المصدر: ميدل إيست إنستيتيوت
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
في الوقت الذي تتجه فيه معظم الأنظار إلى إيران، تبرز جبهة أخرى تشكل تحديًا حاسمًا لاستقرار الشرق الأوسط؛ الحملة العسكرية "الإسرائيلية" في لبنان ووضع "حزب الله"، الشريك الوكيل لإيران منذ عقود. فقد صرح وزير الدفاع "الإسرائيلي"، إسرائيل كاتس، بأن القوات "الإسرائيلية" تقوم بتدمير المعابر فوق نهر الليطاني جنوب لبنان، مدعيًا أنها تُستخدم من قبل الحزب لإرسال تعزيزات. ويُعد جسر القاسمية، الذي دمره الجيش "الإسرائيلي" مؤخرًا بالقرب من مدينة صور، طريقًا رئيسيًا يربط الجنوب بباقي الأراضي اللبنانية الساحلية، بينما تعتبر هذه البنية التحتية الحيوية تابعة للدولة اللبنانية ويستخدمها السكان المدنيون.
من جهته، دعا وزير المالية اليميني المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، مؤخرًا إلى ضم جنوب لبنان وتوسيع الحدود "الإسرائيلية". وقد أدت العملية العسكرية "الإسرائيلية" الجارية، التي لم تشمل غزوًا بريًا حتى الآن، إلى نزوح أكثر من مليون مواطن لبناني، بينما أعلنت "إسرائيل" أنها تهدف لتقليص قدرة حزب الله على تشكيل تهديد. ومع تطور الحملة، سيكون تأثيرها على مكانة وشرعية الحكومة اللبنانية أمرًا حاسمًا، لا سيما قدرة القوات المسلحة اللبنانية والمؤسسات الأمنية الأخرى على فرض القانون والنظام من عدمها.
وسائل بلا غاية
قال الجنرال والاستراتيجي العسكري البروسي، كارل فون كلاوزفيتز، إن الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى، لكن في الشرق الأوسط اليوم، غالبًا ما تُخاض الحروب دون رؤية واضحة للنتيجة السياسية المرجوة أو الهدف النهائي. وينطبق هذا بشكل خاص على لبنان والسياسة الأمريكية تجاهه؛ حيث ركزت أساسًا على ترك العمليات العسكرية "الإسرائيلية" تقود المشهد.
في هذا الإطار، يكمن أحد المخاطر الاستراتيجية للحرب "الإسرائيلية" في لبنان في أنها قد تقوّض الدولة الهشة بالفعل وتخلق ظروفًا لحرب أهلية جديدة، ما قد يؤدي إلى "مقديشو على المتوسط"، على غرار ما أسفر عنه عامان من الحرب في غزة، وقد ساهمت جهات خارجية بالفعل في تقويض استقرار الدول في اليمن والعراق وسوريا وليبيا. كما إن مهاجمة النظام الإيراني دون استراتيجية واضحة يزيد من مخاطر تحول دولة تضم أكثر من 90 مليون نسمة إلى دولة فاشلة.
والخلاصة من ذلك أن الانخراط الدبلوماسي الأمريكي الاستراتيجي والثابت عنصر أساسي، لكنه للأسف مفقود حاليًا؛ ففي الولاية الثانية لإدارة "ترامب" تتمثل السياسة الأمريكية الرئيسية تجاه لبنان في نزع سلاح حزب الله، كما ترتبط الحرب الأمريكية-"الإسرائيلية" ضد قدرات إيران التي تعتبر تهديدًا للاستقرار الإقليمي بهذا الهدف السياسي في لبنان.
وإضافة لنزع سلاح حزب الله، تأمل الولايات المتحدة في مساعدة الدولة اللبنانية على استعادة سيادتها وفتح مسار نحو علاقات سلمية مع جيرانها. ولهذا الغرض عززت واشنطن استثمارها الممتد لعقود في القوات المسلحة اللبنانية، وقدمت دعمًا في مجالات التنسيق، كما تعمل وزارة الخزانة الأمريكية على تضييق الخناق على الاقتصاد الموازي الذي يستخدمه حزب الله، وخصوم آخرون يستغلون النظام المالي اللبناني.
الأدوات والانتباه
منح الكونغرس إدارة "ترامب" الأدوات والإطار اللازمين للتعامل مع حزب الله؛ فقد وفّر قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026 التمويل للقوات المسلحة اللبنانية وحدد شروطًا لقياس التقدم في نزع سلاح الحزب، ومواجهة الجماعات الأخرى التي تهدد أمن لبنان وجيرانه. لكن ما زال الانخراط الدبلوماسي الأمريكي الاستراتيجي والمتسق غائبًا، وهو ما يعرقل تنفيذ السياسات.
إن بعض التحديات التي برزت في أماكن أخرى خلال ولاية "ترامب" الثانية، مثل نقص الكوادر الدبلوماسية المخولة لتنسيق أدوات السياسة الأمريكية المختلفة، والاعتماد المفرط على دائرة ضيقة من المقربين من الرئيس، والتغييرات غير المبررة في الموظفين، والتفكيك المنهجي لأدوات "القوة الناعمة" الأمريكية، كل هذا يشكل تحديًا رئيسيًا للسياسة الأمريكية في لبنان.
فالسفير الأمريكي في لبنان، ميشال عيسى، يعتبر شخصية محورية فيما يتعلق بالملف اللبناني، لكن مسؤولياته كسفير تحد من قدرته على التعامل مع جوانب أخرى أساسية لمواجهة هذا التحدي في وقت النزاع. وينطبق الأمر نفسه على السفير الأمريكي لدى تركيا، توم باراك، الذي يعمل مبعوثًا خاصًا في عدة دول رئيسية في المنطقة، وقد قوبلت أدواره في لبنان بتقييمات متباينة من قبل أطراف لبنانية أساسية ضرورية لكسب المعركة الدبلوماسية والسياسية هناك.
علاوةً على ذلك، ما زالت وزارة الخارجية الأمريكية تفتقر إلى دبلوماسي رفيع المستوى مُعيّن من مجلس الشيوخ، للإشراف على منطقة الشرق الأوسط الأوسع، وذلك بعد أكثر من عام على بدء ولاية إدارة "ترامب" الثانية. كما تفتقر هذه الإدارة إلى "قائد دبلوماسي"؛ شخص رفيع لديه وصول مباشر إلى الرئيس ويرتبط بالجهات الفاعلة الرئيسية داخل الحكومة الأمريكية ولديه علاقات مع الأطراف الإقليمية، ويكون مكرسًا بالكامل للملف اللبناني.
سبل الدعم
في العام الماضي، بدأت الحكومة اللبنانية الحالية اتخاذ خطوات غير مسبوقة نحو نزع سلاح حزب الله ومواجهة النفوذ الإيراني في البلاد، لكنها لم تتحرك بالسرعة التي كانت تأملها الولايات المتحدة و"إسرائيل"، لذلك واصلت الأخيرة ضرب أهداف الحزب والحفاظ على وجود لها داخل لبنان. كما إن قرار الحزب بمهاجمة "إسرائيل" بعد الضربات الأخيرة على إيران حفّز تل أبيب أكثر على الانتقال إلى وضع الحرب وإطلاق مرحلة جديدة من حملتها العسكرية في لبنان.
إن ما يتم بناؤه، وليس ما يتم تدميره، هو ما يهم على المدى الطويل؛ فالولايات المتحدة بحاجة لتعزيز انخراطها الدبلوماسي الاستراتيجي في لبنان، لدعم القادة السياسيين المستعدين للمخاطرة بحياتهم لمواجهة حزب الله. إن نزع سلاح الحزب ليس مجرد مسألة أمنية أو عسكرية، بل هو عملية سياسية تهدف لإنهاء وجود "دولة داخل الدولة" يقودها عناصر فاسدون يمارسون العنف ضد خصومهم.
كما إن الانخراط الدبلوماسي الاستراتيجي الأمريكي في لبنان يعني التمهيد لمحادثات مباشرة بين لبنان و"إسرائيل"، بهدف حماية سيادة لبنان ومنع احتلال "إسرائيلي" طويل الأمد. وقد تحدث الرئيس اللبناني، جوزيف عون، ورئيس الوزراء، نواف سلام، بشجاعة عن الحاجة لذلك، ويمكن للولايات المتحدة أن تلعب دورًا حاسمًا إذا كرست الوقت والاهتمام والثقل الدبلوماسي اللازمين.
إن الدبلوماسية الاستراتيجية الأمريكية في لبنان تعتبر عنصرًا ضروريًا ضمن الحرب الأوسع ضد النظام الإيراني، الذي استخدم لبنان لعقود كورقة في لعبة النفوذ الخاصة به، لكن الوقت قد حان لإنهاء هذه اللعبة؛ فالعمليات العسكرية وحدها، سواء في لبنان أو إيران، غير كافية لوضع إطار للسلام والاستقرار في المنطقة.
والخلاصة، إن العنصر الأساسي المفقود هو رؤية سياسية لما يجب بناؤه بعد كل هذا الموت والدمار، ولتحقيق ذلك يتطلب الأمر استثمارًا في دبلوماسية استراتيجية تعزز شركاء الولايات المتحدة في المنطقة، خصوصًا الشعب اللبناني وأعضاء الحكومة الجديدة القادرين والراغبين في مواجهة ممارسات حزب الله وداعميه في طهران.