إدارة الحرس الثوري للانقسامات الداخلية بعد انتهاء الحرب

الساعة : 14:28
11 مايو 2026
إدارة الحرس الثوري للانقسامات الداخلية بعد انتهاء الحرب

المصدر: جيوﭘوليتكال فيوتشرز

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

إن السؤال الأكبر بخصوص الحرب في إيران لا يتعلق بكيفية انتهائها بل بطبيعة النظام الذي سينبثق في طهران بعد نهايتها، وتكمن الإجابة عن هذا السؤال في المؤسسة العسكرية. فأيًّا كانت نتيجة الحرب فقد تعرضت إيران بالفعل لتحولات بنيوية تجعل من المستحيل العودة إلى وضعها السابق قبل الحرب. ومن المرجح أن تتكشف التغيرات في بنية النظام على مدى عدة سنوات، وكما هو الحال في جميع الحكومات فإن الشكل النهائي للنظام سيتحدد بفعل صراعات داخلية على السلطة وصدامات مؤسسية وضغوط اجتماعية. وفي خضم هذه العملية يكمن الدور الحاسم للمؤسسة العسكرية، التي ستحدد درجة تماسكها وطموحاتها وخياراتها الاستراتيجية؛ إذا كانت ستُرسخ النظام السياسي المستقبلي أو تحوله أو تسهم في تفككه.

ليس من الواضح متى ستنتهي الحرب تحديدًا، لكنها عند انتهائها ستسير وفق أحد سيناريوهين أساسيين؛ يتمثل الأول في أن تؤدي الضغوط العسكرية والاقتصادية المستمرة إلى إجبار طهران على قبول تسوية تفاوضية تلبي المطالب الأساسية للولايات المتحدة، وعلى رأسها الالتزام بعدم تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية، مقابل تخفيف كبير للعقوبات. أما السيناريو الثاني فيفترض أن تفشل إيران في التوصل لتوافق داخلي حول حل وسط، ما يدفع الولايات المتحدة لتصعيد العمل العسكري وإعلان نهاية الأعمال العدائية دون اتفاق رسمي (كما حدث في حرب الخليج عام 1991).

وإذا تحقق السيناريو الثاني فسيخرج النظام الإيراني من الصراع في حالة ضعف شديدة وسيواجه قيودًا أشد بعد الحرب، ما يزيد من الضغط على أوضاعه السياسية والاقتصادية الهشة أصلًا. وسيستحضر القادة الإيرانيون تجربة العراق في عهد صدام حسين؛ حيث أدى الاحتواء المطوّل والعقوبات والعزلة لتدهور النظام وانهياره في نهاية المطاف. وسيؤثر هذا النموذج التاريخي بشدة على عملية صنع القرار في طهران، ويدفعها لتجنب مسار مماثل من التآكل التدريجي بفعل الجمود والعزلة. ومع ذلك، وبغض النظر عن السيناريو الذي سيتحقق، فمن المرجح أن يدخل النظام مرحلة طويلة من التحوّل الداخلي في محاولة لإعادة الاستقرار وبناء السلطة، في ظل ظروف استراتيجية متغيرة.

أما في الوقت الراهن، فيبدو أن سلسلة القيادة التقليدية للنظام قد تفككت؛ حيث تتوزع السلطة وتخضع للتنافس، كما إن الغموض المحيط بخطط الخلافة التي تتمحور حول المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، أدى لظهور مطالبات متناقضة وتقارير غير واضحة بشأن استمرار القيادة. وعلى المستوى التنفيذي، يعتبر الرئيس مسعود بزشكيان رئيسًا ضعيفًا نسبيًا يفتقر للنفوذ المؤسسي الذي تمتعت به إدارات سابقة داخل بنية السلطة.

في ظل هذا الفراغ، برز الحرس الثوري بقيادة قائده الجديد، العميد أحمد وحيدي، كفاعل رئيسي في تشكيل قرارات الأمن والحرب والسياسات الأساسية للدولة. لكن صعود "وحيدي" تعقّد بسبب الضربات "الإسرائيلية" المتكررة التي استهدفت القيادات العليا للحرس الثوري منذ حزيران/ يونيو الماضي، ما أدى لخلل في تماسك القيادة. وقد زاد الصراع اللاحق من تآكل هذا التماسك نتيجة الاستهداف المتكرر والخسائر في ساحة المعركة، ما سرّع من تفكك المؤسسة على مستوى القيادة العليا.

وردًا على ذلك، أدى تبني الحرس الثوري لعقيدة قتالية أكثر توزيعًا تُعرف بـ"الموزاييك" لترقية قادة من الصفين الثاني والثالث إلى أدوار عملياتية وسياسية مؤثرة، ما وسّع فعليًا عدد الأطراف المشاركة في صنع القرار. وهذا الوضع يضع "وحيدي" أمام مهمة معقدة، تتمثل في إعادة بناء تماسك المؤسسة ودمج القادة الجدد في سلسلة قيادة موحدة وتعزيز سلطته الشخصية، وكل ذلك في ظل ظروف حرب مستمرة.

وفوق ذلك، يواجه الحرس الثوري حالة من الضعف المادي نتيجة الضربات الأمريكية و"الإسرائيلية" المستمرة التي استهدفت مراكزه القيادية وأنظمة دفاعه الجوي وبنيته التحتية للعمليات الخارجية. ورغم أن هذا التدهور لم يُقصِ الحرس، إلا أنه جعله أكثر اعتمادًا على القوات المسلحة النظامية (الجيش "أرتش") في العمليات القتالية. ومع ذلك، لم يتحول هذا الدور المتزايد للجيش لمساواة مؤسسية؛ فما زال يفتقر لقنوات قيادة استراتيجية مستقلة، ويظل خاضعًا هيكليًا في صنع القرار الأمني. والنتيجة هي حالة من الاعتماد المتبادل؛ يحتفظ فيها الحرس الثوري بسلطته لكنه يمارسها من خلال تنسيق عملياتي أوثق مع الجيش.

على الصعيد السياسي، يبدو أن "وحيدي" قد نفذ فعليًا "انقلابًا هادئًا" عبر استغلال فراغ القيادة الذي نشأ في اليوم الأول للحرب، وبصفته نائب قائد الحرس الثوري تولى قيادة الجهاز بعد مقتل سلفه، اللواء محمد باكبور، وكانت أولويته الأولى استثمار عملية الخلافة لضمان تنصيب "مجتبى خامنئي" مرشدًا أعلى خلال نحو أسبوع. وقد أدى ذلك لاستبعاد التوقعات السابقة للحرب التي كانت ترجح صعود "آية الله علي الخميني"، حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية، كخليفة محتمل. وكانت النتيجة تركيز السلطة في زمن الحرب حول شخصية أكثر ضعفًا وقابلية للتوجيه، ما عزز قدرة الحرس الثوري على الاحتفاظ بنفوذ حاسم داخل الدولة خلال الصراع.

وقد كان اختيار "مجتبى" متوقعًا؛ حيث شغل لسنوات دور رئيس الديوان لوالده، ما أتاح له بناء علاقات وثيقة مع الحرس الثوري ورجال الدين الكبار، وحتى لو لم يصب بجروح خطيرة في الضربة الجوية التي قتلت والده، فإنه كان سيظل مرشدًا ضعيفًا، نظرًا لافتقاره للنفوذ الذي تمتع به والده، فضلًا عن ضعف مؤهلاته الدينية، وهذا ما يتيح للحرس الثوري بقيادة "وحيدي" التحكم في مسار الأمور.

من جهة أخرى، فإن التحدي الرئيسي للحرس الثوري في عهد "وحيدي" يتمثل في الحفاظ على مظهر الشرعية الدستورية الذي يمنح النظام شرعيته، حتى مع تحوله التدريجي لنظام تهيمن عليه المؤسسة العسكرية بشكل واضح. وفي الوقت نفسه يتعين على الحرس التعامل مع فراغ بنيوي؛ حيث أصبحت كل من السلطة الدينية والمؤسسات الجمهورية أضعف من أي وقت مضى في تاريخ الجمهورية الإسلامية. وهذا الضعف المؤسسي يؤدي لتعقيد قدرة الحرس على الحكم بشكل غير مباشر مع الحفاظ على مظهر استمرار النظام، وتعتبر إدارة هذا التوتر أمرًا حاسمًا لاستقرار النظام، في ظل انخراطه في مواجهة مع الولايات المتحدة وسعيه للحفاظ على وقف إطلاق نار هش.

في النهاية، فإن نتيجة الحرب ستكون أقل أهمية من النظام السياسي الذي ستتركه وراءها؛ حيث ستدخل إيران مرحلة طويلة من إعادة التشكل الداخلي تحت ضغط بنيوي حاد. فقد أدى تآكل سلطة المؤسسة الدينية والمؤسسات الجمهورية لتحويل مركز الثقل نحو المؤسسة الأمنية، حتى وإن ظل هذا التحول مغلفًا بلغة ورموز النظام القديم. وبالتالي، فإن قدرة الحرس الثوري على تحويل تفوقه في زمن الحرب لإطار حكم مستقر، سيتوقف على مدى قدرته على إدارة الانقسامات الداخلية، والحفاظ على تماسك النخبة، وتجنب الإفراط في استخدام السلطة بما قد يثير ردود فعل أوسع.

وعليه، فإن النظام الذي سيظهر في طهران بعد الحرب لن يمثل قطيعة كاملة مع الماضي ولن يكون استمرارًا فعليًا له، بل سيكون على الأرجح نظامًا هجينًا تُعرّفه القوة العسكرية للدولة، في حين تكافح شرعيته للحاق بهذا الواقع.