المصدر: فورين أفّيرز
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
للمرة الثانية خلال ثمانية أشهر، نفّذت الولايات المتحدة و"إسرائيل" ضربات عسكرية داخل إيران؛ ففي ضربات يونيو/ حزيران الماضي انصبّ تركيز واشنطن بصورة شبه كاملة على البرنامج النووي الإيراني، بينما ضربت "إسرائيل" قادة عسكريين ومنشآت إطلاق وإنتاج الصواريخ وبنية تحتية نووية. أما هذه المرة، فقد نفّذت الولايات المتحدة و"إسرائيل" عملية عسكرية مشتركة واسعة النطاق استهدفت القيادة الإيرانية وقدراتها ومئات المواقع في أنحاء البلاد، وتم توجيه ضربات إلى عدد من كبار القادة بينهم المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، الذي قُتل مع أفراد من عائلته ومستشارين رئيسيين.
لكن المراحل التالية المرجّحة من الصراع تبدو أكثر تعقيدًا بكثير مما واجهته واشنطن عقب ضربات العام الماضي؛ فعملية "مطرقة منتصف الليل" كانت جريئة لكنها محدودة، وجاء ردّ إيران عليها مُعلنًا وممهَّدًا له سلفًا، وكانت الأهداف واضحة والمواقع مألوفة للمخططين العسكريين وحرص الطرفان على تجنّب الانزلاق إلى دوامة تصعيدية.
على النقيض من ذلك، فإن الهجوم الأخير "الغضب الملحمي" فتح ما يشبه "صندوق باندورا"، دون هدف واضح أو مسار بيّن لخفض التصعيد. وقبل تنفيذ الضربات حذّرت إيران من أنها ستردّ، ما وضعها الآن في زاوية حرجة ورفع مستوى المخاطر الإجمالي، وحتى في حالته المُنهكة ما زال النظام يمتلك قوة فتاكة هائلة.
من جهته، خاطب "ترامب" الشعب الإيراني لدى إعلانه الضربات قائلًا: "عندما ننتهي تولّوا أنتم زمام حكومتكم، ستكون لكم". لكن الطريق لانتفاضة شعبية قادرة على إزاحة النظام بعيد كل البعد عن الوضوح؛ فالقنابل تستطيع إلحاق الضرر بالبنية التحتية وإضعاف القدرات وتصفيـة القادة، لكنها لا تُنتج بدائل سياسية منظّمة؛ فالمجتمع الإيراني أعزل ومجزّأ ويواجه أحد أكثر الأنظمة الأمنية شدّة في المنطقة ويحتفظ بمؤسسات قمعية؛ الحرس الثوري وأجهزة الاستخبارات وقوات الأمن الداخلي، والتي أُسست تحديدًا لمثل هذه اللحظات.
تحوّل الاحتجاجات وتصاعد الزخم
لقد أرسل "ترامب" إشارة مبكرة لهذا الهجوم عقب اندلاع مظاهرات في الشوارع بأعداد غفيرة أواخر ديسمبر/ كانون الأول، سرعان ما امتدت إلى أنحاء البلاد مصحوبةً بهتافات تطالب بسقوط النظام، تبعتها حملة دموية مكثفة شنّها النظام لقمع الاحتجاجات قُتل فيها عدة آلاف. ومع تصاعد أعداد الضحايا حذّر "ترامب" من أن الولايات المتحدة "مستعدة ومجهّزة بالكامل" لدعم المحتجين. ورغم أن الحكومة الإيرانية واجهت وقمعت انتفاضات متكررة في السنوات الأخيرة، فإن هذا التهديد الأمريكي شكّل تحوّلًا ملحوظًا؛ فقد اقتصرت الردود الأمريكية السابقة على بيانات دعم لحقوق المحتجين وخطاب إدانة للحكومة وفرض عقوبات على المتورطين في القمع. أما "ترامب" الذي أظهر بالفعل استعداده لتنفيذ تهديداته ضد إيران في عملية يونيو/ حزيران، فقد لوّح هذه المرة باحتمال تدخّل أمريكي مباشر.
ومع ذلك، كان أول رد لـ"ترامب" اقتصاديًا؛ فقد أعلن فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على من يتعامل تجاريًا مع إيران، ثم أتبعها بعقوبات أمريكية على شبكات "المصارف الظلية" الإيرانية ومسؤولين في النظام. كما تواصل شخصيًا مع "إيلون ماسك" للمساعدة في التصدي لقطع الإنترنت، وأُفيد بإرسال آلاف وحدات "ستارلينك" إلى داخل إيران، واتخذ خطوة ثالثة تمثلت في رفض (ولو مؤقتًا) مواصلة الانخراط الدبلوماسي مع النظام ما دام القمع مستمرًا، مع دعوة للإيرانيين إلى "مواصلة الاحتجاج والسيطرة على المؤسسات".
بالمقابل، سعت طهران لردع أي تدخل أمريكي عبر إطلاق تهديدات مضادة؛ إذ أوضح قادة النظام أنهم سيعتبرون أي هجوم على بلادهم كبيرًا كان أم صغيرًا مستوجبًا لرد كبير. وإذا كان قلق القيادة الإيرانية من "ترامب" حاضرًا فإن ما أقلقها بصورة أشدّ كان حدّة الغضب في الشارع الذي تحرك بسرعة مثيرة للقلق. بل إن تهديدات "ترامب" ربما شكّلت حافزًا عكسيًا دفع النظام لإعادة بسط السيطرة مهما كان الثمن، قبل أن تتمكن الولايات المتحدة من نشر أصول عسكرية في المنطقة.
ورغم سيل الاتصالات والتحركات التي شهدتها الفترة التالية عبر وسطاء إقليميين لإحياء المسار الدبلوماسي، وثلاث جولات منفصلة من المحادثات عُقدت في عُمان وسويسرا، بقيت نقاط خلاف عنيدة، خصوصًا بشأن التنازلات النووية الإيرانية وتخفيف العقوبات الأمريكية، ولم تفلح مساعي إيران لحصر النقاش في الملف النووي واستبعاد القضايا غير النووية في تلبية توقعات واشنطن.
صراع من أجل البقاء
مع إطلاق إيران رشقات انتقامية ضد "إسرائيل" والقواعد الأمريكية في دول الخليج ليس من الصعب فهم منطقها؛ فأي ضربة تُكبّد الولايات المتحدة خسائر في الأرواح والموارد قد تمثل ضربة سياسية مؤلمة لـ"ترامب"، لا سيما أن أحد أسس حملته الانتخابية كان تجنّب التورّطات العسكرية. كما يبدو أن إيران تعتقد أن "ترامب" يميل إلى ضربات استعراضية محدودة بدلًا من أخرى مفتوحة، وقد تراهن طهران على أن إظهار قدرتها على تصعيد غير محدود قد يردعه عن المضي قدمًا في حملته، كما أوقف العام الماضي حربًا مكلفة وغير قابلة للحسم ضد الحوثيين في اليمن.
لكن ذلك قد يكون خطأً مكلفًا في الحسابات؛ فمنذ السابع من أكتوبر 2023 بالغت إيران مرارًا في تقدير قدراتها، وقلّلت من شأن عزيمة خصومها واستعدادهم لتحمّل المخاطر. وعلى المدى الأطول، قد يدفع "ترامب" ثمنًا سياسيًا لهذه الحرب، لكن في المدى القصير يظل خطر التصعيد مرتفعًا للغاية، بل إن التراجع الأمريكي يبدو الاحتمال الأقل خشية أن يبدو الرهان الكبير قد انقلب سلبًا. وإذا كانت إيران تعتقد أن الهجمات الخارجية ستساعدها على تعزيز التأييد الشعبي داخليًا، أي تأثير "الالتفاف حول العلم"، فقد تكون واهمة، خصوصًا أن النظام نفسه سفك للتو دماء آلاف المواطنين على أرضه.
ومع ذلك، فإذا كان الرهان الأمريكي يتمثل في أن الضربات الجوية ستُنجز المهمة من الأعلى بينما يُكملها الإيرانيون على الأرض، فإن هذا الرهان لا يستند لنموذج تاريخي واضح ويتجاهل قدرة الأنظمة السلطوية المتجذرة على الصمود تحت الضغط الخارجي.
لكن ثمة سيناريوهات أخرى تبدو أسهل في التصور، مثل:
· إحكام سيطرة أكثر وضوحًا من قبل الحرس الثوري، الذي أصبح بالفعل فاعلًا سياسيًا واقتصاديًا مهيمنًا في عهد "خامنئي".
· أو انزلاق البلاد إلى صراع أهلي طويل بين من يسعون لإسقاط ما تبقّى من النظام ومن يتشبثون بالحفاظ عليه.
وبطبيعة الحال، ومع دخول إيران في صراع من أجل بقائها يستحيل التنبؤ بثقة بما سيحدث تاليًا، لكن شكل الأحداث (أيًّا كان) سيحمل تغييرًا عميقًا.