المصدر: أتلانتك كاونسل
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
ملخص تنفيذي
مع انتهاء عام 2025 المضطرب، يدخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوتر الاستراتيجي الحاد؛ حيث تنخرط شبكة معقدة من الأطراف في المشهد: "إسرائيل" وإيران ولبنان والعراق واليمن إلى جانب فاعلين مسلحين من غير الدول، منهم "حزب الله" وحركة حماس والحوثيين وعدة فصائل من قوات "الحشد الشعبي" في العراق. ولا ينبغي الخلط بين ذلك النسيج الهش من اتفاقات وقف إطلاق النار المؤقتة القائمة في أنحاء المنطقة وبين ردع مستدام أو سلام حقيقي؛ فالقضايا الجوهرية ما زالت دون حل، كما إن الحالات النهائية التي تسعى إليها الأطراف المتنازعة متعارضة تعارضًا جذريًا.
إضافةً لذلك، فإن الخطر يزداد من اندلاع صراع متعدد الجبهات مجددًا خلال الأشهر القادمة، ويغذّيه تلاقي ثلاثة عوامل رئيسية؛ سعي إيران لإعادة بناء قدراتها على الردع، واستمرار رفض "حزب الله" وحماس نزع سلاحهما، وتزايد الترابط بين ساحات الصراع الإقليمية من غزة وجنوب لبنان إلى العراق والبحر الأحمر.
وما يميّز اللحظة الراهنة ليس مجرد استمرار هذه الصراعات، بل درجة الترابط التي تجعل من المرجح أن يؤدي التصعيد في ساحة واحدة لردود فعل متسلسلة في ساحات أخرى. ففي الوقت الذي تركز فيه واشنطن على حشد عسكري في منطقة الكاريبي وعلى مفاوضات إنهاء الحرب في أوكرانيا، لا ينبغي لصنّاع القرار في الولايات المتحدة أن يغفلوا عن احتمال تجدّد أزمة كبرى في الشرق الأوسط.
إيران والوكلاء وإعادة بناء الردع
لطالما اعتمدت الاستراتيجية الإقليمية لإيران على نموذج ردع متعدد الطبقات، يقوم على الوكلاء والقدرات النارية بعيدة المدى والغموض، بدلًا من المواجهة المباشرة بين الدول. ويهدف هذا النموذج لفرض تكاليف تراكمية على الخصوم، مع تحصين إيران من الرد المباشر عليها. ووفقًا لتقييمات متكررة صادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية والأمم المتحدة، تمتلك إيران أكبر وأكثر قوة صاروخية تنوعًا في الشرق الأوسط، وتواصل الاستثمار في قدرات البقاء، والقواعد تحت الأرض، والطاقة الإنتاجية، وتُستكمل هذه القدرات بجماعات مسلحة موالية لها تنشط في لبنان وغزة والعراق وسوريا واليمن.
ومن المنظور "الإسرائيلي"، تمثل هذه البنية الردعية القائمة على الوكلاء تهديدًا وجوديًا؛ فقد غيّر هجوم حماس في السابع من أكتوبر 2023 إدراك "إسرائيل" للتهديد بشكل جذري، بعدما أظهر أن جماعات موالية لإيران قادرة على إحداث صدمة استراتيجية دون إشعال حرب إقليمية فورية. ومنذ ذلك الحين، أوضح المسؤولون "الإسرائيليون" أنهم لن يسمحوا لإيران بإعادة إنشاء بيئة ردعية تهيّئ الظروف لهجمات مماثلة في المستقبل. ويؤدي هذا الواقع إلى تضييق هامش التسامح "الإسرائيلي" مع إعادة تسليح إيران وتكريس نفوذ وكلائها، لا سيما عندما يقترن ذلك بالجداول الزمنية الصريحة التي حددتها تل أبيب لـ"حزب الله" على حدودها الشمالية.
حزب الله ولبنان وحدود سلطة الدولة
من بين الجماعات المتحالفة مع إيران، يظل "حزب الله" الأكثر قدرة عسكريًا؛ حيث تشير تقديرات مستقلة إلى أن الحزب يمتلك عشرات الآلاف من الصواريخ والقذائف، بما في ذلك منظومات ذات دقة عالية قادرة على ضرب عمق الأراضي "الإسرائيلية". وينص قرار مجلس الأمن رقم 1701، الذي أنهى حرب "إسرائيل" مع لبنان عام 2006، على نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية جنوب لبنان وبسط سلطة الدولة اللبنانية، لكن بعد ما يقرب من عقدين، ما زال "حزب الله" يرفض صراحة نزع سلاحه، معتبرًا ترسانته قوة مقاومة ضرورية.
وقد أقرت الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني بأنهما غير راغبين أو غير قادرين على نزع سلاح الحزب بالقوة؛ إذ تؤكد التصريحات العلنية للمسؤولين اللبنانيين والتقارير الدولية أن الدولة تفتقر للقدرة والتوافق اللازمين لتنفيذ القرار 1701 دون المخاطرة باندلاع صراع داخلي.
وقد انعكس هذا الواقع بشكل متزايد على التخطيط "الإسرائيلي"؛ فقد صوّر المسؤولون "الإسرائيليون" المسألة لا بوصفها عدم رغبة لبنان في نزع سلاح الحزب، بل عجزه عن ذلك، كما صرحوا بأن استمرار ترسخ وجود الحزب على طول الحدود يتنافى مع الاستقرار طويل الأمد. ومنذ توقيع وقف إطلاق النار بين "إسرائيل" والحزب عام 2024، نفذت "إسرائيل" ضربات متفرقة ضد أهداف جنوب لبنان، فيما حاولت إيران إعادة تزويد الحزب بالأموال والأسلحة، ما فاقم التوترات التي قد تصل إلى نقطة الانفجار.
غزة والمرحلة الثانية والمسار الغائب لنزع السلاح
أما في غزة، فما زالت حماس فاعلًا سياسيًا مسلحًا رغم العمليات العسكرية "الإسرائيلية" المتواصلة والوساطات الدولية، وقد رفضت الحركة صراحة نزع سلاحها كشرط لأي وقف لإطلاق النار أو لأي ترتيبات لما بعد الحرب. وتتصور المقترحات الأمريكية للمرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة انتقالًا من القتال النشط إلى ترتيب أمني وإداري مستدام، لكن أيًّا من الأطراف الإقليمية أو الدولية التي أبدت استعدادها للمشاركة في قوة استقرار مستقبلية دولية أو بقيادة عربية في غزة، لم تلتزم بنزع سلاح حماس بالقوة.
فقد أوضحت الدول العربية في تصريحات علنية وأخرى غير معلنة أنها لن تتحمل مسؤولية غزة، إذا كان ذلك يتطلب مواجهة مباشرة مع حماس. ونتيجة لذلك، تفتقر المرحلة الثانية حاليًا إلى آلية تنفيذ قادرة على القضاء على القدرة العسكرية لحماس، ما يترك "إسرائيل" متشككة في أن أي ترتيب مرحلي يمكن أن يمنع الهجمات المستقبلية. ويعزز هذا الفراغ مخاوف "إسرائيل" من أن خفض التصعيد دون نزع السلاح لا يؤدي إلا إلى تأجيل الصراع بدلًا من حله.
مخاوف من تصعيد متسلسل عبر الساحات
إن الخطر المركزي الذي يواجه المنطقة يتمثل في التصعيد المتسلسل؛ فقد يؤدي أي عمل عسكري "إسرائيلي" في غزة لزيادة الضغط على الحدود الشمالية مع لبنان، كما إن التصعيد مع "حزب الله" قد يرفع من احتمال المواجهة المباشرة أو غير المباشرة مع إيران. من جهة أخرى، فقد تدفع الضربات الإيرانية أو "الإسرائيلية" الحوثيين لاستئناف هجماتهم الصاروخية وبالطائرات المسيّرة ضد الملاحة في البحر الأحمر، أو إطلاق منظومات بعيدة المدى باتجاه "إسرائيل"، كما فعلوا سابقًا ردًا على تحركات عسكرية إقليمية.
في الوقت نفسه، قد يتزامن التصعيد في ساحات أخرى من خلال زيادة نشاط الجماعات الموالية لإيران في العراق، بما في ذلك الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد المنشآت الأمريكية والمنشآت التابعة للتحالف. وهذه المسارات ليست افتراضية، بل تعكس أنماطًا متكررة لوحظت على مدى العقد الماضي، لكنها اليوم أصبحت مضغوطة بجداول زمنية صريحة، وجهود إعادة التسلح، وتآكل منظومات الردع.
السياسة وتحدي الوصول إلى حالة نهائية مستقرة
ينبغي للسياسة الأمريكية أن تسهم في صياغة حالة نهائية تضمن فيها أمن "إسرائيل" بصورة موثوقة، ويقتنع فيها الفاعلون الإقليميون بأن أي تصعيد إضافي لن يحقق مكاسب استراتيجية. ويعتبر هذا توازنًا بالغ الصعوبة؛ فمن الناحية التاريخية ارتكز استخدام إيران للوكلاء في بناء الردع، على قدرتها على إقناع خصومها بأن أي هجوم على مصالحها سيؤدي إلى ردود انتقامية واسعة النطاق في مختلف أنحاء المنطقة. أما "إسرائيل"، خصوصًا بعد السابع من أكتوبر، فهي غير مستعدة لقبول هذا الإطار، وتتجه بشكل متزايد لتفكيكه بدلًا من إدارته.
وعليه، ينبغي أن تركز السياسة الأمريكية على استعادة الردع بدلًا من الاكتفاء بالسعي إلى خفض التصعيد المؤقت؛ وهذا يعني تعزيز أوضاع دفاعية إقليمية موثوقة، وحماية التجارة البحرية، وضمان أن تدرك إيران وشركاؤها أن أي تصعيد إضافي عبر الوكلاء سيترتب عليه ثمن مباشر ومتراكم. في الوقت نفسه، يجب أن تُعرّف السياسة ترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ، لا مجرد تصورات طموحة؛ فإطارات الاستقرار في غزة أو لبنان التي تفتقر لآليات موثوقة لنزع السلاح لن تكون كافية لطمأنة "إسرائيل" أو ردع هجمات مستقبلية.
وأخيرًا، ينبغي إنشاء آليات لإدارة التصعيد تحافظ على هامش القرار خلال الأزمات، بما في ذلك قنوات اتصال لإدارة الأزمات، وآليات إقليمية لمنع الاحتكاك العسكري، وانخراط دبلوماسي يهدف لمنع سوء التقدير حتى مع بقاء الصراعات الجوهرية دون حل. فالمنطقة لم تنزلق بعد إلى حرب مفتوحة، لكن تلاقي الصراعات غير المحسومة، والردع القائم على الوكلاء، والجداول الزمنية الصريحة لنزع السلاح، قد قلّص بشدة هامش الخطأ. وبالتالي، فإن منع التصعيد اليوم يتطلب معالجة ليس فقط المحفزات المباشرة، بل أيضًا بُنى الردع التي جعلتها ممكنة من الأساس.