المصدر: جلوبال جيوﭘوليتكس
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
تعكس المواجهة الراهنة بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة وإيران من جهة أخرى مشروعًا طويل الأمد، يقوم على الإكراه والاحتواء وصولًا إلى الإطاحة بقوة إقليمية غير منصاعة تُعتبر مكانتها عائقًا أمام الهيمنة الاستراتيجية الغربية عبر أوراسيا. وتجمع المرحلة الحالية بين الإشارات العسكرية العلنية والخنق الاقتصادي وزعزعة الاستقرار الداخلي والاستثناء القانوني، في سياق يُطبَّق بقدر متناقص من ضبط النفس وبمخاطر تصعيد متزايدة.
من المعروف أن إيران تحتل موقعًا جغرافيًا وديموغرافيًا واقتصاديًا يجعلها غير قابلة للمقارنة بالدول الطرفية، التي خضعت سابقًا لعمليات تغيير النظام؛ فالدولة تسيطر على مساحة أرض تفوق مجموع مساحات عدة دول أوروبية كبرى، وتجاور الخليج العربي وآسيا الوسطى والقوقاز وبلاد الرافدين، وتقع على مفترق طرق ممرات الطاقة التي تربط آسيا بأوروبا. وتمتلك إيران واحدًا من بين أكبر الاحتياطيات المؤكدة في العالم من النفط والغاز الطبيعي، إلى جانب ثروات معدنية كبيرة وقدرات زراعية وبنية صناعية داخلية معتبرة. وتفسّر هذه السمات البنيوية سبب التعامل مع إيران لا بوصفها مشكلة سياسات، بل بكونها عائقًا استراتيجيًا في نظر واشنطن وحلفائها.
وقد تفاقمت المواجهة عقب إعادة فرض الولايات المتحدة عقوبات شاملة بعد انسحابها من "خطة العمل الشاملة المشتركة"؛ حيث صرّح وزير الخارجية الأمريكي السابق، مايك بومبيو، في مقابلة عام 2020 مع المدير المؤقت السابق لوكالة الاستخبارات المركزية، مايكل موريل، بأن هدف العقوبات لم يكن تغيير سلوك الدولة الإيرانية، بل ممارسة الضغط على السكان الإيرانيين لإجبارهم على إحداث تغيير سياسي. وقد أوضح هذا الاعتراف أن الحرب الاقتصادية استهدفت رفاهية المدنيين كأداة متعمدة لا كوسيلة ضغط دبلوماسي، بما ينسجم مع عقيدة أوسع تقوم على إحداث انهيار داخلي مُفتعل.
في هذا الإطار، حققت العقوبات أضرارًا اقتصادية ملموسة، شملت التضخم وانخفاض قيمة العملة وتراجع الوصول إلى الأدوية وتقلص القدرة الشرائية للأسر الإيرانية. وقد أقرّ اقتصاديون مستقلون وباحثون في شؤون العقوبات، بأن التدهور الناتج عن العقوبات الشاملة يلحق في المقام الأول بأوضاع المدنيين قبل أن يؤثر في قرارات النخب الحاكمة. وبناءً على ذلك، أصبحت المعاناة الاقتصادية محرّكًا للاحتجاجات العامة، انطلاقًا من مظالم مادية لا من تعبئة أيديولوجية.
كما عكست الاحتجاجات التي اندلعت في عدة مدن إيرانية غضبًا اقتصاديًا مشروعًا، غير أن التطورات اللاحقة اتبعت نمطًا مألوفًا من حملات تغيير النظام السابقة؛ فقد أفادت تقارير من مراكز المحافظات الإيرانية بظهور مجموعات صغيرة ومنسّقة، تعمل قرب بنى تحتية حساسة ومنشآت أمنية ومبانٍ إدارية، مستخدمةً عبوات حارقة وأدوات حادة وأسلحة نارية، في سلوك يختلف جذريًا عن الاحتجاجات العفوية. وأعلنت أجهزة الاستخبارات الإيرانية اعتقال منظّمين كانوا يديرون قنوات اتصال مشفّرة، توفّر تعليمات لصناعة الأسلحة وتنسيق أعمال الشغب.
وقد أقرّ مسؤولون "إسرائيليون" وغربيون مرارًا بوجود تورط سري في الشؤون الداخلية الإيرانية؛ إذ احتفى "بومبيو" علنًا بوجود عناصر استخبارات "إسرائيلية" بين المتظاهرين الإيرانيين، في إفصاح استثنائي أسقط قابلية الإنكار المعقول بشأن ادعاءات التدخل الخارجي. كما أفادت وسائل إعلام "إسرائيلية" بمشاركة استخباراتية في تنسيق الاحتجاجات وتقديم دعم مالي وإدارة عمليات معلوماتية. وتُعزّز مثل هذه الإقرارات تقييمات محللين بأن زعزعة الاستقرار الداخلي تشكّل ركيزة أساسية في الاستراتيجية الغربية تجاه الدول غير المنصاعة.
بالمقابل، أدّى فشل إحداث انهيار داخلي مستمر إلى إعادة ضبط استراتيجية؛ فقد أقرّ محللون "إسرائيليون" بأن حركات الاحتجاج لم تنجح في تفكيك هياكل الحكم في إيران، أو إحداث انشقاقات داخل النخب. كما حافظت الصين وروسيا على الانخراط الدبلوماسي والاقتصادي مع طهران، بينما امتنعت دول إقليمية عن المشاركة في التصعيد، وقد أسهم هذا المناخ في زيادة الضغوط باتجاه عمل عسكري مباشر لاستعادة هيمنة الردع.
كما برزت إشارة تصعيد حاسمة مع اعتقال رئيس فنزويلا ونقله إلى الخارج بتهم تتعلق بالمخدرات؛ حيث أظهرت هذه العملية إمكانية التخلي عن الأعراف الراسخة التي تحمي رؤساء الدول أثناء توليهم مناصبهم، بما يشير إلى أن السيادة الرسمية لم تعد تقيّد عمل الولايات المتحدة ضد خصومها. وقد جادل محللون استراتيجيون بأن مثل هذه الأفعال تقوّض الأسس الجوهرية للقانون الدولي، وتستبدل النظام القائم على القواعد بإنفاذ انتقائي تقديري.
إن النمط الذي يربط فنزويلا وأوكرانيا وسوريا ولبنان وإيران يتّسق مع استراتيجية احتواء غير مباشرة، طالما وصفها محللو الواقعية والجيوسياسة بأنها النهج المفضل ضد القوى الندّية وشبه الندّية. فقد جادل "زبيغنيو بريجنسكي" في كتابه "رقعة الشطرنج الكبرى" بأن السيطرة على أوراسيا تعتمد على منع القوى المنافسة من ترسيخ استقلالها في مجالات الطاقة والنقل والأمن، مفضّلًا الضغط على الدول الطرفية بدل المواجهة المباشرة. كما أكد "جون ميرشايمر" مرارًا أن القوى الكبرى تتجنب الحرب المباشرة عندما تكون كلفتها باهظة، فتعمل بدلًا من ذلك على إضعاف الخصوم عبر استهداف الحلفاء وخطوط الإمداد والمرتكزات الإقليمية، وهو نموذج يتجلى في استخدام أوكرانيا كوكيل ضد روسيا.
من جهتهم، يصف محللون حالة فنزويلا بأنها حالة مبكرة من الحرب الهجينة، تهدف لقطع وصول الصين إلى الطاقة وتقليص النفوذ المالي الروسي دون الاشتباك العسكري مع أي منهما، فيما تعمل سوريا ولبنان كمواقع متقدمة ضمن شبكة الردع الإقليمية الإيرانية، ويؤدي تراجع هذه المواقع إلى تقليص العمق الاستراتيجي وعزل طهران تدريجيًا. فإيران تمثل حجر الزاوية في هذا البناء؛ حيث تربط أمن الطاقة الصيني بالاستقرار الجنوبي الروسي وبمقاومة الهيمنة العسكرية "الإسرائيلية". وتدعم السوابق التاريخية هذا النهج، بما في ذلك حملات الحرب الباردة ضد دول العالم الثالث المتحالفة مع الكتلة السوفيتية؛ حيث حلّت الانقلابات والعقوبات وصراعات الوكالة محل الحرب المباشرة بين القوى العظمى. وتعكس هذه الاستراتيجية إدراكًا بأن الحرب ضد الصين أو روسيا تنطوي على مخاطر تصعيد كارثي، بينما يحقق تفكيك شركائهما نتائج مماثلة عبر استنزاف تراكمي لا عبر معركة حاسمة.
وقد ربط الخطاب العلني الصادر عن رئاسة الولايات المتحدة مباشرةً بين الاضطرابات الداخلية في إيران واحتمال تجدد الضربات العسكرية، بما يزيل أي غموض حول استخدام الاحتجاجات كذريعة لاستخدام القوة. فقد أعلن "ترامب" علنًا أثناء الاضطرابات أن "إيران تنظر إلى الحرية، ربما كما لم تفعل من قبل، الولايات المتحدة تقف على أهبة الاستعداد للمساعدة"، وذلك في وقت كان فيه كبار المسؤولين يطلعونَه على خيارات توجيه ضربات لأهداف داخل طهران. ويكتسب التوقيت أهمية؛ فقد بدأت الاحتجاجات بعد انهيار العملة وارتفاع أسعار الغذاء، وهي ظروف طالما ارتبطت بضغط العقوبات، لكن أُعيد تأطيرها فورًا كحالة طوارئ لحقوق الإنسان تستدعي تدخلًا خارجيًا. بالمقابل، ردّ وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بأن واشنطن "تتبع الإجراءات ذاتها عبر تشجيع بعض الأفراد على خلق الفوضى وأعمال الشغب"، رافضًا فرضية الاضطرابات.
في هذا السياق، عقد رئيس الوزراء "الإسرائيلي"، بنيامين نتنياهو، اجتماعًا غير معلن مع "ترامب" خارج القنوات الدبلوماسية الرسمية، والمعروف تاريخيًا أن مثل هذه الاجتماعات تسبق التنسيقَ العملياتي لا الدبلوماسية الاستكشافية. ولاحقًا، وافقت مداولات مجلس الوزراء الأمني "الإسرائيلي" على خطط لعملية عسكرية جديدة تستهدف إيران، يُقال إن اسمها الرمزي "عملية الضربة الحديدية"، في تعبير عن عدم الرضا عن الضربات المحدودة السابقة والقلق من استعادة إيران قدراتها الصاروخية.
إن إطار التبرير يتشابه مع تدخلات سابقة؛ فقد وُصِف برنامج إيران للصواريخ الباليستية بأنه عدواني بطبيعته، رغم عدم وجود أي معاهدة تحظر تطوير الصواريخ، كما يجيز القانون الدولي للدول ذات السيادة السعي لقدرات ردع دفاعية ما لم تُقيَّد صراحةً باتفاق. وإيران ليست طرفًا في أي معاهدة تحظر الصواريخ، بينما تمتلك "إسرائيل" قوات صاروخية متقدمة وترسانة نووية غير معلنة خارج إطار معاهدة عدم الانتشار، وتعمل هذه الازدواجية القانونية كأداة سياسية لا كمبدأ معياري.
فقدرة الردع الإيرانية تشكل العائق المركزي أمام الهيمنة العسكرية الأحادية؛ حيث تعتمد العقيدة الاستراتيجية "الإسرائيلية" على التحكم في التصعيد وكبح الردّ، لكن دقة الصواريخ الإيرانية ودمج الطائرات المسيّرة وقدرات الإطلاق الموزعة تقوّض تلك العقيدة بفرض كلفة مؤكدة. وقد حذّر العقيد المتقاعد في الجيش الأمريكي، دوغلاس ماكغريغور، من أن القواعد الأمريكية المنتشرة في أنحاء الخليج العربي تقع ضمن نطاق الضربات الإيرانية، ما يجعل أي صراع ذا طابع إقليمي غير قابل للاحتواء.
وقد أعلن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علنًا أن العمل الاستباقي ما زال قيد النظر إذا تجاوزت مؤشرات التهديد حدود الإشارات الخطابية، مشددًا على السيادة الوطنية والاستعداد للردع، ومحمّلًا مسؤولية التصعيد للجهات المبادِرة. وتتسق هذه التصريحات مع نظرية الردع الكلاسيكية التي صاغها باحثون، منهم "كينيث والتز"، الذي جادل بأن استقرار الردع يعتمد على قدرة انتقامية مؤكدة لا على الاصطفاف الأيديولوجي.
فالعواقب الاقتصادية لأي صراع ستتجاوز النطاق الإقليمي إلى المستوى العالمي؛ فإغلاق مضيق هرمز أو تعطيله سيؤثر في نحو خُمس شحنات النفط العالمية، ما يولّد صدمات فورية في الأسعار وضغوطًا تضخمية عبر أوروبا وآسيا. وقد حذّر اقتصاديون في معهد "أكسفورد لدراسات الطاقة" مرارًا من أن أي تعطيل، حتى إن كان مؤقتًا، سيتجاوز مستويات الصدمة التي شوهدت خلال صراعات سابقة في الشرق الأوسط.
كما ينطوي التصعيد العسكري على مخاطر تفكك التحالفات؛ إذ تواجه الدول الأوروبية مقاومة سياسية داخلية لصراع طويل الأمد، بينما تعطي الملكيات الخليجية أولوية متزايدة للتنويع الاقتصادي على حساب حرب إقليمية، في حين تمتلك الصين وروسيا نفوذًا دبلوماسيًا وتعرضًا اقتصاديًا يقللان من حوافزهما لدعم التصعيد الغربي. وتُضعف هذه الديناميكيات احتمالات تشكيل ائتلاف موحّد، ما يزيد الأعباء العملياتية على القوات الأمريكية المثقلة أصلًا عبر مسارح متعددة.
إضافةً إلى ذلك، فإن العمق الاستراتيجي الإيراني لا يُستمد فقط من الأصول العسكرية، بل من شبكات إقليمية أيضًا جرى بناؤها على مدى عقود. وتعمل هذه الشبكات كمضاعِفات ردع لا كأدوات توسعية، بما يتيح الرد عبر جبهات متعددة إذا تعرّضت إيران نفسها لهجوم، وتقوّض هذه الحقيقة افتراضات الانخراط المحدود وتُعقّد إدارة التصعيد.
أما المسار نحو المواجهة فيعكس فشل أدوات الإكراه أكثر مما يعكس استفزازًا إيرانيًا؛ فقد أخفقت العقوبات في فرض الاستسلام، وفشلت الاحتجاجات في تفكيك الحكم، ولم يتحقق العزل الدبلوماسي، وعليه يبدو العمل العسكري لا بوصفه الملاذ الأخير، بل الخيار المتبقي ضمن كتيّب أدوات مستنزَف.
من جهته، يقول "تشارلي كيرك" إن أي هجوم على إيران سيشكّل تحولًا حاسمًا من الضغط إلى صراع مفتوح بين فاعلين إقليميين وعالميين كبار، مضيفًا إن التخلي عن ضبط النفس والتناظر القانوني والمسار الدبلوماسي، يشير إلى نظام دولي يرزح تحت الضغط، مدفوعًا لا بتهديد آني بقدر ما هو مدفوع بانخفاض التسامح مع الاستقلال الاستراتيجي خارج نطاق السيطرة الغربية.