الحرب على إيران تدفع روسيا لتبني نظرية "التحوّط الاستراتيجي".. موسكو لا تستطيع موازنة التحالف الأمريكي-"الإسرائيلي" عسكريًا في الشرق الأوسط وليس لديها

الساعة : 10:04
13 مارس 2026
الحرب على إيران تدفع روسيا لتبني نظرية

المصدر: تشاتام هاوس

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

في مذكرة دبلوماسية إلى الحكومة الإيرانية بتاريخ 29 مارس/ آذار 1944، أشار فياتشيسلاف مولوتوف، وزير خارجية الاتحاد السوفيتي آنذاك، إلى أن "الاتحاد السوفيتي لا يمكنه أن يبقى غير مبالٍ بمصير إيران". وقد جسّد هذا التصريح مبدأً ثابتًا في السياسة الخارجية السوفيتية ما زال يلخص مقاربة موسكو للشرق الأوسط اليوم؛ فإيران ليست فاعلًا هامشيًا يمكن الاستغناء عنه بل تمثل عقدة بنيوية على الجناح الجنوبي لمنطقة النفوذ الروسية في آسيا الوسطى.

وقد تدفع المواجهة العسكرية الحالية بين إيران من جهة والولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة أخرى هذا المنطق إلى حدوده القصوى؛ فقد تجد موسكو نفسها مضطرة للتعامل مع هندسة جديدة، وربما خطرة، تجمع بين اعتبارات المنفعة والأيديولوجيا وضبط النفس الاستراتيجي. وبحسب مآلات الحرب، قد يرى الكرملين أن بنيته الاستراتيجية المتعثرة أصلًا في الشرق الأوسط قد تقوّضت إلى حد يجبره على إعادة تقييم حساباته الإقليمية.

حسابات روسيا

لقد اتسم الموقف الروسي العلني إزاء العمل العسكري ضد إيران بإدانة خطابية حادة؛ فقد وصفت موسكو الضربات بأنها "أعمال عدوان مسلح غير مبررة"، محذرةً من مخاطر زعزعة الاستقرار الإقليمي والعالمي ما لم يُستأنف المسار الدبلوماسي. لكن روسيا لن تدخل بطبيعة الحال في أي مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة و"إسرائيل"، كما إنها لم تعطِ طهران أي إشارة لاحتمال تقديم أي نوع من الدعم. ومن المرجح أن تكون الخطوات التالية للكرملين محسوبة بعناية للحفاظ على مصداقيته كشريك مناهض للغرب، مع تجنب الانجرار إلى صراع ثانٍ عالي الكلفة والكثافة، وسيحرص على إبقاء مساحة للمساومة مع واشنطن في قضايا أخرى، على رأسها مفاوضات إنهاء الحرب في أوكرانيا.

وإلى أن تتضح صورة الوضع في إيران، سيكون شعار موسكو الأساسي هو "التحوط الاستراتيجي"؛ بمعنى أنها ستحاول الاستفادة قدر الإمكان من انشغال الولايات المتحدة في المنطقة، على أمل حرمان كييف من الاهتمام الإعلامي ودفع الحرب في أوكرانيا إلى الخلفية.

البعد النووي: من التعاون في الطاقة إلى المخاطر الاستراتيجية

لكن التطورات الجارية في إيران ليست بلا تداعيات أعمق بالنسبة لموسكو، خصوصًا فيما يتعلق بالملف النووي.؛ ففي إطار "خطة العمل الشاملة المشتركة" (الاتفاق النووي)، كانت مستويات التخصيب والمخزونات النووية جزءًا من إطار تفاوضي شاركت فيه روسيا بدور محوري، أما الآن فقد انهار ذلك الإطار. وكانت الضربات الأمريكية و"الإسرائيلية" خلال "حرب الأيام الـ12" في يونيو/ حزيران قد ألحقت بالفعل أضرارًا كبيرة بالبنية التحتية الإيرانية للتخصيب. أما الحرب الجارية فقد نقلت الملف النووي إلى مستوى آخر؛ إذ انتقل من دبلوماسية مُدارة وضربات جراحية محدودة إلى استخدام القوة القسرية المباشرة، مع طموح واضح على المدى الطويل لتغيير النظام.

وبالنسبة لموسكو، يغيّر هذا الواقع الحسابات في ثلاثة اتجاهات:

1.     إن بقاء الملف النووي الإيراني ضعيفًا لكنه غير محسوم يحافظ على الأهمية الاستراتيجية لإيران، لكنه في الوقت نفسه يزيد من مستوى التقلب المحيط بها. كما إن الانخراط مع نظام إيراني أصبح على خلاف مع معظم دول شبه الجزيرة العربية يحمل مخاطر سياسية واضحة. ويعكس ذلك مفارقة بنيوية أعمق؛ فالتعاون الذي جمع روسيا وإيران اقتصاديًا وتقنيًا قد يعرّض موسكو اليوم لمعضلات تتعلق بالسمعة والعمليات.

2.     إن تطبيع الضربات الوقائية ضد البنية التحتية النووية يقوّض البنية الدبلوماسية، التي كانت روسيا تستخدمها لإظهار نفوذها وإضفاء شرعية سياسية على دورها في المنطقة.

3.     وليس أقل أهمية: إذا خرجت طهران من الحرب منهكة بشكل كبير أو أُجبرت على تسوية قسرية مع واشنطن، فإن موسكو ستفقد جزءًا من نفوذها في منطقة ضاقت فيها بالفعل مساحة المناورة بعد سقوط نظام "الأسد" في سوريا.

ارتباطات حرب أوكرانيا: تراجع الأهمية مع استمرار الصلة

قد يشير مقتل المرشد الأعلى لإيران والضغط العسكري المتزايد من عدد متنامٍ من الدول إلى أن نفوذ موسكو في المنطقة آخذ في التراجع، لكن لا يُرجح أن يعرقل الوضع في إيران خطط موسكو في أوكرانيا أو أن يغير موازين المعركة هناك. فقد تراجعت حاجة روسيا إلى الدعم الإيراني في استمرار حربها في أوكرانيا، بعدما نجحت موسكو في الإنتاج المحلي للطائرات المسيّرة الإيرانية من طراز "شاهد" ومكوناتها، ودمجها في خطوط الإنتاج الروسية، وبالتالي أصبحت روسيا تنتج الآن كميات كبيرة من أنظمة مشابهة محليًا، ما يجعل استمرار الإمدادات الإيرانية أقل ضرورة. ويقلل ذلك من المخاطر العملياتية قصيرة المدى على موسكو إذا طال أمد الصراع في إيران؛ إذ يمكن لروسيا امتصاص عدم الاستقرار الإيراني دون انهيار فوري في قدراتها.

لكن هذا الوضع له ثمن؛ فقد تصبح الشراكة أقل توازنًا وأكثر طابعًا تبادليًا مما كانت عليه بالفعل في الأشهر الأخيرة. فهذا الاختلال في العلاقة يمنح طهران بعض النفوذ، خصوصًا أنها قدمت لموسكو خبرات استراتيجية في الالتفاف على العقوبات، لكنه بالمقابل يقلل من دوافع الكرملين للدفاع عن شريك يتعرض لضغوط وجودية.

خطر الاستنزاف المتسلسل

كان حضور روسيا في الشرق الأوسط قائمًا تاريخيًا على شبكة من الشراكات المتكاملة استراتيجيًا؛ سوريا كمرتكز غربي وإيران كمحور شرقي. لكن النفوذ الروسي في دمشق تراجع خلال العقد الماضي، ما جعل دور طهران أكثر وضوحًا، وأكثر هشاشة في الوقت ذاته، في الحسابات الاستراتيجية لموسكو. وإذا أصبحت إيران مستنزفة في الحرب وتراجعت قدرتها على لعب دور الموازن الإقليمي، فإن روسيا ستواجه تآكلًا متتاليًا في عمقها الاستراتيجي.

وقد يتحول المشهد الجيوسياسي الأوسع من توازن متعدد الأقطاب تستطيع فيه موسكو المناورة بين الخصوم، إلى بيئة أكثر تفككًا تصبح فيها روسيا لاعبًا تفاعليًا لا مبادرًا. وهذا مهم لأن إسقاط القوة الإقليمية يعتمد بقدر كبير على الاستقرار والقدرة على التنبؤ في المناطق المجاورة، وليس فقط على وجود أنظمة حليفة. أما إيران المنخرطة في حرب طويلة فتضيف مستوى جديدًا من الضبابية على طول القوس الجنوبي لروسيا، من القوقاز إلى آسيا الوسطى، حيث تراجع نفوذ موسكو أيضًا.

التموضع الأيديولوجي وسردية التعددية القطبية

قال يفغيني بريماكوف، رئيس الوزراء الروسي والمنظر الكبير للسياسة الخارجية الروسية، عام 1998: "ستسعى روسيا لتشكيل عالم متعدد الأقطاب". وأصبحت هذه الفكرة حجر الأساس في السردية الاستراتيجية للكرملين؛ السعي لنظام دولي تتوازن فيه قوى مثل إيران والصين وروسيا في مواجهة الهيمنة المتصورة للولايات المتحدة و"الغرب الجماعي".

وفي هذا الإطار، اعتبر "بريماكوف" أن قدرة إيران تمثل عنصر توازن بنيوي ضمن ميزان أوراسي أوسع، يطمس الحدود بين أوروبا وآسيا ويتحدى فكرة أن أوروبا فضاء غربي خالص على المستوى المؤسسي والاستراتيجي. لكن هذه الأطروحة تواجه اليوم اختبارًا صعبًا؛ فإذا نجحت الولايات المتحدة و"إسرائيل" في إضعاف الموقع الاستراتيجي لإيران، فإن سردية النظام متعدد الأقطاب المتماسك ستفقد جزءًا من جاذبيتها الأيديولوجية. ومن ثم فإن مسار الحرب لا يؤثر فقط على توازن القوى المادي، بل أيضًا على الشرعية الفكرية للتصور الاستراتيجي الروسي الأشمل.

مخاطر التمدد الإقليمي وخيارات روسيا

إن حربًا طويلة الأمد تثير أسئلة حاسمة حول تأثير التمدد الإقليمي، من تدفقات اللاجئين إلى انتشار الأسلحة والشبكات المسلحة؛ فبالنسبة لروسيا، التي اعتمدت استراتيجيتها الأمنية في جناحها الجنوبي تاريخيًا على الاستقرار الداخلي والإقليمي، فإن هذه المخاطر ليست مسألة هامشية. وفي الوقت نفسه، فإن خيارات موسكو محدودة؛ إذ لا تستطيع موازنة التحالف الأمريكي-"الإسرائيلي" عسكريًا في الشرق الأوسط، كما إنها لا تمتلك الوزن الاقتصادي الكافي لدعم طهران بالكامل إذا وجدت إيران نفسها معزولة بعد الحرب.

وعلى موسكو أيضًا أن تراعي العامل الصيني؛ فقد تخرج بكين، وليس موسكو، لاعبًا خارجيًا أكثر تأثيرًا في إيران ما بعد الحرب مما قد يبدو للوهلة الأولى. وبذلك تواجه روسيا معضلة استراتيجية؛ هل تعطي الأولوية للنأي المدروس وتعظيم نفوذها الدبلوماسي، أم تتعمق أكثر في شراكة قد تعرضها لمخاطر بنيوية وتقلبات جيوسياسية أكبر في المنطقة؟

صلابة استراتيجية في بيئة متفككة

من بعض النواحي، ما زالت ملاحظة "مولوتوف" حول الأهمية الاستراتيجية لإيران بالنسبة لموسكو صالحة حتى اليوم، لكن السياق تغيّر جذريًا؛ فروسيا ليست معتمدة عمليًا على إيران في حربها ضد أوكرانيا، وهذا يمنحها هامشًا من المرونة على المدى القصير. لكنها بالمقابل معرضة للاضطرابات الجيوسياسية الأوسع التي تولدها حرب إيران مع الولايات المتحدة و"إسرائيل".

إن هذه الحرب تختبر صبر روسيا الاستراتيجي وسرديتها الأيديولوجية، وقدرتها على الحفاظ على دور فاعل في منطقة تتجه سريعًا نحو مزيد من التفكك؛ فالشراكة التي كانت في السابق علاقة مصلحة توفر قدرًا من الحماية تحوّلت الآن إلى متغير ضمن معادلة أكبر بكثير؛ معادلة لم يعد فيها النفوذ الروسي مهيمنًا ولا يمكن الاستغناء عنه بالكامل، بل أصبح نفوذًا مشروطًا خاضعًا للتفاوض وأكثر عرضة للتحولات التي تقع خارج السيطرة المباشرة لموسكو، وفقدان السيطرة أمر لا ينسجم بسهولة مع منطق الكرملين.