معضلة دمج المقاتلين الأجانب في سوريا الجديدة.. تحديات وخيارات دمشق لتهدئة مخاوف الداخل وقلق شركاء الخارج

الساعة : 14:36
21 مايو 2026
معضلة دمج المقاتلين الأجانب في سوريا الجديدة.. تحديات وخيارات دمشق لتهدئة مخاوف الداخل وقلق شركاء الخارج

المصدر: كرايسِز جروب

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

قامت الحكومة السورية الجديدة بدمج آلاف المقاتلين الأجانب الذين شاركوا في إسقاط نظام "الأسد" ضمن قواتها المسلحة، في خطوة هدفت إلى سد الفراغ الأمني عقب انهيار النظام وترسيخ الاستقرار. لكن بقاء نحو خمسة آلاف مقاتل أجنبي مسلح داخل سوريا ما يزال يثير قلقًا داخليًا ودوليًا، خصوصًا مع تخوّف معارضين من أن يعكس هذا النهج توجهًا نحو إقامة نظام إسلامي استبدادي. وقد تعززت هذه المخاوف بعد أحداث العنف التي شهدها الساحل ضد العلويين والسويداء ضد الدروز.

ورغم أن الولايات المتحدة والصين ودولًا أخرى أبدت استعدادًا للتعامل مع حكومة دمشق الجديدة، فقد ظل ملف المقاتلين الأجانب عنصرًا أساسيًا في تقييمها للسلطات السورية الجديدة؛ فهذه الدول تريد ضمانات بألا تتحول سوريا إلى منصة للتهديدات العابرة للحدود أو لنشر الفكر الجهادي. ومع توسع سيطرة دمشق على البلاد وتراجع الحاجة الأمنية الملحة لهؤلاء المقاتلين، بدأت قيمتهم كعامل استقرار تتضاءل، لكن السلطات ما زالت مترددة في تسريحهم خشية دفع بعضهم نحو تنظيم "داعش" أو جماعات جهادية أخرى.

فمن جهتها، ترى الحكومة أن الإبقاء على الوضع الحالي أقل كلفة من تفكيكه، رغم ما يحمله من مخاطر مرتبطة بالعنف الطائفي أو التجنيد لصالح الجماعات المتشددة أو نشر الأفكار الجهادية. لذلك تدعو الحاجة إلى إصلاحات تدريجية تقلل المخاطر دون تقويض الاستقرار الأمني القائم.

لماذا كان الدمج خيارًا منطقيًا؟

لم يكن أمام الحكام الجدد خيارات سهلة؛ فنزع سلاح المقاتلين بالقوة كان سيؤدي على الأرجح إلى تمرد مسلح أو عودة بعضهم إلى الجهادية العابرة للحدود، كما إن التخلي عنهم كان سيغضب فصائل قاتلت إلى جانب "هيئة تحرير الشام". بالمقابل، فإن ترك آلاف المسلحين خارج سلطة الدولة كان سيهدد جهود إعادة بناء سوريا، خاصة مع استحالة دمجهم مدنيًا بسبب ظروفهم الاقتصادية الصعبة والوضع الاقتصادي الأصعب للبلاد.

لهذا اعتمدت "الهيئة" نموذج إدلب القائم على احتواء المقاتلين الأجانب ودمجهم ضمن هياكلها العسكرية مع الحفاظ على السيطرة عليهم. وبعد ديسمبر/ كانون الأول 2024، عممت دمشق هذا النموذج على البلاد، وألزمت الفصائل المسلحة بالانضمام إلى الجيش الجديد أو مواجهة الاعتقال. كما أظهرت السلطات استعدادها لاتخاذ إجراءات ضد العناصر الخارجة عن السيطرة؛ فسجنت مسلحًا مصريًا هدد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، وصادرت أسلحة جماعات أجنبية، وحلت تنظيمات رفضت الاندماج مثل "أنصار الإسلام".

من جهة أخرى، فقد ساعد دمج المقاتلين أيضًا في تعزيز سلطة حكومة "الشرع" داخل معسكر المعارضة السابق؛ فبعض الجماعات الأجنبية، مثل "حركة تركستان الإسلامية"، تمتعت بعلاقات وثيقة مع "الهيئة" وخيارات محدودة خارج سوريا، ما جعلها أكثر موثوقية من بعض الفصائل السورية ذات الولاءات غير المستقرة، وبذلك بدا إخضاع هؤلاء المقاتلين لرقابة الدولة أكثر أمانًا من تركهم خارجها.

نموذج إدلب وتوسيع التجربة

أظهر تطبيق نموذج إدلب على المستوى الوطني ثقة واضحة بالمقاتلين الأجانب؛ فقد احتفظت كثير من الفصائل بهياكلها الداخلية رغم انضمامها رسميًا إلى الجيش وارتدائها الزي العسكري الرسمي. كما منح "الشرع" مناصب حساسة لقادة أجانب، خصوصًا في الوحدات ذات الغالبية الأجنبية مثل "الفرقة 84"، بهدف الحفاظ على الانضباط والتماسك الداخلي.

ويبدو أن معظم المقاتلين الأجانب تبنوا بالفعل نموذج إدلب القائم على التخلي عن فكرة "الجهاد العالمي" والتركيز على الساحة السورية. وينطبق ذلك خصوصًا على "حركة تركستان الإسلامية"، التي أصبحت ترى مستقبلها داخل سوريا أكثر من ارتباطها بصراعها التقليدي مع الصين. فأطفال عناصرها يدرسون في المدارس السورية ويتحدثون العربية بطلاقة، مع استمرار وجود مراكز ثقافية أويغورية تحافظ على الهوية الدينية والثقافية.

وحتى الآن، تشير التقديرات الرسمية إلى أن أغلب الجماعات الأجنبية تلتزم بتوجيهات الحكومة، فيما تعتبر "حركة تركستان الإسلامية" من أكثر التنظيمات انضباطًا وتنظيمًا مقارنةً بغيرها.

البعد الخارجي ومواقف الدول

تعاملت القوى الدولية مع هذا الملف ببراغماتية حذرة؛ فالتصنيفات الإرهابية السابقة لم تمنع الحكومات من التواصل مع دمشق، لكنها لم تُلغِ المخاوف المتعلقة بإمكانية استخدام الأراضي السورية للتجنيد أو التخطيط لهجمات خارجية. كما ترفض بعض الدول مبدئيًا دمج أفراد وتنظيمات مصنفة إرهابية ضمن جيش دولة معترف بها دوليًا، خشية خلق سابقة سياسية وأمنية.

كما إن وجود مدارس ومراكز ثقافية مرتبطة بالمقاتلين الأجانب يثير قلقًا إضافيًا؛ إذ يُخشى أن تصبح أدوات لنشر الفكر الجهادي بين الأجيال الجديدة، خصوصًا في إدلب حيث تنتشر عشرات المراكز الأويغورية التي تعمل جزئيًا خارج رقابة الدولة، ويُعتقد أن بعضها يخلط بين التعليم الديني والتدريب العسكري.

في المقابل، تُظهر السياسة الأمريكية تناقضًا واضحًا؛ فقد طالب الرئيس "ترامب" خلال لقائه مع "الشرع" بإخراج "الإرهابيين الأجانب" من سوريا، بينما بدا مبعوثه "توم باراك" لاحقًا متقبلًا لفكرة دمج مقاتلي "حركة تركستان الإسلامية" ضمن "الفرقة 84" بشرط الشفافية. أما الكونغرس الأمريكي ففرض رقابة دورية على أداء دمشق في هذا الملف ضمن ترتيبات إلغاء "قانون قيصر".

من جهة أخرى، كانت الصين من أكثر الدول تشددًا بسبب قلقها تجاه قضية الإيغور؛ إذ تعتبر "حركة تركستان الإسلامية" امتدادًا لتنظيم انفصالي يهدد أمن إقليم شينجيانغ. لكن بعد تعهدات سوريا بعدم استخدام أراضيها ضد الصين، تراجعت بكين تدريجيًا عن اعتراضاتها على إعادة تأهيل "هيئة تحرير الشام" دوليًا.

مخاوف الداخل السوري

داخليًا، ينظر كثير من السوريين، خصوصًا أبناء الأقليات، بعين الريبة إلى استمرار تسليح المقاتلين الأجانب، باعتبارهم رمزًا لمشروع إسلامي متشدد. ويزداد هذا القلق بسبب اعتماد الجيش الجديد على عشرات الآلاف من المقاتلين السابقين الذين تبنى بعضهم أفكارًا جهادية خلال سنوات الحرب، مع ضعف إجراءات التدقيق والرقابة مقارنة بما كان قائمًا في إدلب.

كما إن نشاط "تنظيم  الدولة" بعد سقوط "الأسد" يزيد المخاطر؛ إذ يصور التنظيم حكومة "الشرع" كسلطة "مرتدة" بسبب تعاونها مع التحالف الدولي، ما يثير مخاوف من انشقاقات داخل المؤسسات الأمنية أو تنفيذ هجمات فردية. وقد تتفاقم هذه المخاطر إذا شعرت الجماعات الأجنبية بأن دمشق بدأت تضيق عليها أو تسعى لتسليم أفرادها إلى دولهم الأصلية.

ورغم أن هجمات "داعش" لا تهدد استقرار الحكم حاليًا، فإن الأثر الرمزي لوجود المقاتلين الأجانب يبقى خطيرًا، لأنه يعزز اتهامات خصوم الحكومة بأنها تمنح الأولوية لحلفائها الجهاديين على حساب أمن المواطنين العاديين. صحيح أن أداء الجيش تحسّن بعد أحداث الساحل والسويداء، لكن صورته ما زالت مرتبطة لدى كثيرين بالنزعة الانتقامية تجاه الأقليات.

خيارات دمشق لإدارة الملف

لا تملك دمشق حاليًا حافزًا قويًا لتغيير نهجها، لكنها مطالبة بإجراءات تدريجية لتقليل المخاطر:

1-     أول هذه الإجراءات يتمثل في حصر المناصب القيادية الحساسة بالسوريين، مع الإبقاء على القادة الأجانب داخل الوحدات ذات الغالبية الأجنبية فقط، لأسباب تتعلق بالكفاءة والانضباط.

2-     كما ينبغي تعزيز التعاون الأمني لمنع استخدام الأراضي السورية في عمليات خارجية، والاستمرار في معاقبة أي عناصر تخالف القواعد، سواء كانت سورية أم أجنبية.

3-     وينبغي أيضًا إخضاع المدارس والمراكز الثقافية المرتبطة بالمقاتلين الأجانب لإشراف الدولة، بما يشمل توحيد المناهج وإلغاء أي طابع عسكري أو تعبوي فيها.

4-     من بين المقترحات كذلك تعديل قانون الجنسية بما يسمح للنساء السوريات بمنح الجنسية لأزواجهن وأبنائهن الأجانب، ما يفتح مسارًا قانونيًا لدمج كثير من المقاتلين السابقين وأسرهم ضمن المجتمع السوري، بدل منح الجنسية كمكافأة سياسية على المشاركة في الحرب.

أما على المدى البعيد، فينبغي تقليص التشكيلات الأجنبية تدريجيًا ودمج أفرادها ضمن وحدات مختلطة، وصولًا إلى تسريح أوسع وإعادة دمج مدني مستقبلي. فنجاح دمشق في تنفيذ خطوات تدريجية ومدروسة مع استمرار دعم شركائها الدوليين، قد يمنع ملف المقاتلين الأجانب من التحول إلى عقبة رئيسية أمام إعادة دمج سوريا في المجتمع الدولي.