التداعيات المحتملة لحصار "ترامب" للموانئ الإيرانية

الساعة : 11:18
18 أبريل 2026
التداعيات المحتملة لحصار

المصدر: إيكونوميست

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

عندما بدأت الولايات المتحدة و"إسرائيل" حربهما ضد إيران في الـ28 من فبراير/ شباط الماضي، توقع كثيرون أن تقوم الأخيرة بخنق حركة الملاحة في مضيق هرمز، لكن قلةً فقط كانوا يتوقعون أنه بعد أقل من شهرين سيقوم "ترامب" بفرض حصارٍ خاص به، يستهدف حركة السفن من وإلى الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية. ويأمل "ترامب" بذلك أن يُجبر الخنق الاقتصادي إيران على فتح المضيق بعدما فشل القصف في تحقيق ذلك، لكن هذا يعتبر مقامرة خطيرة قد تفاقم أزمة الطاقة العالمية وتؤدي لتصعيد جديد.

إن مبررات الولايات المتحدة بسيطة؛ فالتهديدات الإيرانية قلّصت حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز بشكل كبير، لكن إيران واصلت تصدير نفطها وإن بمستويات أقل، كما سمحت لبعض السفن بالمرور مقابل دفع رسوم؛ حيث عبرت المضيق ناقلتان كبيرتان مملوكتان للصين تحملان نفطًا عراقيًا وسعوديًا في الـ11 من أبريل/ نيسان الجاري، وكذلك ناقلة ترفع علم ليبيريا.

ورسالة "ترامب" مفادها أنه إذا لم تتمكن الشحنات المحايدة من المرور بحرية فلن تتمكن الشحنات الإيرانية أيضًا؛ فقد قال الأميرال المتقاعد، مارك مونتغومري، إن الجانب العسكري من الخطة "قابل للتنفيذ تمامًا". فالولايات المتحدة قادرة على اعتراض السفن والاستيلاء عليها بسهولة نسبية؛ فقد استولت على عشر ناقلات مرتبطة بفنزويلا بين ديسمبر/ كانون الأول وفبراير/ شباط، وأضاف: "ليس عليك أن تمسك بكل سفينة، بل يكفي عدد كافٍ لإيصال الرسالة".

لكن الجوانب الاقتصادية والسياسية أكثر تعقيدًا؛ فالهدف على الأرجح هو قطع شريان الحياة الاقتصادي لإيران وإجبار النظام على تقديم تنازلات في محادثات السلام، لا سيما فيما يتعلق بالبرنامج النووي. نظريًا تُعتبر إيران عرضة للضغط؛ فبحسب مستويات تخزين النفط الخام الحالية قد تضطر لتقليص الإنتاج خلال 20 يومًا من فرض حصار كامل وفعّال، وربما خلال عشرة أيام فقط. ويقول "روبن بروكس" من مركز أبحاث معهد بروكينغز: "مع انهيار صادرات النفط الإيرانية لن يكون هناك نقد لتمويل الواردات، فتنهار الأنشطة الاقتصادية وتدخل العملة في دوامة انخفاض ويتفشى التضخم المفرط"، مضيفًا: "لا شك لديّ أن ذلك سيجلب رجال الدين إلى طاولة المفاوضات بحسن نية".

لكن آخرين ليسوا على هذا القدر من اليقين؛ فمن جهته قال المدير التنفيذي لمؤسسة "بورصه وبازار"، إسفنديار باتمانغليج، إن إيران كانت تتوقع تعطل صادراتها النفطية وإن أي صادرات خلال الحرب، مثل تلك المتجهة إلى الهند، كانت بمثابة "مكسب إضافي". وقد انخفضت صادرات النفط الخام الإيرانية إلى أقل من 400 ألف برميل يوميًا عام 2020 عندما حاول "ترامب" خنق اقتصاد البلاد، بعد أن كانت 2.2 مليون برميل يوميًا عام 2018، ومع ذلك صمدت إيران آنذاك. وقد تتمكن طهران من تحمّل نحو ستة أشهر من الضغط عبر طباعة النقود، وبيع نحو 100 مليون برميل من النفط العائم المخزّن قبالة ماليزيا والصين والحصول على ائتمان غير رسمي من الموردين.

من جهة أخرى، فإن إيران تعتمد أيضًا على بعض الواردات البحرية؛ فقد كان خُمس وارداتها من القمح، وهو محصول أساسي، يأتي من الإمارات، كما يأتي معظم وارداتها من الذُرة من البرازيل وأوكرانيا عبر موانئ في الخليج أو بالقرب منه. ويمكن تعويض بعض الحبوب بإمدادات من روسيا وكازاخستان عبر موانئ بحر قزوين أو برًا عبر تركيا أو آسيا الوسطى حتى لو بتكلفة أعلى. لكن نقطة الضعف الأكبر بحسب "باتمانغليج" هي فول الصويا الذي يُصنّع منه تقريبًا كل علف الحيوانات والزيوت النباتية في إيران اعتمادًا على واردات خارجية. وأي اضطراب في هذا المجال سيؤدي لقفزة كبيرة في أسعار الغذاء، التي كانت بالفعل أعلى بنسبة 110% في مارس/ آذار مقارنة بالعام السابق.

وهذا يترك سؤالين كبيرين؛ الأول يتعلق بتأثير هذا على أسواق الطاقة بما في ذلك داخل الولايات المتحدة؛ حيث يواجه "ترامب" تراجعًا في شعبيته وانتخابات نصفية بعد سبعة أشهر. إن فقدان الإنتاج الإيراني وحده ليس كارثيًا لكنه يزيد من حجم الإمدادات المحجوزة في الخليج بسبب إغلاق المضيق، ومع هشاشة وقف إطلاق النار لا تملك إيران حافزًا يُذكر لإعادة فتح الممر، ومن المرجح جدًا أن تستأنف الهجمات على السفن المحايدة.

وبالتالي، ستشكّل مثل هذه الهجمات مشكلة خطيرة لدول مثل العراق الذي أرسل سفينة عبر هرمز متجهة إلى ماليزيا لأول مرة منذ بدء الحرب، وسيُجبر المستوردون على السحب من مخزونات محدودة أصلًا، ما قد يدفع عقود خام برنت الآجلة نحو 150 دولارًا للبرميل بحلول نهاية أبريل/ نيسان. وإذا أُخذ في الاعتبار خطر الضربات الإيرانية على منشآت الإنتاج وخطوط الأنابيب والموانئ في السعودية والإمارات وغيرها من دول الخليج؛ فقد هددت إيران بالفعل بالرد إذا فُرض الحصار، إضافة إلى احتمال شن هجمات على الشحن في البحر الأحمر من قبل الحوثيين، فإن هذا الإجراء يبدو غير مرجح أن يصمد لأسابيع قليلة دون أن يؤدي لقفزة كبيرة أخرى في الأسعار.

أما السؤال الثاني فيتعلق بأي الدول قد تتأثر بالحصار؛ فعلى سبيل المثال نفت الهند دفع رسوم للسماح لسفنها بالمرور، وهو ما قال "ترامب" إنه سيكون مبررًا لاعتراضها. لكن في اليوم نفسه، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم" أن الحصار سيُفرض بشكل محايد، كما يقتضي القانون الدولي، على سفن جميع الدول التي مرت عبر الموانئ أو المياه الساحلية الإيرانية، وهذا يشمل السفن الهندية.

كما خرج النفط المتجه إلى الصين وباكستان وتايلاند من هرمز في الأيام التي أعقبت وقف إطلاق النار، وكانت فرنسا وتركيا (وهما حليفتان للولايات المتحدة) قد أرسلتا سفنهما عبر المضيق قبل ذلك، على ما يبدو بموافقة إيرانية. وقد تحتاج الولايات المتحدة فقط لاعتراض عدد محدود من السفن لردع الآخرين عن محاولة العبور، لكن حتى هذا قد يثير غضب بعض الدول الصديقة؛ فقد كانت هناك ثمان صفقات على الأقل لناقلات تصدير نفط غير إيراني قيد النقاش الأسبوع الماضي، وقد انهارت جميعًا عندما تعثرت المفاوضات، بحسب "جون أوليت" من وكالة "أرغوس ميديا" لتقارير الأسعار. ورغم أن بعض المسؤولين الأمريكيين يعتقدون أن الصين لن تتحدى الحصار، فإن قبولها به سيشكل سابقة خطيرة؛ فطالما خشيت الصين من احتمال فرض حصار حول مضيق ملقا في حال اندلاع حرب في المحيط الهادئ.

وإذا تمكن "ترامب" من خنق موارد إيران من العملة الصعبة وإحداث أزمة اقتصادية، مع الحد من تأثير ذلك على أسعار النفط وتدفقات السلع وتقليص التصعيد العسكري، وإدارة التعقيدات الدبلوماسية لحصار يشمل شحنًا متعدد الجنسيات، فقد يعود إلى طاولة المفاوضات بشروط أفضل. لكن النظام الإيراني يعتقد أنه فاز في الجولة الأولى من اختبار الإرادة مع الولايات المتحدة، بعد أن صمد في الحرب واحتفظ بمواده النووية وحافظ على سيطرة محكمة على المضيق، ولديه ما يدفعه للاعتقاد بأنه قادر على الصمود مجددًا في وجه "ترامب". من جانبه، يقول "كيفن رولاندز"، المدير السابق لمركز الأبحاث التابع للبحرية الملكية ومحرر مجلة "RUSI" العسكرية: "إما أن يكون الحصار طويل الأمد أو لا يكون، لا تفرض حصارًا لأسبوع واحد".

بشكل أوسع، فإن قرار "ترامب" بفرض الحصار الذي جاء بعد أن لوّح بفكرة السيطرة "المشتركة" على هرمز مع النظام الإيراني، وهو ما من شأنه أن يقوّض القانون الدولي المنظم لهذه الممرات، يشير إلى أن مبدأ حرية الملاحة ذاته يتعرض لضغط هائل، ويخلص "رولاندز" إلى أنه "مسمار آخر في نعش أي ادعاء بوجود نظام دولي قائم على القواعد أو قانون دولي".