تداعيات إقصاء أنقرة عن مسار المفاوضات النووية على العلاقات التركية الإيرانية

الساعة : 10:55
21 فبراير 2026
تداعيات إقصاء أنقرة عن مسار المفاوضات النووية على العلاقات التركية الإيرانية

المصدر: جيروزاليم إنستيتيوت فور ستراتيجي آند سيكيورِتي (JISS

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

مقدمة:

كشف تغيير مكان انعقاد المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران من إسطنبول إلى مسقط عن توترات عميقة بين أنقرة وطهران، تتعلق بممر "زنغزور" والنفوذ الإقليمي وانعدام الثقة الاستخبارية؛ إذ أثار القرار عاصفة من الانتقادات في وسائل الإعلام التركية. فرغم تقديمه بوصفه ضرورة لوجستية واستراتيجية، فقد كشف هذا التحول عن توترات بنيوية راسخة وتنافس متصاعد بين أنقرة وطهران. فمن جهتها، تنظر تركيا إلى الأمر على أنه رفض إيراني لـ"مسار إسطنبول"، وهو إطار دبلوماسي صاغته أنقرة بعناية لتثبيت نفسها كوسيط لا غنى عنه في استقرار المنطقة. ومع افتتاح المفاوضات في مسقط أوحى الخطاب المستخدم من قبل المعلقين الأتراك بنهاية مرحلة "المنافسة المُدارة"، وبداية عصر أكثر صدامية في العلاقات التركية-الإيرانية.

انهيار  "إطار  إسطنبول"

لم يكن الأمر في أنقرة مجرد مسألة خطاب؛ فانتقادات إيران صدرت عن محللين ومعلقين بارزين، لكنها لم تظهر في افتتاحيات الصحف الرسمية المطبوعة، بل ظهرت بشكل أساسي على وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية، ونادرًا ما يشير محللون أتراك إلى إيران مباشرة دون مواربة، مستخدمين تعبيرات مثل "نظام الملالي" أو "الشيعية الطائفية". ويبدو أن اختيار منصات النشر ونبرة الخطاب ليس أمرًا عفويًا بل ضمن نهج محسوب؛ فتركيا تريد توجيه انتقادات لإيران مع إيصال رسالة للنظام الإيراني بأن أنقرة تدرك جيدًا "ألاعيب طهران الخبيثة".

ومع ذلك، لا ترغب تركيا في "حرق الجسور" مع طهران، لذا يستخدم المعلقون إشارات غير مجاملة لإيران بحيث لا تُفهم بوصفها الموقف الرسمي لأنقرة، الأمر الذي قد يفاقم الأمور على المدى الطويل. فالتصريح المباشر، مثل وصف إيران بأنها "نظام الملالي" أو "شيعية طائفية"، يتعارض مع قواعد اللياقة الدبلوماسية في الشرق الأوسط. ومن هنا يكون الصحفيون والمعلقون الذين يعبّرون عن آرائهم الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر فعالية في إيصال الرسائل. وثمة تفصيل مهم آخر؛ فخلف الشكوى العاطفية من السلوك الإيراني تكمن مخاوف جيوسياسية حقيقية، يأتي ملف زنغزور في مقدمتها.

الجوهر الجيوسياسي: ممر "زنغزور "ومسرح القوقاز

رغم أن تغيير المكان كان الشرارة المباشرة لغضب الإعلام، فإن التوتر الأساسي ينبع من رؤى متنافسة حول جنوب القوقاز لا سيما مشروع ممر زنغزور، الذي يربط أذربيجان القارية بجيب ناخيتشيفان عبر مقاطعة سيونيك الأرمنية، ويعتبر ركنًا محوريًا في استراتيجية تركيا لما يُعرف بـ"الممر الأوسط"، وقد ربط الإعلام التركي صراحةً رفض إيران لإسطنبول بـ"عداء" طهران للمشروع.

فبالنسبة لتركيا، يمثل ممر زنغزور فرصة تاريخية لإقامة رابط بري مباشر مع العالم التركي في آسيا الوسطى وصولًا إلى الصين؛ حيث يتيح ذلك لأنقرة تجاوز طرق العبور الروسية والإيرانية، ما يعزز دورها كمركز لوجستي عالمي ويقلل اعتمادها على "الجسر الإيراني". كما إن مبدأ "دولتان وأمة واحدة" الذي يحدد العلاقة بين تركيا وأذربيجان، يجعل الممر أولوية وطنية غير قابلة للتفاوض للحكومة التركية.

أما من منظور طهران، فيعتبر الممر تهديدًا وجوديًا لمكانتها الجيوسياسية الشمالية؛ إذ يرى إعلام الدولة الإيراني والمحللون أن الممر سيقطع فعليًا حدود إيران مع أرمينيا، وهي بوابتها البرية الوحيدة إلى القوقاز وأوروبا. كما تخشى طهران أن يكون المشروع "مشروعًا صهيونيًا-أطلسيًا" يهدف لجلب حضور عسكري تركي (ومن ثم غربي) إلى حدودها الشمالية مباشرة.

وقد اتهم الإعلام التركي إيران بدعم أرمينيا ضد أذربيجان ضمن استراتيجية أوسع لـ"الحفاظ على قبضتها على طريق التجارة الاستراتيجي في القوقاز"، ومنع تركيا من التحول إلى القوة الإقليمية الأولى. ويُعتبر هذا التصادم في المصالح سببًا رئيسيًا لرؤية طهران أن استضافة إسطنبول للمفاوضات ستكون "فخًا" قد تضطر فيه لتقديم تنازلات بشأن الممر  مقابل تخفيف نووي.

الأبعاد الاقتصادية: العقوبات والذهب والبوابة التركية الهشة

لقد نبع جزء مهم من غضب الإعلام التركي من الاعتقاد بأن إيران تتخلى عن أكثر شركائها الاقتصاديين موثوقية؛ فقد شكّلت تركيا لسنوات "رئة" الاقتصاد الإيراني وسهّلت حركة الذهب والعملات للالتفاف على العقوبات الغربية. ويرى صحفيون مقربون من الحكومة أن نقل المحادثات إلى مسقط محاولة لتجاوز "حارس البوابة التركي" والتفاوض مباشرة مع واشنطن، ما قد يترك أنقرة تتحمل التكاليف الدبلوماسية والاقتصادية لدعمها السابق دون أن تجني فوائد أي اتفاق مستقبلي.

كما تناول النقد الإعلامي "الواقع المخزي" لسوء الإدارة الاقتصادية الداخلية في إيران؛ إذ استُخدمت تقارير انهيار الريال وتقنين السلع الأساسية لمقارنة "تركيا القوية المستقرة" بـ"إيران الهشة المتعثرة". وكان الهدف تعزيز سردية أن رفض إسطنبول لم يكن خطأً دبلوماسيًا فحسب، بل علامة على نظام فقد شرعيته داخليًا وإقليميًا.

دوافع طهران نحو  اعتماد "قناة مسقط"

لفهم إصرار طهران على نقل المحادثات إلى مسقط يجب النظر إلى الدوافع التي عبّرت عنها مصادر إيرانية موالية ومعارضة على السواء؛ فبالنسبة للقيادة الإيرانية كان اختيار عُمان خطوة محسوبة للحفاظ على الاستقلال الاستراتيجي، وتقييد نطاق المحادثات، وضمان بقاء النظام في ظل ضغوط داخلية وخارجية شديدة.

وقد شكّلت عُمان "الهدوء المألوف" في الدبلوماسية الإيرانية-الأمريكية لأكثر من عقد؛ حيث بدأت المحادثات السرية التي قادت إلى الاتفاق النووي لعام 2015 في مسقط عام 2012، وأثبتت السلطنة باستمرار قدرتها على الحفاظ على السرية وتوفير قناة اتصال آمنة وغير مباشرة. ويرى محللون إيرانيون أن حياد مسقط "مجرَّب" في حين أن عضوية تركيا في "الناتو" وسياستها الخارجية "المتعرجة" تجعلها وسيطًا غير مناسب ومتحيز.

كان أكثر جوانب الانتقال من إسطنبول إلى مسقط إثارة للجدل هو استبعاد الدول الإقليمية؛ فقد صُمم "مسار إسطنبول" كـ"دفع إقليمي للحوار"، مع دعوة وزراء خارجية السعودية والإمارات وباكستان وقطر ومصر للمراقبة والمشاركة. فمن وجهة نظر أنقرة، تعتبر هذه الدول أصحاب المصلحة الرئيسيين في أي اتفاق نووي، لأنها ستكون أول من يواجه عواقب إيران نووية أو حرب إقليمية. وقد ترددت إدارة "ترامب" في البداية أمام مطلب إيران بنقل المفاوضات واستبعاد المراقبين، لكنها تراجعت لاحقًا بعد ضغوط عاجلة من تسعة قادة عرب على الأقل حثوا واشنطن على عدم التخلي عن المسار الدبلوماسي.

أما المصادر الإيرانية فرأت المشاركة الإقليمية "فخًا" لإجبار طهران على مناقشة نفوذها الإقليمي، فقد اعتبر "أحمد بخشايش"، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، أن الدول العربية "لا تريد لإيران أن تمتلك نفوذًا إقليميًا"، وأن وجودها على الطاولة لن يؤدي إلا إلى عرقلة المفاوضات. وبنقل المحادثات إلى مسقط راهنت طهران على أنها ستحصل على صفقة أفضل من خلال التفاوض مع الولايات المتحدة وحدها، مراهِنةً على أن رغبة "ترامب" في "انتصار تاريخي" ستتغلب على التزامه بحلفائه الإقليميين.

وفي الإطار النهائي لمسقط، بدا أن رئيس وزراء قطر هو المشارك الإقليمي الوحيد المحتمل، ما يشير إلى أن قطر ما زالت القوة الإقليمية الوحيدة التي تشعر طهران بالراحة في مشاركة المسرح الدبلوماسي معها، وهو ما يؤكد العزلة التي أحدثها الابتعاد عن إسطنبول. وقد استغل الإعلام التركي ذلك، مشيرًا إلى أن تفضيل إيران "وساطة دولة صغيرة مثل قطر أو عُمان" على "قوة تركيا" يكشف ضعفها الاستراتيجي.

تناظر انعدام الثقة: الاستخبارات وأمن المعلومات وعامل MIT

كان دور الأجهزة الاستخبارية نقطة دقيقة في نقد الإعلام التركي وربما عاملًا في القرار الإيراني؛ فجهاز الاستخبارات التركي يعتبر من أكثر أجهزة المنطقة كفاءة وله شبكات عميقة داخل إيران والولايات المتحدة، وقد اعترف معلقون أتراك بأن "للإيرانيين أسباب قوية للخوف على أمن معلومات المحادثات" في إسطنبول. ففي بيئة متعددة الأطراف وشفافة مثل إسطنبول، كان الوفد الإيراني سيواجه "هوسًا إعلاميًا" و"ضغط تفاوض خارجي"، كما أشار محللون إلى أن وجود وسائل إعلام غربية بارزة كان سيجعل من المستحيل على طهران التحكم في السردية.

من جهة أخرى، فإن القدرات التقنية للاستخبارات التركية قد تتيح مراقبة مداولات الفريق الإيراني الداخلية، ما يمنح أنقرة نفوذًا كبيرًا في مفاوضات إقليمية لاحقة. أما مسقط فليست "مركزًا إعلاميًا"، فيما يوفر قصر العلم بيئة شديدة التحكم تضمن الأمنيْن المادي والمعلوماتي للمشاركين. وقد منحت هذه "الألفة" مع البروتوكولات الأمنية العمانية الوفد الإيراني شعورًا بالأمان، افتقده في تركيا التي ينظر إليها على أنها أرض "مخترقة من الناتو". كما فسر الإعلام التركي هذا التفضيل للأمن بأنه دليل على أن إيران "تخفي الحقيقة" عن جيرانها، خصوصًا بشأن أي تنازلات قد تقدمها لإدارة "ترامب".

الخلاصة والرؤى الاستراتيجية

يكشف "التحول إلى مسقط" ثلاثة تحولات استراتيجية رئيسية في النظام الإقليمي:

1- نهاية نموذج "المنصة الإقليمية":  حيث يشير فشل محادثات إسطنبول إلى رفض فكرة أن القوى الإقليمية يمكنها أو ينبغي أن تدير الملف النووي الإيراني؛ فاختيار طهران إدارة الأزمة ثنائيًا في مسقط يدل على أنها ما زالت تعتبر برنامجها النووي ورقة سيادية للمساومة مع واشنطن فقط، ما يهمش تركيا والدول العربية ويعيدها إلى دور المراقب السلبي لاتفاق يؤثر مباشرة على أمنها.

2- جنوب القوقاز نقطة احتكاك رئيسية جديدة:  يشير رد الفعل التركي الحاد إلى أن التنافس التركي-الإيراني انتقل من حروب الوكالة في سوريا والعراق إلى منافسة جيوسياسية مباشرة في القوقاز، فيما تُعتبر "معضلة زنغزور" لعبة صفرية؛ فنجاح المشروع يرفع تركيا إلى موقع الهيمنة الأوراسية، وفشله يحافظ على دور إيران كجسر عبور لا غنى عنه. وتكتسب القضية أهمية قصوى لأنها تمس "إسرائيل" والغرب أيضًا؛ حيث تتقاطع عندها مصالح تركيا بالكامل مع الولايات المتحدة والغرب، لأن نجاح المشروع سيزيل النفوذ الإيراني من ذلك المسار التجاري.

3- دبلوماسية "الشخصنة" ذات الطابع العسكري الثقيل لدى "ترامب": لقد هيمنت على محادثات مسقط شخصيات مبعوثة مباشرة وعسكرية أكثر من الدبلوماسيين التقليديين، وقد فضلت هذه "الهندسة الترامبية" بيئة خاصة عالية المخاطر مثل مسقط على بيئة متعددة الأطراف شفافة مثل إسطنبول. وأدركت طهران أن أولوية "ترامب" هي "الصفقة" لا "الإجماع الإقليمي"، فاستغلت تغيير المكان لفصل الولايات المتحدة عن شركائها الأتراك والعرب.

الاستنتاجات والمسارات المستقبلية

تمثل مفاوضات مسقط انتصارًا تكتيكيًا مهمًا للجمهورية الإسلامية الإيرانية في سعيها للحفاظ على برنامجها النووي وأمن نظامها عبر "ملاذ" ثنائي، لكن هذا الانتصار جاء بكلفة دبلوماسية كبيرة في أنقرة؛ فانتقادات الإعلام التركي غير المسبوقة لـ"نظام الملالي" وتركيزه على "جحود" إيران دلالة على أن مرحلة التعاون التركي-الإيراني المُدار تقترب من نهايتها.

ومع استمرار محادثات مسقط يُرجح أن ينتقل مركز التوتر الإقليمي إلى القوقاز؛ فإذا أسفرت العملية عن اتفاق نووي محدود يعزز ثقة طهران، فمن المرجح أن ترد تركيا بتسريع مشروع زنغزور وتعزيز تحالفها العسكري مع أذربيجان، ما قد يطلق مواجهة على الحدود الشمالية لإيران.

أما إذا فشلت المحادثات ووقعت "الأشياء السيئة" التي هددت بها إدارة "ترامب"، فإن خطاب الإعلام التركي الحالي يشير إلى أن أنقرة قد لا تعود تؤدي دور "الرئة" الاقتصادية والدبلوماسية التي أبقت النظام الإيراني حيًا تاريخيًا.

ورغم أجواء انعدام الثقة، ما زالت تركيا تُبقي جميع خياراتها مفتوحة؛ فمصلحتها الأساسية حاليًا هي منع هجوم أمريكي، لأنها ترى أن المخاطر الناجمة عن انهيار النظام الإيراني قد تكون أخطر من لعبة القوة الكلامية مع طهران.