المصدر: جيروزاليم إنستيتيوت فور ستراتيجي آند سيكيورِتي (JISS)
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
مرحلة جديدة من الاحتجاجات
مع دخول موجة الاحتجاجات في إيران أسبوعها الثاني، ما زال من غير الواضح إذا كانت ستتصاعد أم ستخبو؛ فعند تحليل الوضع ينبغي الامتناع عن استخلاص استنتاجات ثنائية حادة أو الانسياق وراء التمنيات، لأن الوضع في إيران معقّد ولا يسمح بإسقاطات تبسيطية. فلم تكن إيران يومًا كوريا الشمالية أو الاتحاد السوفياتي في عهد ستالين من حيث مستوى القمع؛ فقد أتاح طغيان النظام الإيراني، المصاغ بذكاء سياسي، له البقاء متماسكًا منذ تأسيسه عام 1979، رغم التحديات الكثيرة داخليًا وخارجيًا.
من حيث المبدأ، يُسمح في إيران بالاحتجاجات العامة والإضرابات، لكن إسقاط نظام قائم غالبًا ما يتطلّب حركةً سياسية منظّمة، والاستثناء الوحيد تقريبًا لهذه القاعدة في العصر الحديث هو تونس. ويتعيّن على المنخرطين في مثل هذه الحركة أن يكونوا حازمين ومستعدين لتعريض حياتهم للخطر وقادرين على حمل السلاح، ولا يمكن لأي جماعة أو تنظيم مؤقت يسعى لإسقاط الطغيان القائم أن يعمل بصورة قانونية؛ فالعمل السري ضرورة لكنه محفوف بالمخاطر وله سلبياته. أمّا الاحتجاج الشعبي والهتافات فليسا سوى تفريغ علني للمشاعر أو تعبير عن مطالب، وليسا فعلًا سياسيًا بحد ذاتهما. وبما أنّ زوال أي نظام هو فعل سياسي، فلا بد أن يتحقق بوسائل سياسية؛ وبالتالي لا بد من قيادة توجّه الجماهير وتقودها وتضبط حركتها، لتحويل مشاعرها ودوافعها إلى هدف سياسي ملموس.
بالمقابل، ليس النظام الإيراني ليس مراقبًا سلبيًا لما يجري؛ فقد تبنّى بالكامل، بل طوّر، أساليب جهاز الـ"كي جي بي" في "الإجراءات النشطة" والدعاية، فيما يستخدم تلك التقنيات القديمة، مثل العملاء المحرّضين وأسلوب "الشرطي الجيد والشرطي السيئ"، لشق صفوف المحتجين، ودفع فصائل المعارضة إلى التناحر فيما بينها. فعلى سبيل المثال، أشاد أحد أنصار النظام من أقارب المرشد بما سمّاه "إجراءً ذكيًا" اتُّخذ خلال هذا "الاحتجاج المشروع"، قائلًا إن "عناصر الأمن بملابس مدنية يتحركون بين المحتجين ويرددون الهتافات، وفي الوقت نفسه يضمنون عدم تسلل العناصر المخربة إلى صفوف المتظاهرين".
من جانبهم، يستطيع المحتجون الإيرانيون الوصول عبر الإنترنت إلى كل المعلومات اللازمة لمواجهة الشرطة وقوات الأمن؛ فعلى سبيل المثال يوجد قناة مخصصة على تطبيق "تلجرام" لتعليم صناعة القنابل، تتضمن تقنيات لصنع المفرقعات اليدوية أو زجاجات المولوتوف، لكن قد يكون الحرس الثوري الإيراني هو الذي أنشأ هذه القناة لرصد المحتجين الذين يبحثون عن مثل هذه الوسائل التخريبية. وتبقى وسائل التواصل الاجتماعي سلاحًا ذا حدين؛ إذ تتيح تواصلًا جماهيريًا غير مسبوق مقارنةً بما كان متاحًا قبل أربعين عامًا، لكنها في الوقت نفسه تمكّن أي نظام من مراقبة انتشار الاحتجاجات والتحكم فيه بسهولة أكبر.
ما يميّز الانتفاضة الحالية عن سابقاتها
يتميّز الحراك الأخير عن موجات الاضطراب السابقة، مثل الحركة الخضراء عام 2009 واحتجاجات الوقود عام 2019، أو حركة "المرأة، الحياة، الحرية" عام 2022، بأنه مدفوع بمحفّز جوهري؛ حيث اندلعت الحركات السابقة بسبب تزوير انتخابي أو خفض دعم الوقود أو القمع الاجتماعي، لكن الانتفاضة الحالية مدفوعة بالانهيار الكامل لـ"أفق الحسابات" الضروري للبقاء الاقتصادي.
وقد صاغت قناة تحليلية جديدة على "تلجرام" تُدعى "چشمه" مفهوم "بیقابلیتِ محاسبه" أي "عدم القدرة على الحساب"، بوصفه العدسة النظرية الأساسية لفهم هذا التحول. ففي أي اقتصاد عامل، يعمل المشاركون في السوق، من كبار المستوردين إلى باعة الأرصفة، ضمن أفق يمكن التنبؤ به، وإن كانت الأسعار والضرائب وقيم العملات قد تتقلب، لكنها تفعل ذلك ضمن حدود قابلة للحساب، تسمح بإدارة المخاطر والتخطيط للمستقبل.
وبحلول كانون الأول/ ديسمبر 2025، أدّى انهيار الريال الإيراني إلى نحو 1.45 مليون مقابل الدولار الواحد إلى تدمير هذا الأفق. وبالنسبة للبازار، القلب التاريخي والاقتصادي للمجتمع الإيراني، أصبح من المستحيل تسعير السلع، وصار بيع البضائع فعلًا غير عقلاني رياضيًا، لأن كلفة استبدال المخزون تتجاوز حتمًا سعر البيع خلال ساعات. ومن ثم، لم يكن الإضراب مجرد احتجاج على ارتفاع الأسعار، بل ضرورة بنيوية، وكانت "رسالة" المتاجر المغلقة أن آليات التجارة نفسها قد توقفت عن الوجود. ورغم أن بازار طهران لم يعد يؤدي الدور الاقتصادي والاجتماعي الحاسم الذي كان له قبل ثورة 1979، لكنه ما زال مؤشرًا بالغ الدلالة على التحولات الاقتصادية الكبرى.
ويمتد فقدان "الثقة الحسابية" هذا إلى ما هو أبعد من طبقة التجار ليشمل عموم السكان؛ فمع وصول معدل التضخم الرسمي إلى 42.2% (وهو على الأرجح أقل من الواقع)، وارتفاع أسعار الغذاء بنسبة 72% على أساس سنوي، تواجه الأسرة الإيرانية المتوسطة العجز ذاته عن حساب شروط بقائها. كما إن مشروع موازنة 2026/2027 الذي اقترحه النظام، والذي يتضمن تهديدًا بزيادة الضرائب بنسبة 62% لسد عجز إيرادات النفط، أوصل رسالة واضحة إلى الرأي العام مفادها أن الدولة تعتزم انتزاع السيولة من مجتمع مفلس لتمويل بقائها، ما يقطع الصلة أكثر بين الحكم والمساءلة.
من المطلب الاقتصادي إلى القطيعة السياسية
سلكت الاحتجاجات مسار تصعيد سريع؛ حيث انتقلت خلال 48 ساعة من شكاوى اقتصادية إلى رفض جذري للنظام.
المرحلة الأولى: الإضراب الدفاعي (28 كانون الأول/ ديسمبر):
بدأ الاضطراب في المناطق التجارية المتخصصة في طهران، حيث أغلق التجار في مركزي "علاء الدين" و"چارسو"، وهما محوران لتجارة الهواتف المحمولة والتكنولوجيا، محالهم، ويعتبر هذا القطاع حساسًا لتقلبات العملة لاعتماده على السلع المستوردة. وتركزت الهتافات الأولى على سعر الصرف وعدم كفاءة البنك المركزي. وطالب تجار البازار بـ"دعم" من قوات الأمن لتحقيق الاستقرار في السوق، إذ نظروا في البداية إلى الشرطة بوصفها حليفًا محتملًا في مواجهة الفوضى.
المرحلة الثانية: التحول السياسي (29 كانون الأول/ ديسمبر):
مع محاولة قوات الأمن إجبار المتاجر على فتح أبوابها، واستخدام الغاز المسيل للدموع في الشوارع، تغيّرت الرواية، وانتشرت الاحتجاجات إلى "البازار الكبير"، المعقل التقليدي لطبقة التجار المحافظين، وتحولت الشعارات إلى هجوم مباشر على الشرعية السياسية للنظام:
· اقتصاديًا: "التجارة مستحيلة مع دولار بـ150 ألف تومان".
· سياسيًا: "بيزشكيان، عيب عليك، اترك البلد".
· بنيويًا: "الموت للديكتاتور" و"سيسقط السيد علي [خامنئي] هذا العام".
ويعتبر هذا التحول بالغ الأهمية؛ إذ يشير إلى أن طبقة البازار خلصت إلى أن الاستقرار الاقتصادي غير ممكن في ظل الترتيبة السياسية الراهنة. كما إن عودة شعارات مثل "لا غزة ولا لبنان، روحي فداء إيران" تربط صراحةً بين الفقر الاقتصادي في إيران ومغامرات النظام في السياسة الخارجية، لا سيما تداعيات حرب تموز/ يونيو 2025.
المرحلة الثالثة: الانتشار على المستوى الوطني (29–30 كانون الأول/ ديسمبر):
أظهر الحراك انتشارًا جغرافيًا مدروسًا هدفه إنهاك الجهاز الأمني؛ فإلى جانب طهران، اندلعت الاحتجاجات في كل من:
· أصفهان وشيراز: وهما مركزان صناعي وسياحي، حيث انهار قطاع الخدمات.
· مشهد: مركز ديني، حيث تشير الاحتجاجات في ساحة الشهداء إلى تآكل القاعدة الأيديولوجية للنظام.
· المناطق الطرفية: في كردستان (سنندج)، وهمدان، والأهواز، حيث تبرز تقاطعات السخط الاقتصادي مع التمييز العرقي والقائم على الموارد، وفي الأهواز تفاقمت الأزمة بإضرابات في قطاعي النفط والصحة.
كيف تحولت آلية غياب المساءلة إلى شرارة
كان المحرّك الجوهري للغضب الحالي "انعدام المساءلة"؛ ففي الماضي كان من الممكن التفكير في رفع مطالب إلى النظام، أما اليوم فيبدو أن النظام، بحكم تعريفه، غير خاضع للمساءلة عن أي شيء. وتتسم استجابة النظام للأزمة برفض تحمّل المسؤولية، كما تتنوع تكتيكات تقليص المسؤولية بين البحث عن كبش فداء (اتهام "مهرّبي العملة" و"مؤامرات الموساد والحرب النفسية")، والترويج لوهم الحياة الطبيعية؛ إذ زعمت السلطات أن "جميع الامتحانات الجامعية مستمرة" رغم الفوضى، في محاولة لتضليل السكان وإقناعهم بأن النظام لا يزال قائمًا.
وقد قام الرئيس، مسعود بيزشكيان، بتعيين عبد الناصر همتي محافظًا للبنك المركزي بدلًا من محمد رضا فرزين، غير أن هذه الخطوة بدت بلا جدوى؛ إذ نظر إليها الرأي العام الإيراني على أنها مجرد لعبة كراسٍ موسيقية داخل نظام مفلس.
خسارة أقوى ركائز نفوذه الخارجي
يُجبَر النظام على التحرك تحت وطأة ضغوط متزايدة داخليًا وخارجيًا؛ فما زالت حرب الأيام الاثني عشر مع "إسرائيل" تلقي بظلالها الثقيلة على جميع المجالات. فقد خسرت إيران أقوى ركائز قوتها غير المتكافئة، "حزب الله" والبرنامج النووي، كما فقدت موطئ قدمها الأهم: سوريا. ورغم بقاء الترسانة الباليستية، يدرك القادة الإيرانيون أنه لا شيئ يمنع "إسرائيل" أو الولايات المتحدة من شن جولة أخرى من الضربات عند الضرورة.
وتعتبر كلفة إعادة بناء هذه القدرات العسكرية المفقودة باهظة للغاية، فضلًا عن أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تتم بين ليلة وضحاها، وفي وقت لم تكن لإيران يومًا تحالفات دولية قوية على مستوى الدول. ويؤكد الوضع الراهن مرة أخرى حقيقة حاول النظام إخفاءها طويلًا؛ فبغياب قدراته غير المتكافئة، تعتبر إيران دولة ضعيفة جدًا من حيث القوة العسكرية التقليدية.
أما الوضع الداخلي فليس أفضل حالًا؛ إذ تواصل جميع العمليات المذكورة آنفًا تقويض شرعية النظام، وإذا كانت الاحتجاجات الاجتماعية والاقتصادية في الماضي لا تستهدف النظام بالضرورة، فإنها اليوم تستهدفه بصورة مباشرة. وقد نجح النظام حتى الآن في احتواء جميع موجات الاحتجاج السابقة؛ فجهاز الأمن في الجمهورية الإسلامية أكثر تطورًا واحترافًا بكثير مما كان عليه جهاز الشاه عام 1979. لكن عاملًا جديدًا يبدو أنه قد ظهر الآن، هو اليأس، ولم تعد الاحتجاجات تدور حول قضية قابلة للتسوية أو الخلاف.
في الثالث من كانون الثاني/ يناير، علّق "خامنئي" للمرة الأولى مدعيًا أن أزمة العملة التي أشعلت الاحتجاجات في أنحاء البلاد ليست "طبيعية"، بل من صنع "الأعداء"، وميّز بين احتجاجات التجار، التي قال إنها مشروعة، وبين الاضطرابات التي نسبها إلى ما سماهم "مثيري الشغب"، والذين قال إنه يجب "وضعهم في مكانهم"، كما ألقى باللوم على أعداء مجهولين في التدهور الحاد لقيمة العملة الإيرانية.
سقوط "مادورو" ضربة أخرى للنظام
جاء اختطاف ديكتاتور فنزويلا، نيكولاس مادورو، من قبل الولايات المتحدة مفاجئًا للنظام الإيراني؛ فقد بدّد ما تبقى من أمل لدى بعض البراغماتيين الإيرانيين في إمكانية "التعامل مع ترامب". وبالنسبة لكبار المسؤولين الإيرانيين، فإن رؤية قوات خاصة أمريكية تنفذ عملية في كراكاس تستحضر بلا شك شبح عمليات مماثلة قد تُنفّذ ضد إيران.
لكن ردود فعل المسؤولين ووسائل الإعلام الإيرانية تكشف أن أهمية فنزويلا وديكتاتورها الساقط تتجاوز الرمزية بكثير بالنسبة لإيران؛ فقد اتهمت صحيفة "صدى إيران"، الصادرة على الموقع الشخصي لخامنئي، الولايات المتحدة بـ"اختطاف الرئيس الشرعي لفنزويلا" و"انتهاك القانون الدولي لتأمين مصالحها النفطية". كما اتهم وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، "ترامب" باتباع "شريعة الغاب" و"تقويض ثمانية عقود من التقدم في القانون الدولي"، فيما قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، إن طهران "تتابع بجدية" استعادة مطالباتها المالية في فنزويلا، مؤكدًا أن الالتزامات المالية للدول لا تزول بتغير الحكومات.
ووفقًا لتقارير إعلامية، تَدين كراكاس لطهران بأكثر من ملياري دولار، معظمها ناتج عن صفقات نفطية وصادرات مشتقات نفطية وتعاون في مجال الطاقة، بما في ذلك مطالبات بقيمة مليار دولار لشركة النفط الوطنية الإيرانية. وكان نظام "مادورو"، وقبله "تشافيز"، حليفًا أساسيًا لإيران، ما أتاح لـ"حزب الله" والحرس الثوري العمل بحرية في البلاد. وقد وفر هذا التحالف لإيران والحزب قاعدة استراتيجية في أمريكا اللاتينية، مكّنتهما من الالتفاف على العقوبات، والتخطيط لهجمات "إرهابية"، والانخراط في أنشطة غير مشروعة. وزوّدت إيران فنزويلا بأسلحة منها طائرات مسيّرة، وبالمقابل حصل "فيلق القدس" على حرية العمل على الأراضي الفنزويلية. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، أحبطت المكسيك مخططًا إيرانيًا لاغتيال سفير "إسرائيل" لديها، كان قد نظمه ضابط في فيلق القدس يُدعى "حسن إيزدي"، وهو دبلوماسي إيراني خدم في فنزويلا.
كما شارك الحرس الثوري و"حزب الله" بفاعلية في أنشطة غير مشروعة، لا سيما تجارة المخدرات وإقامة علاقات مع كارتلات المخدرات في أمريكا الجنوبية. ولم تكن فنزويلا مجرد محور للنفوذ الإيراني في القارة الأمريكية فحسب، بل كانت أيضًا ملاذًا آمنًا لكبار ضباط الحرس الثوري الذين نقلوا ثرواتهم إلى ذلك البلد الواقع في أمريكا الجنوبية، ومع غموض مستقبل فنزويلا اليوم، تلقّى النفوذ الإقليمي لإيران ضربة كبيرة.
لقد عانت الثورة الإسلامية إفلاسًا أخلاقيًا وماليًا كاملًا، وفقدت شرعيتها في نظر غالبية الإيرانيين، وبينما تقع مسؤولية زوالها على عاتق الشعب الإيراني، فإن "إسرائيل"، بطبيعة الحال، لن تعترض على ذلك، بل ستبذل كل ما في وسعها للتصدي لعدوان الجمهورية الإسلامية. ولا ينبغي لأحد أن يصدّق الرواية التي تحاول أدوات النفوذ الإيراني ضخّها في وسائل الإعلام الغربية، القائلة إن "فوضى إيران ستعرّض الأمن الإقليمي للخطر".
ومع أن أحدًا لا يستطيع التنبؤ بمآلات الاحتجاجات الحالية في إيران، فإن هناك أمرًا واحدًا مؤكدًا: إذا سقط النظام فلا يُتوقع حدوث فوضى في إيران، أي لا تكرار للسيناريو السوري أو الليبي أو العراقي. فالفوضى في تلك البلدان تعود إلى البنية القبلية في كثير من المجتمعات العربية وغياب مؤسسات دولة فاعلة، وهو ما لا ينطبق على إيران، التي تُعد دولة قومية ذات مؤسسات راسخة.