الحدث
أعلنت وزارة الدفاع التركية تنفيذ سلسلة من الإجراءات على طول الحدود مع إيران، شملت استكمال تركيب 203 برجًا كهرو ضوئيًا، و43 برجًا مزودًا بمصاعد، وإتمام بناء 380 كيلومترًا من الجدران الخرسانية، وحفر 553 كيلومترا من الخنادق، إلى جانب مراقبة مستمرة بالطائرات المسيّرة، مع التأكيد على عدم رصد موجات هجرة جماعية حتى الآن، وإبداء الجاهزية لتفعيل تدابير إضافية عند الحاجة. بالتوازي، أكّد وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، معارضة أنقرة لأي تدخل عسكري ضد إيران، مشددًا على الحلول الداخلية والدبلوماسية للأزمات، ومحذرًا في الوقت نفسه من أن عدم الاستقرار الواسع في إيران سيتجاوز قدرة المنطقة على التحمّل.
الرأي
تتعامل أنقرة مع التطورات في إيران من زاوية "المخاطر العابرة للحدود"، حيث تدرك أن أي انفلات أمني واسع في إيران قد يفتح مسارات متعددة للتهديد، في مقدمتها موجات الهجرة الجماعية للمواطنين الإيرانيين البالغ عددهم 90 مليون نسمة، إضافة إلى احتمال تنشيط التنظيمات الكردية المسلحة داخل إيران وامتداد أنشطتها إلى الجانب التركي من الحدود. كما تنظر أنقرة بعين القلق إلى سيناريو الضربة العسكرية الأمريكية، الذي قد يوثر على واردات الغاز الطبيعي من إيران، فضلًا عن تأثيره على ارتفاع أسعار النفط والغاز ما سيطلق موجة تضخم جديدة داخل تركيا تؤثر سلبًا على الاقتصاد وحالة الرأي العام.
وتشير الإجراءات التي أعلنتها وزارة الدفاع التركية إلى تبني مقاربة وقائية طويلة الأمد تهدف إلى ضبط الحدود، مع الاستعداد لتفعيل تدابير إضافية، ضمن سيناريو "الاستعداد للأسوأ"، في ظل حالة الغموض التي تعتري المنطقة على وقع "طوفان الأقصى"، وتزايد فرص الاحتكاك مع "إسرائيل" في سوريا وشرق المتوسط، وربما مستقبلًا في إيران حال حدوث تغيير للنظام أو انتشار الفوضى.
كما تنسجم تصريحات وزير الخارجية هاكان فيدان مع هذه المقاربة الأمنية، حيث يشدد على رفض التدخل العسكري الخارجي ويدعو إلى معالجة داخلية للأزمة الإيرانية. وقد حرص فيدان على توجيه رسالة ضمنية للغرب مفادها أن كلفة عدم الاستقرار ستقع أولًا على دول الجوار، بالتوازي مع سعيه لتثبيت دور تركيا كقناة وساطة حيث اتصل هاتفيًا على مدار يومين متتالين بنظيره الإيراني، لبحث مسارات التهدئة.
وفي المحصلة، تحرص تركيا على منع تحول الأزمة الإيرانية إلى نسخة جديدة من أزمات إقليمية سابقة، حيث أدى التدخل العسكري الأجنبي إلى إطلاق دوامة من الصراعات والفوضى التي فرضت على دول الجوار كلفة كبيرة لسنوات طويلة، مثلما حدث في العراق وسوريا.