عام حاسم في سوريا الجديدة.. براغماتية "الشرع" بين ضغط الأطراف الخارجية وخطر القوى الداخلية

الساعة : 12:36
20 يناير 2026

المصدر: المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI)

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

بعد صعوده إلى السلطة إثر سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، أمضى الرئيس السوري الحالي، أحمد الشرع، العام الماضي ساعيًا إلى ترسيخ سيطرته على سوريا ما بعد "البعث"، وإعادة إطلاق حضور البلاد على الساحة الدولية. وعلى الأرجح، سيكون عام 2026 عام الحسم؛ فمصير سوريا ومصير قائدها الجديد يدوران حول سؤالٍ واحد: هل سيتمكن "الشرع" من الحفاظ على وحدة البلاد، رغم التأثيرات الدولية التي تهزّها من الخارج والقوى الطاردة المركزية التي تمزقها من الداخل؟

إعادة تموضع سوريا والعامل الأمريكي:

إن أكبر إنجاز حققه "الشرع" خلال عام تثبيت أركان النظام الجديد كان بلا شك تحويل سوريا إلى حليفٍ كامل الأهلية للولايات المتحدة، وقد تجلى ذلك في لقاءاته مع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ودخول دمشق في التحالف المناهض لتنظيم "الدولة الإسلامية". وقد اقترن الاعتراف الأمريكي برفع العقوبات، وإعادة تأهيلٍ نهائية للجهادي السابق "الجولاني".

رغم ذلك، تلوح علامة استفهام كبرى فوق المستقبل القريب والبعيد: فهل ستتمكن الحكومة السورية من إدماج قوات سوريا الديمقراطية "قسد" ذات القيادة الكردية ضمن المسار السياسي الجديد، وهي التي كانت حتى الآن، بدعمٍ أمريكي، رأس الحربة في القتال ضد "الدولة الإسلامية"؟ ففي العاشر من مارس/ آذار الماضي، توصلت دمشق لاتفاقٍ مع "قسد" بهذا الشأن، لكن تنفيذه ما زال بعيد المنال. وإذا ساءت الأمور، فقد تجد إدارة "ترامب" نفسها في عام 2026 مضطرةً إلى الاختيار بين حليفين؛ الفصيل الكردي السوري القديم أو الحليف العربي السوري الجديد. ثم إن مصير "قسد" مرتبطٌ حتمًا بمصير فاعلٍ محوري آخر في المسرح السوري، هو تركيا، الداعم الرئيسي للشرع، والتي تنظر إلى الميليشيات الكردية كمنظماتٍ "إرهابية".

الفاعلون الخارجيون: الخليج وروسيا والبراغماتية الاستراتيجية:

بالانتقال إلى الفاعلين الخارجيين، يُتوقع أن تعزز سوريا علاقاتها مع دول الخليج، التي يُعدّ رأس مالها بالغ الأهمية لإعادة الإعمار بعد الحرب، وهي كلفة قدّرها البنك الدولي بأكثر من 200 مليار دولار. وفي عام 2025، قام الشرع أيضًا بزيارةٍ مفاجئة إلى روسيا، التقى خلالها نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، الحليف الأول السابق لنظام "الأسد"، حيث اختارت دمشق مسارًا براغماتيًا، مدركةً تمامًا أن عقودًا من التحالف الاستراتيجي بين البلدين لا يمكن محوها بين عشيةٍ وضحاها وقد ضمنت اتفاقاتٍ في مجالي الطاقة والبنية التحتية. بالمقابل، حافظت روسيا، وإن بصيغةٍ مخفّضة، على وجودها على الساحل السوري. وقد يكون هدف الشرع في عام 2026 هو انتزاع الجائزة الأثمن من "بوتين"؛ تسليم "الأسد"، الذي لجأ إلى موسكو تحديدًا بعد انهيار النظام.

الشقوق الداخلية والبُعد "الإسرائيلي":

أما على الصعيد الداخلي، فتتجلّى ضغوط أخرى، وإن كانت لا تخلو من ارتباطاتٍ خارجية، على امتداد الصدوع التي تُكوّن الفسيفساء الإثنية - الدينية في سوريا. فمن جهة، تعرّض العلويون، لأعمال "عنفٍ طائفي" نفذتها قوات موالية للحكومة. ومن جهة أخرى، يواجه الدروز انقسامًا في قيادتهم بين من يؤيد الاندماج الكامل في النظام السوري الجديد ومن يدفع نحو قدرٍ أكبر من الحكم الذاتي، إن لم يكن الاستقلال الصريح.

وفي هذا الإطار، تلعب العلاقة المتوترة بين إدارة الشرع و"إسرائيل" دورًا حاسمًا؛ فتل أبيب لا تثق في جيرانها الجدد، وتواصل قصف سوريا بانتظام، بما في ذلك العاصمة دمشق (كما حدث في يوليو/ تموز الماضي) إلى جانب تنفيذ توغلاتٍ برية، مستخدمةً حماية الدروز ذريعةً لذلك. ورغم أن إدارة "ترامب" تضغط من أجل توصل الأطراف إلى اتفاقٍ أمني، غير أن تعثر المفاوضات واضح للعيان. ومن المنظور الأمريكي، قد يشكل استئنافها خلال عام 2026 أكبر تحدٍّ لإعادة تشكيل مستقبل الشرق الأوسط.

"القلقٌ الثوري" وصلابة النظام:

سيتوقف مستقبل حكومة الشرع، بل ومستقبل البلاد كلها، على قدرته على الاستجابة لهذه التحديات كافة؛ لكن تعقيد المشهدين السياسي والجيوسياسي لا ينبغي، كما يشير المحلل السوري حسن حسن، أن يقود إلى التقليل من صلابة المسار السوري الجديد. فمن خلال طرح مفهوم "القلق الثوري"، يسلّط الباحث الضوء على نقطةٍ كثيرًا ما تغيب عن التحليلات الغربية؛ فالطبقة الحاكمة السورية الجديدة هي، أو ترى نفسها على الأقل، وريثة الثورة التي انطلقت عام 2011.

ولهذا الأمر نتيجتان؛ فمن جهة، حين تواجه القيادة تحدياتٍ داخلية وخارجية، تسعى القاعدة الشعبية التي آمنت بالثورة إلى حمايتها بكل السبل الممكنة، معتبرةً أن أي شكلٍ من أشكال المعارضة "خيانة" وبالتالي تعمل على قمعه، سواءً كان علويًا أو درزيًا أو كرديًا. ومن جهة أخرى، تُقابَل الحكومة الحالية، مهما بلغت نزعتها المركزية وسلطويتها، بالتسامح أو بالدعم الصريح استنادًا إلى عنصرين؛ المقارنة بالماضي القاتم، والأمل بمستقبلٍ أفضل يتجسّد في المرحلة الانتقالية الخمسية التي يقودها "الشرع". وقد شكّلت الانتخابات التي جرت في أكتوبر/ تشرين الأول، رغم تنظيمها بصورة غير مباشرة وبنتائج "مُدارة"، حالة اختبارٍ أولى. وفي عام 2026، سيتضح إذا كان بمقدور السلطة التشريعية أن تؤدي دورًا فعّالًا في موازنة السلطة الرئاسية، بما يفتح الطريق أمام نظامٍ سياسي أكثر شمولًا.

التعلّم من إخفاق الآخرين:

أخيرًا، هناك عامل آخر سيكون حاسمًا في رسم مسار البلاد وهو قدرتها على التعلم من أخطاء الآخرين، وهذا أمرٌ يحرص "الشرع" ودائرته على التأكيد عليه. ومن هنا، فلا مجال لـ"تقنين الطائفية" التي كانت مصدرًا لكثيرٍ من الأزمات في لبنان والعراق، ولا مجال لتفتيت البلاد إقليميًا، بما يهدد بتكلّسها لسنواتٍ طويلة كما في ليبيا، ولا مجال لمحاولة "تصدير الثورة" على غرار ما فعلته إيران بعد عام 1979، وما يستتبع ذلك من عزلةٍ دولية. ولا مجال كذلك لفرضٍ قسري لرؤيةٍ أصولية للإسلام السني، كإلزام النساء بالحجاب أو حظر ممارسة أتباع الديانات الأخرى لشعائرهم، كما فعلت حركة طالبان في أفغانستان.

ويمكن القول إن المسار الأخير هو المتبع حتى إن كان على حساب استعداء "القواعد الجهادية" الميدانية، السوريين منهم والأجانب على حد سواء، الذين لا يستسيغون براغماتية الشرع، والذين قد يشكلون تهديدًا لقبضته على السلطة.