تطورات الأجهزة الأمنية
أجرى رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان زيارة مفاجئة إلى جدة، التقى خلالها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بحضور وفد سوداني رفيع ضم وزير الخارجية محي الدين سالم، ومدير جهاز المخابرات العامة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، وسفير السودان لدى المملكة. وتركزت المباحثات على العلاقات الثنائية وأمن البحر الأحمر وتطورات الأزمة السودانية، وسط تقارير عن تعثر صفقة تسليح محتملة للجيش السوداني، ما منح الزيارة بعدًا تفاوضيًا يتجاوز الإطار البروتوكولي.
لاحقًا، انتقل البرهان إلى القاهرة حيث التقى الرئيس عبد الفتاح السيسي، وناقش معه تطورات القتال في كردفان ومسارات التسوية السياسية ضمن مبادرة الرباعية الدولية. وجاء اللقاء بالتزامن مع اجتماعات مصرية–أمريكية ناقشت مقترحات الهدنة الإنسانية، بما يعكس تنسيقًا متصاعدًا في إدارة الملف السوداني بين القاهرة وواشنطن.
داخلياً، أصدر البرهان قرارات بتعيين الفريق أول ركن ياسر العطا رئيسًا لهيئة الأركان العامة، إلى جانب إعادة تشكيل نواب رئيس هيئة الأركان بما يضمن توزيعًا جديدًا للاختصاصات التشغيلية والإدارية. كما شملت القرارات تعيين الفريق الركن محمد علي أحمد صبير رئيسًا لهيئة الاستخبارات العسكرية، وفي السياق ذاته، جرت ترقية عدد من كبار الضباط وإحالة 21 لواءً إلى التقاعد، ضمن عملية إحلال وتجديد تستهدف إعادة ضخ دماء جديدة في المفاصل القيادية، وتخفيف التراكمات التنظيمية داخل البنية العسكرية. كما جرى تعيين الفريق أول ركن شمس الدين كباشي مساعدًا للقائد العام لشؤون البناء والتخطيط الاستراتيجي، والفريق أول ركن ميرغني إدريس سليمان لشؤون الصناعات العسكرية، والفريق المهندس إبراهيم جابر إبراهيم كريمة لشؤون العلاقات الدولية والتعاون العسكري.
بموازاة ذلك، عرضت قيادة مجلس السيادة الانتقالي منصب والي ولاية شمال دارفور على اللواء النور القبة، وهو أحد أبرز القادة المنشقين عن قوات الدعم السريع.
في المقابل، واصلت أطراف "تحالف تأسيس" و"الدعم السريع" تحركاتها الخارجية، حيث زار وفد يضم عبد الله حمدوك وياسر عرمان والقوني دقلو أديس أبابا، في لقاءات حظيت بدعم إقليمي غير مباشر. كما التقى محمد حمدان دقلو "حميدتي" مبعوث الأمم المتحدة في نيروبي، داعيًا إلى فتح مكاتب أممية في مناطق سيطرة قواته، في محاولة لتعزيز شرعية أمر واقع إداري وإنساني.
دوليًا، انعقد مؤتمر برلين في منتصف نيسان/ أبريل بمشاركة واسعة من القوى الغربية والإقليمية، نتجت عنه تعهدات إنسانية تجاوزت 1.5 مليار دولار، دون التوصل إلى إطار سياسي جامع. في المقابل، رفضت الحكومة السودانية مخرجات المؤتمر لعدم إشراكها، معتبرة أنه يعمّق إضعاف الشرعية الرسمية.
مستجدات الإجراءات الأمنية
- أقرّ رئيس الوزراء كامل إدريس حزمة من الإجراءات الاقتصادية تضمنت حظر استيراد 46 سلعة أساسية وكمالية، شملت منتجات الألبان الجاهزة والمياه المعدنية والعصائر، في محاولة لتقليل فاتورة الاستيراد وترشيد استخدام النقد الأجنبي المحدود للحد من التدهور المتسارع في قيمة الجنيه السوداني.
- وجّه رئيس الوزراء، في إطار تسهيل عودة المواطنين، بإلغاء جميع الرسوم والجبايات المفروضة على السودانيين العائدين من جمهورية مصر عبر معبر أشكيت الحدودي بمدينة وادي حلفا بالولاية الشمالية، مع إصدار أوامر فورية بإعادة تشغيل الميناء البري وتجهيزه لاستقبال موجات العودة الطوعية.
- أصدرت السلطات القضائية في مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض أحكاماً قانونية بحق عدد من المتهمين بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع، فيما عقدت محكمة طوارئ تابعة لحكومة "تأسيس" في مدينة نيالا بدارفور أولى جلساتها لمحاكمة أشخاص وُجهت لهم تهمة التخابر لصالح الجيش.
- استأنفت شركة "تاركو" للطيران رحلاتها الجوية المباشرة بين مطار بورتسودان الدولي والعاصمة القطرية الدوحة، بينما أدرجت شركة "طيران السلام" العمانية مطار بورتسودان كوجهة جديدة لها، بالتزامن مع وجود ترتيبات فنية لعودة تدريجية لشركات طيران أجنبية أخرى للعمل عبر مطار الخرطوم.
أبرز الأحداث الأمنية
· اعتقلت هيئة الاستخبارات العسكرية التابعة للقوات المسلحة القيادي البارز في "كتائب البراء بن مالك" عمر الفاروق (المعروف بـ "أبو أنس").
· أعلنت قوات "الدعم السريع" و"الحركة الشعبية – شمال" بقيادة عبد العزيز الحلو عن سيطرتها على منطقة الكيلي في إقليم النيل الأزرق، عقب هجوم واسع على مواقع الجيش، في امتداد لمعركة الكرمك، فيما ردت قيادة الفرقة الرابعة مشاة في الدمازين بإعلان صد هجوم على موقع سالي وتدمير 36 مركبة قتالية.
· نفذت القوات المسلحة السودانية والقوة المشتركة عمليات تمشيط واسعة في شمال كردفان شملت كازقيل وشواية والحمادي والدبيبات، فيما أعلنت القوة المشتركة عن تحرير كازقيل والحمادي والاستيلاء على 57 مركبة قتالية وتدمير عدد من المركبات والمدرعات.
· شنت قوات "الدعم السريع" هجومًا بطائرات مسيّرة انتحارية على أحياء سكنية في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، ما أسفر عن مقتل 7 مدنيين وإصابة 22 آخرين، عقب فشل تقدم ميداني نحو المدينة.
· تعرضت مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان لقصف مدفعي مكثف نفذته قوات "الدعم السريع" و"الحركة الشعبية – شمال"، استهدف سوقًا شعبيًا، وأدى إلى سقوط قتلى وجرحى، في إطار محاولات إعادة فرض حصار على المدينة وقطع خطوط الإمداد مع هبيلا.
· فشل هجوم شنته قوات "الدعم السريع" على مقر الفرقة 22 مشاة في بابنوسة بولاية غرب كردفان، بعد وصول تعزيزات من دارفور، فيما قام الجيش بحشد قوات إضافية في الأبيض وأم روابة لإغلاق محاور التقدم نحو ولايات الوسط.
· نفذ سلاح الطيران المسيّر التابع للجيش غارات جوية على منجم الذهب التابع لشركة "الجنيد" في منطقة أغبش جنوب نيالا بولاية جنوب دارفور، مستهدفًا معمل المعالجة والمخازن وآليات التشغيل، ما أدى إلى توقف نشاطها وسقوط قتلى وجرحى.
· استهدفت طائرات مسيّرة يُرجح تبعيتها للجيش مواقع في سرف عمرة وكبكابية بولاية شمال دارفور، شملت منجم ذهب قرب دامرة ملمات، ما أدى إلى مقتل مدنيين وعسكريين وتدمير آليات ومركبات ونزوح سكان محليين.
· كشفت الأمم المتحدة أن قافلة مساعدات إنسانية تعرضت لهجوم بطائرة مسيّرة أثناء توجهها إلى طويلة بولاية شمال دارفور، ما أدى إلى تدميرها بالكامل.
· أعلن الجيش أنه حرر مديرية مقجة في إقليم النيل الأزرق خلال عمليات عسكرية ، وأسر عناصر من "الدعم السريع" وأحبط هجوماً على منطقة السنوط في غرب كردفان ودمّر دبابات ومركبات قتالية.
· تعرضت منطقة الرهد بولاية شمال كردفان لهجوم بطائرة مسيّرة استهدف مدرسة دينية، ما أدى إلى مقتل طفلين وإصابة 12 آخرين، كما استهدفت غارة أخرى مستودعًا لبرنامج الأغذية العالمي في كادقلي بولاية جنوب كردفان.
· نفذ الجيش ضربات جوية بمسيّرات على مواقع لـ"الدعم السريع" في مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور، كما أعلنت وكالة السودان للأنباء مقتل قيادي بارز في "تحالف تأسيس" بضربة دقيقة في مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور.
المؤشرات والاتجاهات الأمنية
· تشير زيارتا البرهان إلى جدة والقاهرة، وما رافقهما من حراك أمريكي في القاهرة، إلى ضغط إقليمي–دولي منسق لإعادة تفعيل خارطة طريق الرباعية. غير أن هذا الحراك لا يعكس اقتراب تسوية سياسية، إذ تتعامل قيادة الجيش مع المسار التفاوضي بمنطق المرونة المشروطة، مستفيدة من الوقت لإعادة التموضع العسكري في كردفان والنيل الأزرق ودارفور. وعليه، يُرجح استمرار تعثر المسارات التفاوضية، مع تصعيد ميداني متبادل.
· تعكس قرارات إعادة تشكيل هيئة الأركان والترقيات والإحالات للتقاعد توجهًا نحو إعادة هيكلة القيادة العسكرية بما يتناسب مع انتقال مركز الثقل العملياتي من الخرطوم إلى مناطق كردفان ودارفور والنيل الأزرق، إلى جانب ضبط التوازنات داخل المؤسسة العسكرية. كما يمثل صعود العطا لقيادة الأركان تعزيزا للصوت القوي داخل الجيش إزاء مواصلة القتال واتخاذ موقف حاسم ضد الإمارات.
· يشير اعتقال قيادي من "كتائب البراء بن مالك" إلى مساعٍ لـتنظيم العلاقة مع التشكيلات المساندة ذات التوجه الإسلامي وتقنين نشاطها تحت مظلة الدولة، إضافة إلى تقليص هامش عمل القوى المسلحة غير النظامية، دون الوصول إلى قطيعة كاملة.
· تهدف تحركات "تحالف تأسيس" في أديس أبابا ونيروبي إلى تعزيز حضور سياسي–وظيفي في مناطق سيطرة "الدعم السريع"، خصوصًا عبر بوابة العمل الإنساني والتواصل مع الأمم المتحدة ودول الجوار. ورغم عدم تحقق اعتراف سياسي رسمي، فإن هذه التحركات تعمّق واقع الانقسام الإداري الفعلي. ويزداد التنافس الإقليمي حول النفوذ، مع سعي كل طرف لتثبيت تحالفات مع دول الجوار مثل إثيوبيا وتشاد وأوغندا، مقابل مصر والسعودية وإريتريا وتركيا.