تطورات الأجهزة الأمنية
عقد رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو اجتماعين متتاليين للمجلس الوزاري الأمني المصغر (الكابينت) خلال أربعٍ وعشرين ساعة في ظل حالة استنفار شاملة، أسفرت عن قرار بتوجيه ضربة عسكرية لأهداف داخل إيران، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية أمريكية لاحتواء التصعيد، حيث دعا الرئيس الأمريكي، خلال اتصال مع نتنياهو، إلى تجنب الانزلاق نحو مواجهة إقليمية واسعة. ومع انتقال واشنطن وطهران إلى مسار تفاوضي عقب توقيع مذكرة تفاهم بينهما، أعادت القيادة "الإسرائيلية" تقييم الموقف، وناقشت انعكاسات الاتفاق على الأمن القومي "الإسرائيلي"، خشية أن يؤدي إلى تقليص هامش التحرك "الإسرائيلي" تجاه البرنامج النووي الإيراني ونفوذ طهران الإقليمي.
وفيما يتعلق بالجبهة الشمالية، كشفت اجتماعات الكابينت عن تباينات بين المستويين السياسي والعسكري. فقد طالب عدد من الوزراء بإعادة النظر في القيود المفروضة على تحركات الجيش بموجب ترتيبات وقف إطلاق النار، بينما دعا وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى إلغاء الاتفاق مع لبنان. وكانت دولة الاحتلال قد وقعت اتفاق الإطار الخاص مع لبنان بترتيبات إعادة الانتشار على الجبهة اللبنانية، والذي نص على تنفيذ انسحاب تدريجي من مناطق محددة بعد التحقق من نزع سلاح الجماعات غير التابعة للدولة وتسليم تلك المناطق إلى الجيش اللبناني.
على صعيد آخر، تم إجلاء رئيس جهاز الشاباك السابق رونين بار وزوجته بشكل عاجل من الإمارات إلى "إسرائيل"، عقب تلقي الأجهزة الأمنية "الإسرائيلية" تحذيرات من تهديد إيراني يستهدفه أثناء مشاركته في مؤتمر أمني استضافه وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، بحضور مسؤولين أمنيين واستخباراتيين من عدة دول.
وفي سياق مختلف، زار مدير عام وزراة الأمن "الإسرائيلية"، أمير برعام، الهند، حيث التقى بوزير الدفاع الهندي والمسؤولين العسكريين والأمنيين، في إطار ما وصفته الوزارة بـ"إستراتيجية تهدف إلى توسيع الشراكات الأمنية "شرقا". من جهته، افتتح وزير الخارجية، غدعون ساعر، ورئيس إقليم "أرض الصومال"، عبد الرحمن محمد عبد اللهي، "سفارة لأرض الصومال" في القدس.
وفيما يتعلق بالتعيينات، شهدت "إسرائيل" تغييراً في قيادة جهاز الموساد بتولي اللواء رومان غوفمان رئاسة الجهاز خلفاً لديفيد برنياع. وباشر غوفمان إعادة هيكلة إدارية شملت استحداث منصب متحدث رسمي ومستشار للاتصالات الخارجية لتعزيز التنسيق المؤسسي وإدارة الرسائل الإعلامية. من جهته، قرر "نتنياهو" تعيين "شموئيل بن عزرا" رئيسًا لمجلس الأمن القومي، فيما قرر "كاتس"، تعيين العميد، هشام إبراهيم، سكرتيراً عسكرياً له.
مستجدات الإجراءات الأمنية
· استحدث جيش الاحتلال العديد من المواقع العسكرية على الحدود بين فلسطين المحتلة والأردن في المنطقة العازلة بين السياج ونهر الأردن للمرة الأولى منذ عقود.
· تعمل الحكومة "الإسرائيلية" على إعداد خطة لتعزيز الوجود الاستيطاني على طول الحدود الشرقية مع الأردن، وإقامة 30 مركزاً على طول الحدود تضم معاهد تحضيرية، وقرى طلابية.
· أقرت حكومة الاحتلال تمديد العمل بأمر التعبئة الاستثنائي (الأمر رقم 8)، بما يتيح للجيش استدعاء ما يصل إلى 280 ألف جندي احتياط، مع رفع متوسط القوات العاملة فعلياً إلى نحو 80 ألف جندي يومياً لدعم العمليات العسكرية المستمرة على عدة جبهات، وفي مقدمتها الجبهة الشمالية.
· صادق الجيش على خطط عملياتية لتنفيذ ضربات واسعة ضد أهداف داخل إيران، واستدعى قوات احتياط إضافية، وعزز انتشاره العسكري على الجبهة اللبنانية استعداداً لاحتمال اتساع نطاق المواجهة.
· أعادت قيادة الجبهة الداخلية فرض حالة الطوارئ، وأغلقت المدارس والمؤسسات التعليمية، وفرضت قيوداً على التجمعات، وخفضت مستوى النشاط المدني، وأصدرت تعليمات للسكان بالبقاء قرب الملاجئ مع تشديد إجراءات الحماية في مختلف أنحاء "إسرائيل".
· أجرت الجهات الأمنية والعسكرية تقييماً شاملاً للوضع الأمني في مطار بن غوريون، استعداداً لاتخاذ قرارات تتعلق باستمرار أو تقييد حركة الطيران المدني في حال توسع نطاق الهجمات الصاروخية.
· أغلقت وحدة تنسيق أعمال الحكومة (كوغات) جميع المعابر المؤدية إلى قطاع غزة، بما فيها معبرا رفح وكرم أبو سالم، وربطت إعادة تشغيلها بإجراء تقييمات أمنية وميدانية جديدة.
· أصدر قائد فرقة غزة، ليرون باتيتو، تعليمات بتغيير أوامر إطلاق النار عند "الخط الأصفر" في القطاع، بأن يواجه كل من يعبر الخط بالاعتقال وصولا لإطلاق النار على الركبتين في الحد الأقصى بدلا من إطلاق النار بقصد القتل.
· وسعت القوات "الإسرائيلية" انتشارها داخل قطاع غزة عبر تحريك خطوط السيطرة والتوغل في المناطق الشرقية من وسط القطاع ومحيط مدينة غزة وخان يونس، مع فرض سيطرة نارية بواسطة الطائرات المسيّرة والقصف المدفعي.
· رسّخ الجيش "الإسرائيلي" سيطرته على نحو 60% من قطاع غزة ضمن استراتيجية لتأمين بلدات الغلاف والاستعداد لأي جولة قتال جديدة.
· بدأت الولايات المتحدة بإنشاء قاعدة عسكرية قرب معسكر "رعيم" في غلاف غزة، بهدف استخدامها كمقر عسكري ومدني للقوات الدولية.
· شددت سلطات الاحتلال إجراءاتها الأمنية في محافظة الخليل، عبر إغلاق مداخل المدينة بالبوابات الحديدية والسواتر، وبدأت إجراءات لسحب بعض صلاحيات البلدية، كما شرعت في تنفيذ تغييرات داخل المسجد الإبراهيمي وأصدرت قرارات بهدم عشرات المنازل.
· صادق الكنيست بالقراءة التمهيدية على مشروع قانون يُتيح للحكومة إقالة رئيس "الموساد"، والمستشارة القضائية للحكومة، ومفوض الشرطة، ومسؤولين آخرين، كما صادق على مشروع قانون يقضي بإخضاع وحدة التحقيق مع أفراد الشرطة (ماحاش) لوزير القضاء.
· قررت المحكمة المركزية في القدس تسريع وتيرة محاكمة "نتنياهو" بالتهم المنسوبة إليه.
· كثفت الشرطة العسكرية حملات ملاحقة المتخلفين عن الخدمة العسكرية، وألقت القبض على مئات المطلوبين، فيما قدمت النيابة العسكرية مئات لوائح الاتهام بحق المتهربين من الخدمة الإلزامية.
· فتح الجيش تحقيقاً أمنياً عاجلاً في حادثة فقدان هاتف عسكري سري خلال عملية ميدانية في جنوب سوريا، واتخذ إجراءات مراجعة وضبط داخلي لمنع تكرار حوادث تسرب المعلومات الحساسة.
أبرز الأحداث الأمنية
· أعلن جهاز الأمن العام (الشاباك)، بالتعاون مع الجيش، كشف خلية من خمسة عناصر لحركة حماس تنشط من الأراضي التركية، كما أعلن تصفية أحد قادة حركة الجهاد الإسلامي المتهم بالمشاركة في هجوم السابع من أكتوبر.
· نفذ الاحتلال حملات أمنية في الضفة الغربية تضمنت مئات عمليات الاقتحام والاعتقال، وتشديد القيود على الحركة، وإغلاق الطرق والحواجز، وهدم المنازل، وتحويل عدد من المباني إلى مراكز تحقيق ميدانية.
· أطلقت إيران نحو عشرة صواريخ باتجاه إسرائيل ردًا على غارة في بيروت، وردّت "إسرائيل" بضربة داخل إيران، ليتوسع التصعيد إلى تبادل واسع للصواريخ، فيما سمّت طهران العملية "الوعد الصادق 5".
· قُتل أربعة جنود "إسرائيليين" في جنوب لبنان، فردّت "إسرائيل" بقصف البقاع، قبل التوصل إلى وقف إطلاق نار بوساطة أميركية وقطرية، مع إعلان "إسرائيل" استهداف مئات مواقع وعناصر حزب الله.
· دمّر جيش الاحتلال مجمع أنفاق كبيرًا لحزب الله جنوب لبنان، وضبط داخله أسلحة وطائرات مسيّرة ومنصات إطلاق موجهة نحو "إسرائيل".
· رصد الجيش "الإسرائيلي" في غزة صواريخ صُنعت بعد وقف إطلاق النار ودمّر راجمات جاهزة للإطلاق.
· نفّذت "إسرائيل" أكثر من 60 توغلًا داخل الأراضي السورية، وعززت وجودها العسكري في غرب درعا بمواقع ميدانية جديدة.
· تظاهر مئات "الحريديم" ضد اعتقال المتهربين من الخدمة العسكرية وقاموا بإغلاق بعض الطرقات.
· قُتل جندي "إسرائيلي" وأُصيب 5 بينهم جنود بجراح في إطلاق نار في بلدات يهودية بمنطقة "كوخاف يائير"، جنوب الطيبة.
المؤشرات والاتجاهات الأمنية
· تعكس التطورات الجارية إلى اتساع الفجوة بين الإنجاز التكتيكي والقدرة على تحقيق حسم استراتيجي في ظل استمرار جيش الاحتلال بنشاطه العسكري على جبهتي غزة وجنوب لبنان. ويزيد من هذه الفجوة تصاعد القيود الأمريكية على هامش حركة جيش الاحتلال وخاصة على جبهة لبنان في ظل المعادلة الجديدة التي فرضتها إيران بالرد على أي عدوان "إسرائيلي" يستهدف الضاحية الجنوبية، وكذلك إصرارها على وقف الحرب في جميع الجبهات.
· وبالمقابل، فإن التصعيد سيصبح مرتبطا بشكل أكبر بالمشهد "الإسرائيلي" الداخلي ولا سيما في ظل تراجع شعبية "نتنياهو". وقد تكون غزة هي الجبهة الأكثر معرضة لهذا التصعيد في ظل تقدير المستوى العسكري بأن العودة إلى قتال واسع "مسألة وقت"، مقترنًا بمؤشرات إعادة تسلح حماس واكتشاف صواريخ ما بعد وقف النار، ما لم يطرأ اختراق في ملف الترتيبات البديلة خلال المفاوضات التي مازالت جارية.
· يعكس المشهد ترسيخ "إسرائيل" عقيدة "المناطق الأمنية" كبديل عن الردع عن بُعد، والتي تتجلى في حزام بعمق نحو 10 كيلومترات في جنوب لبنان، وسيطرة على 60% من غزة مع هدف معلن بـ70%، وموطئ قدم متمدد في الجنوب السوري؛ وتشير صيغة الانسحاب "المدرّج والمشروط والمتحقق منه" في الاتفاق اللبناني إلى أن الانتشار الأمامي أصبح ورقة التفاوض المركزية، وأن أي تقليص سيبقى رهينة الأداء الميداني للطرف المقابل لا الجداول الزمنية.
· تراهن "إسرائيل" عبر التزامن بين مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية واتفاق الإطار اللبناني، على فرض فك الارتباط الدبلوماسي بين الساحة اللبنانية وإيران وإخراج طهران رسميًا من معادلة لبنان؛ غير أن رفض حزب الله الصريح للاتفاق وتلويحه بأن التنفيذ يعني "حربًا أهلية" يوضح أن توقيع الاتفاق لا يحسم المعادلة وأن المعيار الحقيقي هو إمكانية تنفيذ الاتفاق في أرض الواقع وقدرة الجيش اللبناني على فرض "مناطق تجريبية" بالتدريج.