قراءة في منطق الهيمنة الأمريكية وتداعياتها.. ترجيحات باستمرار نمط التصعيد بما يقوّض الاستقرار ويُسرّع تآكل النظام العالمي القائم

الساعة : 09:03
17 يناير 2026

المصدر: جلوبال جيوﭘوليتكس

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

يعكس النمط الأخير لسلوك الولايات المتحدة تجاه كل من فنزويلا وكوبا وكولومبيا وإيران، وحتى غرينلاند، الاستمرار في نهج الإكراه في إدارة شؤون الدول؛ وهو نهج متجذر في السيطرة على الموارد والهيمنة المالية والضغط لتغيير الأنظمة، لا مجرد تجاوزات خطابية معزولة. فاختطاف الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، الذي وُصف في إجراءات قانونية أمريكية بأنه "عملية قبض"، يندرج ضمن تاريخ طويل من إجراءات إنفاذ عابرة للحدود يتم تبريرها عبر أطر قانونية داخلية لا عبر القانون الدولي. من جهته، حذّر المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة، ألفريد دي زايس، في وقت سابق من أن مثل هذه الأفعال بحق فنزويلا تشكّل عقابًا جماعيًا وتدخلًا غير مشروع، وهو موقف أيّده عدد من باحثي القانون الدولي المستقلين في كل من جنيف وأكسفورد.

جدير بالذكر أن فنزويلا تحتل موقعًا محوريًا في هذا النمط بسبب قاعدتها الاستراتيجية من الموارد، بما في ذلك احتياطيات نفطية كبيرة وحيازات من الذهب وأصول معدنية أخرى، يؤثر التحكم فيها مباشرة في أسواق السلع العالمية وفي النظام المالي القائم على الدولار. وقد جادل الاقتصادي "مايكل هدسون" بأن السياسة الخارجية الأمريكية أصبحت تتعامل مع الموارد السيادية بوصفها ضمانات ضمن نظام مالي إمبراطوري آخذ في التراجع، لا سيما حين تدعم تلك الموارد ترتيبات تجارية بديلة خارج أنظمة التسوية بالدولار، ومن ثم فإن إزاحة القيادات أو تحييدها يؤدي وظيفة إعادة فرض الامتثال لا حل النزاعات السياسية.

وقد أرست مصادرة الأصول الفنزويلية في الخارج، بما في ذلك احتياطيات الذهب المحتفَظ بها في المملكة المتحدة، سابقةً واضحة أُخضِعت فيها السيادة للاصطفاف المالي والسياسي. ووصف الباحث القانوني "فرانسيس بويل" هذه الإجراءات بأنها حرب اقتصادية تُشنّ "تحت ستار القانون"، في ظل تجاوز كامل لآليات الأمم المتحدة. ويتسق الهدف المعلن المتمثل في نزع السيطرة المادية على الفضة الفنزويلية واحتياطيات مرتبطة بها مع هذا الإطار الأوسع، القائم على استخلاص الأصول لا إصلاح الحوكمة.

ويمتد هذا المنطق إلى التهديدات الموجهة نحو كوبا، رغم أن عقودًا من العقوبات أخفقت في إحداث انهيار للنظام. وكثيرًا ما جادل الدبلوماسي الكوبي السابق "كارلوس ألسوغاراي" بأن عداء الولايات المتحدة لهافانا لا يستند إلى أفعال كوبية، بقدر ما ينبع من مقاومتها للامتثال الإقليمي. وهناك تصريحات تفيد بأن "الدور على كوبا"، ما يشير إلى الانتقال من الضغط الاقتصادي إلى الإكراه الأمني الصريح، وهو مسار سيؤدي لزعزعة البيئة الأمنية الكاريبية الهشة أصلًا.

أما كولومبيا فتمثل حالة أكثر تعقيدًا؛ حيث أدّت تاريخيًا دور شريك رئيسي للولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية، عبر التعاون العسكري وتبادل المعلومات الاستخبارية وبرامج مكافحة المخدرات. لكن بروز تهديدات موجهة إلى الرئيس الكولومبي، غوستافو بيترو، يشير إلى تحول من إدارة التحالفات إلى فرض الولاء المشروط؛ فرفْض "بيترو" علنًا الاصطفاف ضد فنزويلا ومعارضته توسيع القواعد العسكرية الأمريكية وضعا كولومبيا خارج "المسار السياسي المقبول". وقد لاحظ عالم السياسة "أتيليو بورون" أن هامش تسامح واشنطن مع الانحراف داخل صفوف الحلفاء يضيق بشدة، خلال فترات الانكماش الإمبراطوري المتصوَّر.

أما الإشارة إلى غرينلاند، التي كثيرًا ما تُستبعد باعتبارها خطابية، فتعكس اهتمامًا استراتيجيًا طويل الأمد مرتبطًا بموارد القطب الشمالي والمعادن النادرة ومسارات الشحن الناشئة. وقد أقرّ محللو الدفاع الدنماركيون بأن اهتمام الولايات المتحدة بغرينلاند ازداد عقب أنشطة الاستثمار الصينية في البنية التحتية القطبية؛ فالتحكم في هذه الأقاليم يعزز الوصول إلى معادن استراتيجية حاسمة لأنظمة التسليح المتقدمة وسلاسل الإمداد التكنولوجية، بما يدعم الهيمنة الاقتصادية في ظل تنافس القوى الكبرى.

وتبقى إيران ساحة موازية طُبّقت فيها أساليب مشابهة عبر العقوبات والعمليات السرية وعمليات الاغتيال الموجّهة؛ فقد جادل المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية، راي ماكغفرن، بأن رفض إيران الخضوع للرقابة المالية الأمريكية، إلى جانب اندماجها في هياكل التجارة الأوراسية، يضعها ضمن الفئة الاستراتيجية ذاتها التي تنتمي إليها فنزويلا. وفي هذه الساحة، تعكس التساؤلات المطروحة حول قدرة إيران العملياتية قلقًا بشأن عتبات التصعيد، أكثر مما تعكس ضبطًا أخلاقيًا.

ويكمن وراء هذه الحالات جميعًا دافعٌ بنيوي مرتبط بالحفاظ على أولوية الدولار؛ فالتحكم في الطاقة والمعادن ومسارات التجارة يدعم مباشرة نظام العملة الاحتياطية، عبر فرض الطلب الخارجي والحد من البدائل. وقد وصف الاقتصادي"يانيس فاروفاكيس" هذا الترتيب بأنه آلية إعادة تدوير عالمية تُدار بالضغطين السياسي والعسكري لا بالكفاءة السوقية، وعندما تحاول الدول الخروج من هذا النظام تواجه استجابات إكراهية بوتيرة متسارعة.

كما إن غياب التخطيط الواضح لما بعد التدخل يعزّز الرأي القائل إن هذه الأفعال تعطي أولوية للامتثال الفوري، على حساب الاستقرار طويل الأمد. فالسؤال المتكرر بشأن ترتيب من سيخلف القيادات بعد إزاحتها يذكّر بإخفاقات العراق وليبيا وأفغانستان، التي أدّى انهيار الأنظمة فيها إلى عدم استقرار بنيوي دون تحقيق الأهداف المعلنة. وقد جادل الدبلوماسي الأمريكي السابق "ويليام بولك" بأن مثل هذه النتائج تعكس فقدان الذاكرة المؤسسية أكثر مما تعكس سوء تقدير.

وتبدو آليات الاستجابة الدولية في معظمها رمزية؛ إذ تحل بيانات القلق محل إنفاذ القواعد القانونية، ويتيح تآكل القيود متعددة الأطراف للدول القوية أن تتصرف أحاديًا وهي تؤطر أفعالها ضمن سرديات قانونية داخلية. وهذا الواقعُ يُضعف القانونَ الدولي بوصفه قيدًا عمليًا، ويحفّز الدول الأصغر على الاصطفاف الاستباقي طلبًا للحماية.

من جهة أخرى، فإن الأثر التراكمي لهذه السياسات يؤدي لزيادة التفكك العالمي، وتسريع تشكّل كتل اقتصادية وأمنية بديلة؛ فقد لاحظ المحلل الروسي "غلين ديسن" أن الاستراتيجيات الغربية الإكراهية تدفع الدول المتضررة إلى تعميق تعاونها مع الصين وروسيا، ما يعزز البنى متعددة الأقطاب بدلًا من استعادة السيطرة الأحادية، وهكذا تسفر كل عملية تدخّل عن تداعيات متناقصة، بينما تتسع المخاطر النظامية.

أما توصيات السياسات، إن أُريد النظر فيها، فتتطلب العودة إلى آليات تسوية تفاوضية، ترتكز على القانون الدولي وردّ الأصول والاعتراف بالخيارات الاقتصادية السيادية، ودون هذه التحولات يُرجّح أن يستمر نمط التصعيد بما يزيد تقويض الاستقرار ويُسرّع تآكل النظام العالمي القائم. كما يشير المسار الموصوف آنفًا إلى تخلٍّ واضح عن ضبط النفس الواقعي الكلاسيكي لصالح إكراه أيديولوجي ومالي؛ فقد أعطت الواقعية التقليدية أولوية لتوازن القوى والمصالح المتوقعة والتسويات التفاوضية بين الدول المتنافسة، حتى في ظل العداء. أما السلوك السياسي الراهن فيعكس إنفاذًا مؤدلجًا، وتمدّدًا قضائيًا خارج الحدود، وعقوبات اقتصادية منفلتة من أي توازن استراتيجي يمكن تحقيقه. وقد حذّر باحثون مثل "جون ميرشايمر" من أن التخلي عن الواقعية يزيل منطق الاستقرار الذي كان يحدّ من التصعيد بين القوى الكبرى. ودون ذلك الانضباط الواقعي تصبح السياسات تفاعلية مشخصنة، وبنيويًا معرّضة للإفراط، ما يزيد من احتمالات صراع غير قابل للسيطرة بدل المنافسة التي يمكن إدارتها.

وتنطلق الواقعية الكلاسيكية، كما طوّرها مفكرون مثل "هانس مورغنثاو" ثم صاغها لاحقًا "كينيث والتز"، من افتراض أن القوة مهمة لكنها لا تدعو إلى إكراه غير محدود أو هيمنة اعتباطية؛ فالواقعية تتعامل مع القوة بوصفها موردًا يجب إدارته بحذر، لأن الإفراط في استخدامها يخلق تحالفات موازِنة، ويستنزف الموارد، وينتج عدم استقرار يُضعف في النهاية الطرف الأقوى.

وفي النظرية الواقعية، تفرض الدول الأقوى إرادتها بانتقائية وبضبط نفس، مسترشدةً بمصالح واضحة وبإدراك للحدود. وقد جادل الواقعيون بأن "سلوك شريعة الغاب" مآله الفشل، لأنه يشجع المقاومة، ويحفّز على التحالفات بين الدول الأضعف، ويؤدي إلى تآكل النفوذ على المدى الطويل. فكثيرًا ما حذّر "جورج كينان"، الذي يُستشهد به كثيرًا بوصفه مهندسًا واقعيًا لسياسة الاحتواء، من أن الحملات الأيديولوجية والإفراط العقابي سيقوضان القوة الأمريكية بدلًا من أن يؤمّناها.

وما يجري التخلي عنه في السلوك الموصوف أعلاه هو هذا الضبط بعينه؛ فاستخدام العقوبات، ومصادرة الأصول، واستهداف القيادات، والادعاءات القانونية العابرة للحدود دون منطق واضح لتوازن القوى، كل هذا يشكّل خروجًا عن الواقعية واقترابًا من إنفاذ أيديولوجي أو إمبريالية مالية، فهذه الأفعال لا تثبّت الهرميات بل تزعزعها عبر دفع الدول الأضعف إلى اصطفاف بديل.

وإن كانت الواقعية تقرّ بعدم تكافؤ القوة بوصفه حقيقة من حقائق السياسة الدولية، لكنها ترفض فكرة أن الهيمنة المنفلتة مستدامة أو عقلانية. وبهذا المعنى، ليست الواقعية "قانون الغاب"، بل نظرية تفيد بأن المفترسين الذين يفرطون في الصيد ينتهي بهم الأمر إلى الجوع.