكري، وتتمتع بقائمة طويلة من الحلفاء والداعمين الخارجيين.
أما في أوكرانيا، فرغم أن استمرار القتال المباشر يمثل العقبة الأكبر، فإن المخاطر بعيدة المدى ما زالت قائمة؛ فحتى مع وقف إطلاق النار ستعود روسيا على الأرجح إلى أساليب الحرب غير النظامية والعمليات السرية. وفي هذا الإطار، تواجه غزة وأوكرانيا التحدي نفسه؛ احتمال عودة القلاقل التي سبقت الحرب الحالية ليصبح القتال سيد الموقف مجددًا. وبما أن أيًّا من الأطراف لا يرى في التسويات المحتملة تحقيقًا لأهدافه الأيديولوجية، فإن احتمالات السلام الدائم تبقى محدودة.
تغذية العنف:
يتطلب التمرد دعمًا محليًا واسعًا و/أو رعاية خارجية مستمرة؛ وحماس تمتلك كليهما؛ حيث ترتبط فصائل غزة المسلحة بتمويل خارجي وفير، كما إنها متغلغلة بعمق في الاقتصاد المحلي، وتربح من معظم الأنشطة التجارية. ومخاطر الفساد وسوء الإدارة المالية كبيرة للغاية، فتكاليف بناء "مترو غزة" (90 مليونًا إلى مليار دولار) تعادل المبالغ التي يُزعم أن الحركة ربحتها من تحويلات أموال وكالة الأونروا. ورغم تراجع قدراتها المالية، لكن شبكاتها ما زالت تعمل، وتظل كل من الضرائب والجباية مصادر دخل أساسية.
وقد بيّنت الأبحاث أنه في ظروف مشابهة لما تشهده غزة اليوم، يمكن لتدفق الأموال التنموية بكثافة أن يقوّي الحركات المتمردة دون قصد؛ وهو ما يجعل الرقابة الصارمة والمراجعة الخارجية وإجراءات الضبط المالي شروطًا حتمية لأي برنامج إعادة إعمار.
ورغم بقاء الفساد تحديًا في أوكرانيا، فلا يوجد نظام مالي وطني يدعم تمردًا مواليًا لروسيا، لذلك كانت الأخيرة تدفع رواتب حكومات الانفصال في الشرق قبل 2022، ما يبرز الاعتماد على الدعم الخارجي. وإذا عاد نمط الحرب بالوكالة، فسيكون على موسكو إعادة بناء شبكة تمرد من الصفر، ما يمنح كييف نافذة مهمة لإعادة الإعمار.
اقتصادات المساعدات:
شهدت أفغانستان خلال الحرب معدلات نمو مرتفعة، لأن نحو 40% من اقتصادها كان قائمًا على المساعدات الخارجية، و40% أخرى على تجارة الأفيون. ويمكن أن يؤدي تدفق المساعدات بلا حذر إلى تغذية الفساد، وخنق المبادرات المحلية، وتشويه الأسعار، وخلق تبعية اقتصادية طويلة الأمد. وتزداد خطورة ذلك اليوم مع تآكل منظومة المساعدات الدولية، وتراجع قدرة الغرب على تحقيق الاستقرار.
من جهتها، تدخل أوكرانيا مرحلة إعادة الإعمار مع ميزات اقتصادية مهمة؛ أساس اقتصادي متين، واندماج في الأسواق العالمية، ونمو بيئة الشركات الناشئة، وزخم استثماري مدفوع بتقدّمها نحو عضوية الاتحاد الأوروبي وسمعتها الإيجابية في الغرب. أما غزة فتمثل نقيض ذلك تمامًا؛ فمنذ سيطرة حماس عام 2007 وبدء الحصار "الإسرائيلي"-المصري، أصبح اقتصادها من بين الأضعف عالميًا. وتحت سيطرة حماس أو أي جهة ذات سياسات مشابهة، فلا وجود لمسار واقعي نحو الاكتفاء الذاتي، ولا يمكن لأي بديل أن يتطور في ظل قمع أي منافس محتمل.
خلق أهداف جديدة:
يُعد البناء في بيئات غير آمنة معركة في حد ذاته؛ فتدمير ما هو باهظ الثمن سهل ورخيص أما البناء فيواجه صعوبات كبيرة. وكل مرحلة من مشروع البنية التحتية تفتح نافذة للتخريب تتطلب جزءًا صغيرًا من الموارد المستخدمة في البناء، وهذه المعادلة معروفة جيدًا لجميع الأطراف المتحاربة. كما إن البنية الجديدة تخلق هشاشة نفسية؛ فدمار مشروع حديث أقسى بكثير من فقدان بنية عمرها سنوات. ويمتد أثر ذلك إلى المانحين؛ فالخسائر البارزة تقوّض الدعم الشعبي في بلدانهم وتعرض تدفق الأموال للخطر.
الخلاصة:
لا ضمان لبقاء ما يُعاد بناؤه في مناطق النزاع المشتعل؛ وبالتالي يتعين على المانحين في أوكرانيا وغزة فرض رقابة صارمة واتخاذ تدابير دفاعية لإدارة المخاطر. ويمكن القول إن أوكرانيا تبقى في موقع أفضل بفضل الوضع السياسي والالتزام بالمستقبل الديمقراطي والانضباط المالي للمانحين. أما غزة فواقعها مغاير تمامًا؛ إذ لا وجود لحكومة مستقرة أو مقبولة شعبيًا قادرة على إدارة نحو 20 مليار دولار مطلوبة خلال السنوات الثلاث الأولى، ولا قدرة اقتراضية سيادية لتقاسم العبء. وستأتي المساعدات من الخارج بالكامل تقريبًا، ودون ضمانات أمنية موثوقة قد تُهدر مليارات في أصول يمكن تدميرها مجددًا أو تحويلها إلى أدوات قتال بكلفة أقل بكثير.
ويبقى السؤال مفتوحًا حول مدى قدرة آليات الرقابة على العمل في البيئة السياسية لغزة، والتي بدونها يستحيل تحقيق نجاح طويل الأمد. فلا توجد خيارات جيدة؛ إذ إن الضغوط السياسية سوف تفرض على المانحين المشاركة، لكن فشل برنامج آخر لإعادة الإعمار في الخارج قد يثير ردود فعل سلبية واسعة، ويهدد الدعم العام للمساعدات الدولية.
وفي كل من أوكرانيا وغزة، سيؤدي ضخّ الأموال بلا أمن أو استراتيجية أو ضوابط صارمة إلى تكرار إخفاقات العراق وأفغانستان. وعلى المانحين تفضيل النتائج المستدامة على الإغراء السياسي قصير المدى لصرف الأموال سريعًا؛ فقد أُتيحت فرصة جديدة لصنع سلام دائم، والواجب الأخلاقي والمصلحة الاستراتيجية يفرضان ألّا يتم إهدارها.