المصدر: مجلس سياسات الشرق الأوسط (MEPC)
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
مقدمة
يمثّل الحصار البحري الذي فرضه الحوثيون على السعودية أواخر تموز/ يوليو الماضي تحولًا في موضع الجماعة، من حركة تمرد محلية داخل اليمن إلى قوة إقليمية أصبحت قادرة على إلحاق أضرار بالرياض نفسها. ويثير هذا التحول احتمالات حدوث صدمات في أسواق الطاقة وتعزيز نفوذ إيران الإقليمي واتساع نطاق التوتر في الشرق الأوسط.
وقد أسهمت أربعة حسابات سعودية خاطئة تجاه اليمن في هذا التحول؛ اعتبار الحوثيين وكيلًا لإيران، وتفضيل الشركاء المحليين الموالين على الشركاء الأكثر فاعلية، والاعتماد الكبير على الحملات الجوية، وفرض حصار شامل فاقم الكارثة الإنسانية في اليمن.
بعد أن استمرت عملية "عاصفة الحزم" التي أطلقتها السعودية عام 2015 سبع سنوات، توصل السعوديون والحوثيون لوقف غير رسمي لإطلاق النار استمر أربع سنوات، ثم استؤنف الصراع في الأسابيع الأخيرة لكن في ظل ميزان قوى جديد؛ حيث أعلن الحوثيون فرض حصار بحري على السعودية وبدأوا استهداف ناقلات نفط سعودية في البحر الأحمر، وشنوا هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على منشآت أرامكو النفطية في جازان وينبع، إضافةً إلى عدة هجمات على عدد من المدن السعودية، ما أدى لتعطيل منشآت للطاقة وإصابة 73 شخصًا. وقد جاء تحول السعودية من وضع الهجوم إلى التعرض للضربات وعرقلة الملاحة البحرية نتيجة سلسلة من الحسابات الاستراتيجية الخاطئة التي أضعفت موقف الرياض وعززت بالمقابل موقف الحوثيين.
الحسابات الخاطئة في السياسة الخارجية
أولًا: اعتبار الحوثيين وكيلًا لإيران
يتمثل أول هذه الحسابات الاستراتيجية الخاطئة في اعتبار السعودية حملتها العسكرية ضد الحوثيين امتدادًا لمواجهتها الجيوسياسية الأوسع مع إيران، وينطلق هذا من الرغبة في قطع الدعم الإقليمي عن الحوثيين وحرمانهم من الموارد التي تحتاج إليها الحركة للبقاء. لكن السعوديين تجاهلوا تاريخ الحركة ومصادر دعمها المحلي؛ فالحوثيون تاريخيًا حركة سياسية سبق وجودها الاصطفافات الجيوسياسية الراهنة، كما إنهم متجذرون في النسيج الاجتماعي اليمني وتربطهم صلات قوية بقبائل رئيسية شمال اليمن.
وعليه، فلا يندرج الحوثيون بسهولة ضمن خط الانقسام الأوسع الذي يشكّل الخطاب الإقليمي بشأن الحروب بالوكالة، ونتيجة لذلك لم يلقَ هذا التأطير الإقليمي قبولًا يُذكر داخل اليمن. فقد أدى إسقاط منظور إقليمي على صراع داخلي حول تقاسم السلطة والموارد إلى إحداث فجوة بين خطاب السعودية بشأن الحرب والتجارب السياسية التي يعيشها معظم اليمنيين. ورغم أن قادة الحوثيين قد يستثمرون أحيانًا المناخ الأوسع للصراع الجيوسياسي ذي البعد الطائفي ومواجهة إيران للسعودية لترسيخ سلطتهم، فإن مكانتهم الداخلية تتحدد بعوامل أخرى وفي مقدمتها الصراع على تقاسم السلطة والموارد.
نتيجة لذلك، أصبحت شريحة مهمة من اليمنيين تعتبر الحملة السعودية مجرد عدوان خارجي تشنه دولة قوية على جار منقسم وفقير. وعندما تصدى الحوثيون لهذه الحملة وفّر الانفصال بين خطاب الحرب والواقع المعاش أساسًا لإعادة تقديم أنفسهم؛ من جماعة متمردة خارجة على النظام عطّلت انتقالًا ديمقراطيًا إلى مدافعين عن سيادة اليمن وساعين لكسر الحصار، وقد عزز ذلك شعبيتهم الداخلية واستقطب إليهم حلفاء محليين.
كما ساعد كل ذلك في تعزيز قوة الحوثيين لوجستيًا وعسكريًا؛ فقد عجّل بتحقق النتيجة نفسها التي اتخذتها السعودية مبررًا لتدخلها؛ تعميق العلاقات بينهم وبين وإيران. فقبل الحرب كان حضور إيران ونفوذها محدودين ورمزيين لحد كبير، وأتاح تصوير السعودية للحملة باعتبارها معركة على الخطوط الأمامية في حرب إقليمية بالوكالة مبرر سياسيًا وضرورة عملياتية لتوثيق التنسيق والتعاون بين الحوثيين وطهران. ولو تعاملت الرياض مع الصراع بوصفه حربًا أهلية يمنية وبدرجة أقل باعتباره هجومًا يشنه وكيل لإيران، لكان لدى طهران حافز أقل لتحويل علاقاتها الرمزية مع الحوثيين قبل عام 2015 إلى تحالف استراتيجي وعسكري. وبالمثل، لكان لدى الحوثيين غطاء سياسي أقل وحاجة عسكرية أقل للسعي لتعاون أعمق أو قبوله.
وقد عزز التعاون بين إيران والحوثيين موقع الجماعة داخل اليمن وعلى مستوى الإقليم؛ حيث حوّلها من حركة محلية في المرتفعات الشمالية بمحافظة صعدة إلى قوة على المستوى الوطني، وزاد حضورها الإقليمي لدى القاعدة المؤيدة لمحور "المقاومة". وجاء التحول الحاسم في مكانتها الإقليمية داخل هذا المحور بعد هجمات حماس على "إسرائيل" في السابع من أكتوبر 2023؛ فقد أعادت هجمات الحوثيين على "إسرائيل" وعلى الملاحة في البحر الأحمر وما أعقبها من عملية "حارس الازدهار" بقيادة الولايات المتحدة، تقديم الجماعة على الساحة العالمية بوصفها شريكًا لإيران قادرًا على إلحاق أضرار بـ"إسرائيل" والولايات المتحدة. وفي نهاية المطاف، تطورت القدرات العسكرية واللوجستية للحوثيين على نحو كان تحققه أقل احتمالًا في غياب الرعاية الخارجية.
ثانيًا: تفضيل شركاء محليين موالين على الشركاء الفاعلين
وهذا الحساب الخاطئ مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأول؛ فكان نهج الرياض في اختيار الشراكات المحلية داخل اليمن والحفاظ عليها متمحورًا حول تفضيل الفصائل والشخصيات التي أظهرت ولاءً لا لبس فيه للمملكة، حتى عندما كانت تتحرك أحيانًا بدافع مصالحها الذاتية وعندما كان أداؤها يتعارض مع الاحتياجات الاستراتيجية الأوسع للرياض. وينظر كثير من اليمنيين إلى العديد من هؤلاء الشركاء المفضلين، الذين ينتمون في معظمهم للنخبة في عهد "صالح" وإلى الأوساط المرتبطة بحزب الإصلاح المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين، باعتبارهم ساعين لخدمة مصالحهم الخاصة.
وقد جاء هذا النهج الذي يضع الولاء أولًا على حساب أطراف أكثر قدرة تتمتع بدعم حقيقي على الأرض، وكان من الممكن أن تثبت فاعلية أكبر في مواجهة الحوثيين، لكنها لا تتوافق تمامًا مع تفضيلات السعودية. فعلى سبيل المثال، اضطلع عيدروس الزبيدي بدور محوري في طرد الحوثيين من الجنوب، لكن عندما تعارض سعيه للاستقلال مع المصالح السعودية أُقيل سريعًا من مجلس القيادة الرئاسي ووُجهت إليه تهمة الخيانة وتم حلّ "المجلس الانتقالي الجنوبي" الذي أسسه.
وقد ترتب على ذلك نتيجتان؛ فالتحالف مع فصائل يُنظر إليها باعتبارها فاقدة للمصداقية أضعف المكانة الداخلية للحملة، بوصفها الطرف في الصراع المسؤول عن إعادة الحكومة الديمقراطية الانتقالية، وقلّص قدرتها على كسب التأييد السياسي داخل اليمن. والأهم من ذلك أنه قوّض العمليات العسكرية للمملكة في البلاد؛ فقد واجه الجهاز الإداري داخل الحكومة السعودية الذي يؤدي دورًا رئيسيًا في الحملة، وهو "اللجنة الخاصة باليمن"، اتهامات خطيرة بالفساد، حُمّلت مسؤولية الإسهام في الهزائم العسكرية على الأرض. أما النتيجة الثانية فكانت تهميش شركاء أكثر مصداقية وقدرة عسكرية، ما مهّد دون قصد لتقدم الحوثيين سياسيًا وفي ميدان القتال ورسّخ موقع الحركة داخليًا بصورة أكبر. كما أدى هذا إلى توتر شراكات السعودية الإقليمية أيضًا وأهمها شراكتها مع الإمارات، وهو ما أسهم، إلى جانب عوامل أخرى، في تعزيز موقف الحوثيين.
ثالثًا: اعتماد العمليات العسكرية على الحملات الجوية
فبين أواخر آذار/ مارس 2015 ونيسان/ أبريل 2022 نفذت السعودية وأعضاء آخرون في التحالف 25.054 غارة جوية في اليمن، سعيًا لإضعاف قدرة الحوثيين العسكرية، لكن هذه الضربات الجوية أدت لسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، ما أثّر سلبًا على صورة السعودية داخل اليمن وسمعتها على الساحة العالمية.
وقد أشار مسؤولون سعوديون إلى أن هذه المآسي نتجت عن أخطاء في تحديد الأهداف وفي البيانات الاستخباراتية، وعلى الأرض مثّلت هذه المآسي أحداثًا مؤثرة حفّزت التعبئة الشعبية ضد الحملة السعودية؛ فقد حشدت شرائح أكبر من السكان اليمنيين منهم من كانوا بعيدين عن السياسة أو معارضين للحوثيين، لكنهم أصبحوا يشعرون بالتعاطف والانتماء للجماعة بسبب ما عانوه من فقدان أو لمجرد معرفتهم بأشخاص تكبدوا مثل هذه الخسائر.
وبذلك، أسهم اعتماد السعودية على القوة الجوية في تقويض مكانة حملتها العسكرية، حتى وهي تعلن أن استعادة حكومة ديمقراطية تمثل اليمنيين من بين أهدافها الرئيسية. كما أسهمت هذه الاستراتيجية في تعزيز قوة الحوثيين داخليًا، من خلال ترسيخ إعادة تقديم أنفسهم من جماعة خارجة على النظام إلى مدافعين عن سيادة اليمن وفق الصورة التي صاغوها لأنفسهم.
رابعًا: فرض حصار شامل فاقم الكارثة الإنسانية في اليمن
فقد اعتمدت الرياض على حصار جوي وبري وبحري لليمن بوصفه تكتيكًا عسكريًا لإضعاف الحوثيين، وقد خلّف هذا الإجراء كلفة إنسانية باهظة؛ حيث يعيش من 70% إلى 80% من السكان المدنيين في مناطق يسيطر عليها الحوثيون. ولأن اليمن يستورد نحو 90% من غذائه ومعظم احتياجاته من الوقود والدواء، فقد أثّرت القيود المفروضة على الموانئ والمجال الجوي والطرق على غالبية اليمنيين، وأدى ذلك لتأخير الشحنات وتعطيل سلاسل إمداد السلع الطبية والأساسية ورفع أسعار الضروريات. فبحلول نهاية عام 2021 قُدّر عدد الوفيات المرتبطة بالحرب بنحو 377 ألفًا، كان 60% منها بسبب الجوع وانعدام الرعاية الصحية. وما زال أكثر من 17 مليون يمني يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد، ويعيش 80% من السكان في الفقر.
وقد وسّعت هذه المعاناة المدنية نطاق الدعم المحلي للحوثيين حتى مع رفض معظم السكان أيديولوجيتهم وحكمهم رفضًا قاطعًا. وأتاح تدهور الأوضاع للحوثيين أساسًا لتصوير الحصار باعتباره عقابًا خارجيًا وصرف اللوم عن إخفاقاتهم وجرائمهم الداخلية، مثل حصار تعز المستمر منذ 11 عامًا. كما عمّقت هذه الأوضاع اعتماد اليمنيين على سلطة الحوثيين لتلبية احتياجاتهم الأساسية، وأسهمت هذه العوامل مجتمعة في إحكام قبضة الحوثيين داخليًا بدلًا من إضعافها.
التداعيات الإقليمية والعالمية
لا تمثل هذه الحسابات الاستراتيجية الخاطئة جميع أسباب التحول؛ فقد أسهمت بالتأكيد عوامل أخرى في تعزيز قوة الحوثيين والتأثير في موقع السعودية في هذا الصراع، مثل التماسك الداخلي للجماعة وقدرتها على التعلم العسكري والتكيف، فضلًا عن مواطن الضعف البنيوية المزمنة لدى الفصائل اليمنية المناهضة للحوثيين.
ومع ذلك، كانت لهذه الحسابات الخاطئة المترابطة، التي تعارضت مع الضرورات الأساسية للمملكة المتمثلة في تأمين حدودها الجنوبية وحماية ممرات الملاحة في البحر الأحمر واحتواء التهديدات العابرة للحدود، آثار حاسمة في تحويل التدخل الذي قادته السعودية إلى انقلاب استراتيجي في الموازين، أصبح فيه الحوثيون اليوم قوة إقليمية تهدد المملكة.
وليس هذا التحول مجرد انتكاسة في ميدان القتال، بل تترتب عليه تداعيات كبيرة على المكانة الجيوسياسية للسعودية وعلى استقرار الشرق الأوسط بأسره. وإذا واصل الحوثيون حصار السعودية ومهاجمتها، وهي أكبر مصدّر للنفط في العالم، فإن الآثار الاقتصادية والسياسية ستتجاوز نطاق الصراع المباشر. فاليمن يحتل موقعًا استراتيجيًا على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، الذي تمر عبره نسبة لا تقل عن 12% من التجارة العالمية. ومنذ اندلاع حرب غزة هاجم الحوثيون أكثر من 300 سفينة تضامنًا مع الفلسطينيين، ما أجبر كثيرًا منها على تغيير مسارها والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. كما أدى التصعيد الأخير لاضطرابات في إمدادات الطاقة وبالتبعية في إمدادات الغذاء، وإلى ارتفاع تكاليف الشحن مع آثار متتابعة في الأسواق الدولية.
أما على الصعيد السياسي، فإذا استمر الحوثيون في تهديد أمن السعودية، وهي أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فإن ضعف موقف المملكة سيشجع إيران وشركاءها الإقليميين على مزيد من التحرك، وقد تزيد آثار هذه التطورات المخاطر التي يواجهها شركاء آخرون للولايات المتحدة وتقوّض استقرار الشرق الأوسط.