المصدر: تشاتام هاوس
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
إن توسّع المستوطنات "الإسرائيلية" في الضفة الغربية يقوّض فرص تحقيق سلام إقليمي طويل الأمد، وعلى الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية أن تتحرك قبل فوات الأوان. ففي الوقت الذي انشغل فيه العالم بالحرب الأمريكية-"الإسرائيلية" على إيران وتداعياتها، اندفعت الحكومة "الإسرائيلية" لتسريع وتيرة الضمّ الفعلي للضفة الغربية المحتلة. وإذا لم يتم التصدي فورًا لهذا الفرض الأحادي للوقائع على الأرض، فسيصبح من الصعب جدًا معالجة الأسباب الجذرية للصراع العربي - "الإسرائيلي"، وقد يؤدي ذلك لسيناريوهات خطيرة بالنسبة لـ"إسرائيل" والفلسطينيين بل المنطقة بأسرها.
تسارع إجراءات الضمّ
يقود جهود تسريع الضمّ كلٌّ من وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، ووزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير؛ حيث أعلن الوزيران المنتميان لليمين المتطرف صراحة عزمهما فرض السيادة "الإسرائيلية" على الأراضي الفلسطينية المحتلة و"مواصلة قتل فكرة الدولة الفلسطينية". وإن كانت "إسرائيل" لم تُقدِم رسميًا على ضمّ الضفة، لكن منذ تولّي حكومة الائتلاف اليميني برئاسة "نتنياهو" السلطة في كانون الأول/ ديسمبر 2022، شهدت الضفة، بما فيها القدس الشرقية، تصاعدًا في سياسات توسيع المستوطنات وعنف المستوطنين. وكجزء من اتفاق الائتلاف، تعهّد "نتنياهو" بتقنين البؤر الاستيطانية التي أُنشئت بشكل غير قانوني وزيادة تمويل المستوطنات، كما وعد بالمضي قدمًا في سياسات تتضمن تطبيق السيادة "الإسرائيلية" في الضفة الغربية، "مع اختيار التوقيت ومراعاة المصالح الوطنية والدولية لدولة إسرائيل".
وفي تموز/ يوليو 2025، صادق الكنيست في تصويت رمزي على قرار غير ملزم يدعو إلى "تطبيق السيادة الإسرائيلية على يهودا والسامرة وغور الأردن"، في إشارة إلى الضفة الغربية. ورغم إعلان الرئيس الأمريكي "ترامب" معارضته لضمّ الضفة الغربية، فقد ارتفع عدد المستوطنات التي وافقت عليها الحكومة "الإسرائيلية" بشكل كبير بعد انتخابه للولاية الثانية؛ حيث تم تسجيل رقم قياسي سنوي بلغ 54 مستوطنة جديدة تمت الموافقة عليها رسميًا عام 2025. وفي العام نفسه منحت "إسرائيل" الموافقة النهائية لمشروع استيطاني مثير للجدل قرب القدس الشرقية يُعرف باسم "E1"، وهو مخطط استيطاني مطروح منذ فترة طويلة يغطي نحو 3% من مساحة الضفة الغربية المحتلة. ويتضمن هذا المشروع إنشاء طوق سيطرة حول القدس التاريخية والمواقع المقدسة، ويفكك الترابط الجغرافي للضفة الغربية، ويقوّض بشكل خطير إمكانية قيام عملية سلام مستقبلية، وقد صرّح "سموتريتش" بأن هذا المشروع "سيدفن فكرة الدولة الفلسطينية".
وفي شباط/ فبراير الماضي، وافق المجلس الوزاري الأمني "الإسرائيلي" على سلسلة إجراءات توسّع الحكم والإدارة "الإسرائيلية" في الضفة الغربية، في خطوة قوبلت بإدانة واسعة باعتبارها انتهاكًا للقانون الدولي. وتشمل هذه الإجراءات توسيع صلاحيات الوزارات والمؤسسات الحكومية "الإسرائيلية" لتشمل الضفة الغربية، بما يمثّل انتقالًا من الإدارة العسكرية إلى شكل من أشكال الدمج الإداري لأجزاء من الأراضي المحتلة ضمن هيكل الدولة "الإسرائيلية".
وضمن هذه الإجراءات أيضًا، أنشأت الحكومة آلية لتسجيل أراضي الضفة الغربية بوصفها "أملاك دولة"، ويستند هذا الإجراء إلى قرار لمجلس الوزراء في أيار/ مايو من العام الماضي، قال عنه وزير الدفاع، إسرائيل كاتس، إنه "يحقق العدالة للاستيطان اليهودي في يهودا والسامرة، وسيعززه ويثبّته ويوسّعه". وسيتطلب هذا المسار من الفلسطينيين المقيمين في "المنطقة ج"، التي تشكّل نحو 60% من الضفة الغربية، إثبات ملكيتهم لأراضيهم في ظل شروط يقول منتقدون إنها "شبه مستحيلة التحقيق"، وفي حال تعذّر إثبات الملكية يتم تسجيل الأرض تلقائيًا كأرض مملوكة للدولة.
وقد يواجه ما تبقى من الضفة الغربية، أي "المنطقة أ" و"المنطقة ب"، مصيرًا مشابهًا؛ فإجراءات شباط/ فبراير توسّع بالفعل الإشراف والتنفيذ "الإسرائيليين" في أجزاء من هذه المناطق، خصوصًا فيما يتعلق بقضايا المياه والمواقع التراثية والأثرية. كما يجري حاليًا بحث مشروع قانون مثير للجدل في الكنيست بخصوص إنشاء هيئة مدنية "إسرائيلية" ذات صلاحيات واسعة لإدارة علم الآثار في الضفة الغربية.
التداعيات
يعتبر الضمّ خطة قصيرة النظر ذات تداعيات خطيرة على المدى الطويل؛ حيث تعترف قرارات الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية بأن الأراضي الفلسطينية المحتلة تشكّل وحدة إقليمية واحدة، ما يعزّز الأساس القانوني لقيام دولة فلسطينية. لكن إجراءات مصادرة الأراضي التي تنفذها "إسرائيل" ترسّخ بالفعل وقائع أحادية على الأرض، تجعل تحقيق الدولة الفلسطينية أمرًا بالغ الصعوبة. كما إن طمس الحدود بين إدارة المستوطنات والدولة "الإسرائيلية"، مع حرمان الفلسطينيين من حقوقهم الأساسية، لن يؤدي إلا إلى زيادة تهجيرهم وتجريدهم من ممتلكاتهم.
ويتوافق ذلك مع "الخطة الحاسمة" التي طرحها "سموتريتش" عام 2017، والتي تصوّر فيها تخلي الفلسطينيين عن طموحهم في إقامة دولة مستقلة، ودفعهم بالتالي إمّا إلى الهجرة أو البقاء في الضفة الغربية "كأفراد داخل الدولة اليهودية".
كما تواصل إجراءات الضم تقليص المساحة المتاحة للاستقلال الفلسطيني، وتقويض قدرة الفلسطينيين على تقرير مصيرهم، ودفع السلطة الفلسطينية نحو الانهيار السياسي والمالي. وهذا بدوره يقوّض إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة إلى جانب "إسرائيل"، ويصب في مصلحة المتطرفين الذين طالما عارضوا السلام العربي-"الإسرائيلي".
ماذا يمكن فعله؟
تعرقل هذه الإجراءات أيضًا أي تقدم في خطة الرئيس "ترامب" ذات النقاط العشرين، وتقوّض فرص اندماج "إسرائيل" إقليميًا، كما إن الضمّ يعيق تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2803 ويتعارض مباشرة مع دعم البيت الأبيض المُعلن لـ"ضفة غربية مستقرة". وإذا كانت الولايات المتحدة تسعى لتحقيق استقرار طويل الأمد في الشرق الأوسط، فيجب أن يكون من أولوياتها الضغط على "إسرائيل" من خلال ربط الدعم السياسي والعسكري بالتراجع عن إجراءات الضم.
إقليميًا، يهدد الضمّ أيضًا بتدهور إضافي في علاقات "إسرائيل" المتوترة أصلًا مع جيرانها، لا سيما الأردن؛ فقد اعتبرت عمّان منذ زمن طويل أن تهجير الفلسطينيين أو أي خطط لنقلهم إلى الأردن خطوطًا حمراء، ويخشى كثير من الأردنيين اليوم أن تؤدي الإجراءات الأخيرة في الضفة الغربية إلى احتمال تدفّق حتمي للاجئين عبر الحدود. كما أدانت مصر، وهي طرف رئيسي في تنفيذ خطة "ترامب"، سياسة الضم. وعليه، ينبغي لكلا البلدين استخدام معاهدات السلام مع "إسرائيل" للحصول على ضمانات من الولايات المتحدة لوقف التوسع الاستيطاني.
أما على مستوى المنطقة الأوسع، فرغم أن الحرب مع إيران وتداعياتها قد غيّرت الأولويات السياسية والمالية، لا تزال الحاجة للاستقرار الإقليمي أمرًا مُلحًا ومطلوبًا. وقد أظهرت موجة الصراعات التي أعقبت هجوم حماس في السابع من أكتوبر أن الاستقرار في المنطقة لن يتحقق، بغضّ النظر عن حجم العلاقات الدفاعية والتجارية التي تقيمها الدول العربية مع "إسرائيل" أو الولايات المتحدة، دون حلّ الصراع "الإسرائيلي" - الفلسطيني بشكل عادل ومستدام.
وينبغي على دول مثل الإمارات والسعودية وقطر وتركيا أن تنسّق جهودها لمواجهة الضم، وبصفتها أطرافًا سياسية ومالية رئيسية في "مجلس السلام" الذي اقترحه "ترامب"، يمكنها جعل التراجع عن إجراءات الضم شرطًا للعضوية، واستغلال علاقاتها الاقتصادية الثنائية مع الولايات المتحدة لتحقيق ذلك.
على المستوى الدولي، ينبغي على الدول الأوروبية وغيرها من الدول التي اعترفت بدولة فلسطين أن تشعر بالقلق، من أن عقودًا من الاستثمار السياسي والمالي في السلطة الفلسطينية قد تذهب سدى، وبالتالي يتعيّن على الأوروبيين الآن أن يترجموا اعترافهم إلى خطوات عملية ومنسقة لمنع الضم. وقد اعتُبر التعليق الكامل لاتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي و"إسرائيل" أمرًا غير مرجح لأنه يتطلب إجماعًا، لكن خروج "فيكتور أوربان" من المشهد قد يغيّر ديناميكيات الاتحاد الأوروبي، وبالمقابل ينبغي النظر في التعليق الجزئي للمزايا التجارية، الذي يتطلب أغلبية مؤهلة.
كما يمكن للدول الأوروبية، بما فيها الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي مثل المملكة المتحدة، استخدام علاقاتها الثنائية الاقتصادية والتجارية والعسكرية والتكنولوجية مع "إسرائيل" للضغط من أجل وقف إجراءات الضم. فعلى سبيل المثال، يمكنها الإصرار على تضمين الاتفاقيات الثنائية مع "إسرائيل" بندًا صريحًا يستثني الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما يمكنها حظر استيراد السلع القادمة من المستوطنات "الإسرائيلية"، وينبغي أيضًا تعزيز العقوبات المفروضة على الأفراد والكيانات التي تروّج لعنف المستوطنين.
ورغم أهمية الضغط الدولي، فإن لدى الناخبين "الإسرائيليين" فرصة لاختيار مسار بديل لأجندة هذه الحكومة. وستكون نتائج الانتخابات "الإسرائيلية"، المقرر إجراؤها بحلول أواخر تشرين الأول/ أكتوبر 2026، ذات تداعيات بعيدة المدى يمكن أن تشكّل مستقبل "إسرائيل" ومستقبل منطقة تعيش حالة من الاضطراب.