توقعات بشأن سياسة "ترامب" تجاه إيران وفلسطين وسوريا خلال عام 2026

الساعة : 12:40
12 فبراير 2026
توقعات بشأن سياسة

المصدر: ميدل إيست إنستيتيوت (MEI)

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

في ضوء معرفة طريقة عمل الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وما قام به خلال العام الماضي، يمكن استنتاج بعض الدلالات حول ما قد يُقدم عليه هذا العام؛ فقد كان العام الأول من ولايته الرئاسية الثانية أشبه برحلة مليئة بالتقلبات والمنعطفات، داخليًا وخارجيًا على حد سواء، لا سيما في الشرق الأوسط. وقد انصبّ تركيزه الإقليمي على عاملين رئيسيين؛ أولهما "نرجسيته" الشخصية وإحساسه بالمكانة التاريخية التي يطمح إلى ترسيخها لنفسه، وثانيهما التطورات المتقلبة التي فرضها فاعلون مختلفون داخل الإقليم.

يَعتبِر "ترامب" "اتفاقيات أبراهام" عام 2020 وحملة "الضغط الأقصى" التي شنّها ضد إيران، بما في ذلك الضربة التي أودت بحياة قاسم سليماني عام 2020، من أبرز إنجازات سياسته الخارجية في ولايته الأولى. وفي خضم دوّامة طموحاته الكبرى على الساحة الدولية - من إنهاء الحرب في أوكرانيا إلى إعادة تشكيل الروابط الاقتصادية الأمريكية مع معظم دول العالم، وصولًا إلى تطبيق أكثر سياسات الهجرة تشددًا منذ عقود - ظلّ الشرق الأوسط يحتل موقعًا بارزًا في حساباته. فقد تركت "اتفاقيات أبراهام" بصمة واضحة في تاريخ المنطقة خلال رئاسته الأولى، وهو يسعى اليوم إلى تثبيت هذا الإرث وتعزيزه في ولايته الثانية.

لكن طموحاته الشخصية ليست وحدها التي دفعته إلى التحرك؛ فالديناميكيات الإقليمية نفسها فرضت عليه التفاعل، وهذا أمر غير مستغرب في تجربة الرؤساء الأمريكيين الذين غالبًا ما يجدون أنفسهم منخرطين في شؤون المنطقة أكثر مما أرادوا أو خططوا له في البداية.

ويعزّز هذا الطرح حقيقة أنّ العديد من تحركات "ترامب" عام 2025 جاءت في الواقع كرد فعل على خطوات اتخذتها "إسرائيل"؛ حيث أنهت من جانب واحد وقف إطلاق النار مع حركة حماس في مارس/ آذار، وشنّت ضربة على إيران في يونيو/ حزيران، وقصفت الدوحة أثناء مفاوضات كانت جارية مع حماس. وإلى جانب "إسرائيل" تفاعل "ترامب" أيضًا مع سلسلة من الأحداث غير المتوقعة داخل سوريا عقب سقوط نظام "الأسد" في ديسمبر/ كانون الأول 2024، أي قبيل تسلّمه منصبه رسميًا.

ومن ثمّ، فإن هذه العودة السريعة إلى أحداث العام الماضي تتيح استخلاص مؤشرات عمّا يمكن توقّعه من أكثر القادة الأمريكيين صعوبة في التوقّع عام 2026. صحيح أنّ العبارة المعروفة في عالم الخدمات المالية "الأداء السابق لا يُعدّ مؤشرًا على النتائج المستقبلية" تنطبق تمامًا على "ترامب"، لكنها لا تلغي حقيقة أنّ فهم أسلوبه وما أقدم عليه في العام المنصرم قد يمنحنا خيوطًا أولية عمّا قد يفعله هذا العام، وفي هذا السياق هناك ثلاث ملاحظات عامة حول نهجه خلال العام الماضي:

1.     تصريحات الصدمة والترويع: تشكّل جزءًا جوهريًا من شخصية "ترامب"؛ إذ يكفي التذكير بتصريحاته في الأسابيع الأولى من رئاسته عام 2025، حين قال إن الولايات المتحدة ستقوم بـ"امتلاك غزة" واقترح أن تستقبل دول مجاورة الفلسطينيين. وبعد عام لم يعد هذا الأمر مطروحًا، إن كان مطروحًا أصلًا، لكنه حقق غايته الأساسية في إرباك الآخرين ودفع دول وأطراف مختلفة إلى التحرك.

2.     تفضيل المكاسب السريعة: أي الصفقات أو العمليات التي لا تكلّف الولايات المتحدة الكثير. ويمكن الاستشهاد هنا بعملية اختطاف الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، من كاراكاس والتي أتاحت له استعراض القوة والقدرة العسكرية الأمريكية دون الزج بالجيش الأمريكي في حرب تغيير نظام طويلة ومكلفة، كتلك التي واجهها "جورج دبليو بوش" في العراق.

3.     المبالغة في تضخيم النجاحات: كثيرًا ما تباهى "ترامب" بأنه "أنهى ثمانية حروب خلال عشرة أشهر"، مستشهدًا باتفاقيات قال إنه أبرمها بين أرمينيا وأذربيجان، والكونغو ورواندا، والهند وباكستان، وكمبوديا وتايلاند، وغيرها. لكن الواقع كان أكثر تعقيدًا وتشابكًا؛ فـ"ترامب" يميل إلى إطلاق وعود كبيرة ثم تحقيق أقل مما وعد به قبل أن يبالغ في تصوير ما تحقق فعليًا، ومن المتوقع أن نشهد مزيدًا من هذا النمط خلال العام الجاري.

وبإسقاط هذه الاتجاهات الثلاثة على ثلاثة صراعات قائمة في الشرق الأوسط؛ إيران، "إسرائيل"-فلسطين، سوريا، يمكن توقّع السيناريوهات التالية:

إيران:

لقد شهد الشهر الأول من عام 2026 موجة تكهّنات حول احتمال توجيه "ترامب" ضربة للنظام الإيراني، خصوصًا بعدما أطلق تصريحات شجّعت المحتجين الذين خرجوا إلى الشوارع ضد النظام. وبعد أسابيع سقط آلاف القتلى وأرسل "ترامب" تعزيزات عسكرية ودبلوماسية إضافية إلى المنطقة للتأثير في حسابات النظام. وإن كانت كل الاحتمالات تبقى واردة، لكن بالنظر إلى طريقة تعامله مع دول مختلفة، من كوريا الشمالية في ولايته الأولى إلى كيفية تعامله مع الرئيس الروسي بوتين في الولايتين، يُرجّح أن يسعى "ترامب" إلى نوع من التفاهم عبر الدبلوماسية وربما استخدام محدود للقوة، على غرار ما فعله مع الحوثيين في اليمن العام الماضي، مع الاستمرار في إضعاف قدرات النظام، ويبقى الدور الذي قد تقدم عليه "إسرائيل" تجاه إيران عاملًا مفاجئًا يستحق المتابعة.

"إسرائيل"-فلسطين:

ترددت في الأشهر الأخيرة تكهّنات حول احتمال أن يبتعد "ترامب" عن "نتنياهو"، في ظل التوترات بشأن سعي "إسرائيل" لفرض مزيد من السيطرة على الضفة الغربية وربما ضمّها، رغم أنّ الأول كان قد وضع خطًا أحمر تجاه مثل هذه الخطوات العام الماضي. لكن من المتوقع أن يواصل تقديم دعم غير مشروط للحكومة "الإسرائيلية" اليمينية، مع الاكتفاء بإشارات محدودة ورمزية تجاه الفلسطينيين.

ومع ذلك، قد يلجأ "ترامب" أحيانًا إلى استخدام بعض أدوات الضغط الأمريكية على "إسرائيل"، كما حدث عقب هجومها على الدوحة في سبتمبر/ أيلول الماضي، الذي استهدف قيادات من حماس. ومن المرجّح أن يشهد الاجتماع المرتقب لمجلس السلام إعادة إنتاج الخطاب والعروض الإعلامية نفسها دون خطوات جوهرية على الأرض، وذلك إلى حد كبير بسبب طبيعة السياسة الداخلية في "إسرائيل" وفلسطين، وغياب قيادات ذات رؤية جريئة في الجانبين قادرة على انتهاج مسار حقيقي نحو السلام في الوقت الراهن.

سوريا:

أما الخطوة الأكثر مفاجأة في العام الأول من ولاية "ترامب" الثانية في الشرق الأوسط فتمثّلت في التحول نحو دعم قوي لـ"الشرع" في سوريا، وهي خطوة شجّعت عليها السعودية بقوة. وقد جاء هذا التحوّل بتكلفة ضئيلة جدًا على الولايات المتحدة؛ حيث حافظت على تركيزها على عمليات مكافحة الإرهاب ومنع اتساع نطاق التوترات بين سوريا و"إسرائيل" وتركيا إلى بقية الإقليم. ومن المرجّح أن يستمر هذا النهج القائم على تحميل الآخرين عبء المواجهة، مع تقليص كلفة الانخراط الأمريكي المباشر إلى الحد الأدنى.

بالمقابل، وفي ظلّ حالة الضبابية الملازمة لـ"ترامب"، وفي وقت ما زالت فيه المنطقة تعيش حالة هدوء نسبي هش، قد تنهار كل هذه التوقعات في أي لحظة، لكن طرحها للنقاش يفتح المجال أمام حوار أوسع حول المنافع والتكاليف المرتبطة بمختلف مسارات العمل، التي يمكن للولايات المتحدة وشركائها الرئيسيين إنتهاجها خلال العام القادم.