انتقل إلى المحتوى
صدارة للمعلومات والاستشاراترصد دقيق. معرفة أعمق.استكشف إصداراتنا

السيناريو الأسوأ والكابوس الحقيقي للسعودية ليس مواجهة الحوثي

الساعة : 11:43
16 أكتوبر 2026
السيناريو الأسوأ والكابوس الحقيقي للسعودية ليس مواجهة الحوثي

المصدر: موقع "1945" (19FortyFive)

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

بعد تسعة أشهر من إضعاف الرياض للمجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن وتقويض قدراته، سيطر الحوثيون على ميناء المخا المطلّ على مضيق باب المندب ثم شنّوا هجومين على مطار الملك خالد الدولي في الرياض، أسفرا عن مقتل 12 شخصًا بينهم أمريكي واحد على الأقل ودفعا شركات الطيران الأجنبية إلى تعليق رحلاتها إلى العاصمة السعودية. رغم ذلك، فإن خنق الملاحة في البحر الأحمر حلم مزعج وليس الكابوس الحقيقي؛ إذ يتمثل السيناريو الأسوأ في احتمال أن يشعل الحرس الثوري الإيراني تمردًا مسلحًا في المنطقة الشرقية الغنية بالنفط والتي تضم كثافة سكانية شيعية كبيرة، عبر عمليات تخريبية وهجمات باستخدام عبوات ناسفة تستهدف المهندسين الأجانب الذين لا تستطيع شركة أرامكو السعودية الاستغناء عن خدماتهم.

وبعد سنوات من اتباع سياسة استرضاء الحوثيين مقابل ضمان الهدوء على حدودها، تتعرض السعودية مجددًا للهجمات؛ فبعد تسعة أشهر فقط من توجيه ولي العهد، محمد بن سلمان، ضربة قاصمة إلى "المجلس الانتقالي الجنوبي"، تمكّنت الجماعة من السيطرة على ميناء المخا. وتزامنًا مع تنامي وجود الحوثيين في ميناء بورتسودان على بُعد نحو 725 ميلًا شمالًا، فإن سيطرتهم على مضيق باب المندب تقوّض قدرة السعودية على تصدير النفط بصورة سلسة عبر محطة ينبع التابعة لخط أنابيب النفط "شرق–غرب". ويبدو أن "بن سلمان" رضخ مجددًا لابتزاز الحوثيين من أجل السماح باستمرار تدفق بعض شحنات النفط، لكن إظهار الضعف لا يجلب السلام أبدًا؛ فقد هاجم الحوثيون مطار الملك خالد الدولي في الرياض مرتين خلال الشهر الجاري، ما أسفر عن مقتل 12 شخصًا بينهم أمريكي واحد على الأقل.

ورأى العديد من المحللين أن استراتيجية الحوثيين التي ربما تحظى بدعم مباشر من إيران تقوم على عزل السعودية جوًا وبحرًا، وإذا كان هذا هو الهدف بالفعل فقد نجحت هذه الاستراتيجية؛ إذ علّقت شركات طيران عديدة رحلاتها إلى العاصمة السعودية، من بينها لوفتهانزا الألمانية والخطوط الجوية الهندية وإنديغو الهندية وطيران الإمارات وطيران الاتحاد والخطوط الجوية الملكية الهولندية (KLM) والخطوط الفرنسية والبريطانية.

ورغم أن اتفاقية مكة للدفاع المشترك تَعِد بإقامة تحالف شبيه بحلف "الناتو" فإن القوات الباكستانية هي الوحيدة التي نُشرت في السعودية حتى الآن، ولا توجد أي مؤشرات على أنها ستشارك بصورة مباشرة في العمليات العسكرية ضد الحوثيين. وتفيد تقارير بأن القوات اليمنية استعادت السيطرة على ميناء المخا، ويعود ذلك إلى حد كبير لسماح السعودية للمجلس الانتقالي الجنوبي بالعمل بحرية، رغم أن السعوديين لا يعترفون علنًا بفضل هذه القوة التي تلقت تدريباتها على أيدي الإماراتيين.

وتتحدث السلطات السعودية عن شنّ غزو بري بمشاركة 100 ألف جندي لاستعادة ميناء المخا، وربما السيطرة أيضًا على ميناء الحديدة الرئيسي، لكن الحديث عن عملية من هذا النوع أسهل بكثير من تنفيذها؛ فقد دأب المسؤولون السعوديون على مناقشة هذا الخيار بين الحين والآخر طوال أكثر من عقد من الزمن. ومع ذلك، فإن غياب استراتيجية متماسكة، إلى جانب ما يبدو أنه عدم إدراك "بن سلمان" أن قواته أقل كفاءة مما يدّعي مرؤوسوه، يجعلان تحقيق الحوثيين مزيدًا من المكاسب أمرًا مرجحًا. ويشير ذلك إلى احتمال الوصول لحالة من الجمود العسكري، لكنها لا ترقى لمستوى الكابوس الحقيقي؛ فالمشكلة في التعامل مع الأعداء المدفوعين بأيديولوجيات عقائدية تكمن في أنهم لا يقبلون التسويات.

لكن "كعب أخيل" الخاص بالسعودية (نقطة ضعفها القاتلة) لم تكن اليمن أبدًا، بل المنطقة الشرقية من المملكة؛ فهذه المنطقة التي تضم نسبة كبيرة من الشيعة وربما يشكّلون أغلبية سكانها، تحتوي أيضًا على جزء كبير من احتياطيات النفط والغاز السعودية. وإذا استشعر الحرس الثوري الإيراني وجود مؤشرات ضعف لدى المملكة، لا سيما في ظل سعي "بن سلمان" لإعطاء الأولوية للهدوء بدلًا من تحقيق النصر، فمن المتوقع أن يبذل الحرس جهودًا لتصعيد الاضطرابات في تلك المنطقة.

وخلال موجة الربيع العربي قبل 15 عامًا شهدت تلك المنطقة محاولات متفرقة وغير منظمة لإثارة الاضطرابات، لكن الأجهزة الأمنية السعودية تحركت بصورة استباقية وتمكنت من سحق جانب كبير من المعارضة. أما اليوم، وفي ظل تحليق الطائرات المسيّرة وما يبدو أنه إنهاك للقدرات السعودية وتشتتها، فمن المرجح أن تكون المسألة مجرد وقت قبل أن يسعى النظام الإيراني ووكلاؤه لإشعال موجة جديدة من الاضطرابات والتمرد المسلح في المنطقة الشرقية.

وعلى محللي أسواق الطاقة ألا يكتفوا بتوقع هجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ فحسب، بل عمليات تخريب أيضًا؛ فالمهندسون الأجانب الذين تعتمد عليهم شركة أرامكو سيصبحون أهدافًا مباشرة للهجمات، وقد يواجهون خطر زرع عبوات ناسفة في سياراتهم أو التعرض للاغتيال، بهدف دفع الأجانب إلى مغادرة البلاد.

خلاصة القول، قد يمثّل تعطّل حركة الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر حلمًا مزعجًا للسلطات السعودية وأسواق الطاقة العالمية، لكن إذا نجح العملاء الإيرانيون في إشعال تمرد مسلح شرق السعودية فإن هذا سيكون الكابوس الحقيقي.