قرار إيراني بتطوير رؤوس نووية مدمجة كأداة ردع "حقيقي" ضد"إسرائيل"

الساعة : 12:52
21 يناير 2026

المصدر: المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI)

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

تسعى إيران، بعد السابع من أكتوبر، إلى استعادة الردع مع عودة الملف النووي والعسكري إلى صدارة الجدل الإقليمي؛ وحتى اندلاع "حرب الأيام الـ12"، كان المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، يحول دائمًا دون اتخاذ القرار النهائي بالانتقال إلى تخصيب اليورانيوم بنسبة 90%، والبدء في تطوير رؤوس نووية مصغّرة يمكن إيصالها بوسائط الإطلاق.

كما أنه ورغم الضغوط الآتية من أطراف عدة داخل النظام، وعلى رأسها الحرس الثوري؛ فقد نفت كل المصادر التي تم استشارتها على مرّ السنوات صدور أي قرار بهذا الشأن. ومن الواضح أنه لو كان "خامنئي" قد عزم على إنتاج قنابل ذرية حين بدأ "نتنياهو" عام 1992، وهو آنذاك مجرد عضو في الكنيست، اتهام إيران بالسعي إلى ذلك الهدف، لكانت القنبلة الإيرانية موجودة منذ سنوات عديدة بالفعل.

إلى أين وصل البرنامج النووي الإيراني؟

مع تخصيب اليورانيوم بنسبة 60%، يصبح من الممكن بالفعل تصنيع قنابل ذرية، لكنها ليس نماذج مدمجة بما يكفي لحملها على أكبر الصواريخ الإيرانية، مثل صاروخ "خرمشهر"، الذي يصل مداه إلى 2000كلم وتبلغ حمولته قرابة طنين. ولإنتاج قنابل ذرية مدمجة فلا بد من يورانيوم عالي التخصيب، والانتقال من نسبة 60% إلى 90% لا يستغرق سوى بضعة أسابيع، بشرط توافر عدد كافٍ من أجهزة الطرد المركزي المتطورة العاملة، مثل طرازي "IR-4" و"IR-6" الإيرانيين.

وبالتالي، لو أرادت إيران تصنيع قنبلة ذرية، لكان الخيار الأكثر منطقية هو الإقدام على ذلك فور تراكم كمية معتبرة من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%. لكن ذلك لم يحدث حتى الآن، بحسب أحدث عمليات التفتيش التي أجرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ويبدو أن "خامنئي" كان يعتزم استخدام خروقٍ لإطار عدم الانتشار لإرغام الأمريكيين على إعادة العمل باتفاق عام 2015 "خطة العمل الشاملة المشتركة" أو باتفاقٍ مشابه.

هل مثلت المواجهة مع "إسرائيل" نقطة تحوّل؟

لقد غيّرت حرب الأيام الـ12 كل المعطيات؛ فالأمر لا يتعلق بنزعةٍ انتقامية لدى النخبة السياسية الإيرانية، بقدر ما يرتبط بانهيار مفاجئ للأوهام الإيرانية بشأن فعالية منظومتها الدفاعية، فالمكوّن الوحيد من الجهاز العسكري الإيراني الذي أثبت فاعليته كان ترسانة الصواريخ متوسطة المدى. كما أثار انهيار النظام السوري، إضافةً إلى إضعاف "حزب الله"، شكوكًا حول أداة الردع الرئيسية الأخرى المتاحة لإيران، أي مخزونات الصواريخ والقذائف قصيرة المدى المتمركزة في لبنان.

بالمقابل، فقد مكّنت ترسانة الصواريخ الإيرانية متوسطة وبعيدة المدى طهران من فرض وقف إطلاق النار في يونيو/ حزيران، مستفيدة من أن "إسرائيل" كانت تستنزف مخزونها من صواريخ الاعتراض بوتيرة أسرع مما كانت إيران تستنزف صواريخها الباليستية. ومع ذلك، نجحت "إسرائيل" في تدمير جزءٍ كبير من الصواريخ الإيرانية ومنصات إطلاقها، ما يشير إلى أنه في حال تدخلٍ أمريكي أكثر حسمًا، فإن ترسانة الصواريخ الإيرانية لن تصمد أكثر من بضعة أسابيع، رغم محاولات تعويض الخسائر.

وخلاصة الأمر أن أداة الردع الوحيدة الحقيقية القادرة على إنقاذ النظام الإيراني، في حال اندلاع صراع مع "إسرائيل" وحلفائها الأمريكيين، دون الاستسلام المهين لواشنطن ستكون السلاح النووي. وبعد سنواتٍ من النفي المتكرر لاتخاذ قرار بتطوير أسلحة نووية، تفيد مصادر في طهران بأن "خامنئي" اتخذ في أكتوبر/ تشرين الأول قرارًا بمنح الضوء الأخضر لتطوير رؤوس نووية مدمجة للصواريخ الباليستية. في الوقت نفسه، لم يكن "خامنئي" قد أجاز بعد رفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى ما يتجاوز 60%، رغم تداول شائعات عن برنامج تخصيبٍ بالغ السرية يجري في أحد المواقع الخفية التي لم تكشفها إيران قط للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

في هذا الإطار، يصعب عدم التسليم بفرضية أن الصواريخ الباليستية المزوّدة برؤوس نووية ستمثل رادعًا فعالًا لإيران، لكن الواقع يشير إلى أنه، رغم أن الوصول لنسبة تخصيب 90% قد لا يستغرق سوى بضعة أسابيع في حال توافر عدد كافٍ من أجهزة الطرد المركزي، فإن تطوير رؤوس نووية مدمجة يظل تحديًا أكثر تعقيدًا. وأشهر حالات الانتشار النووي هي باكستان، التي أجرت خمس تجارب نووية في يومٍ واحد عام 1998، ثم بعد يومين تجربة أخرى لرأسٍ نووي مدمج، وقد تمكنت بذلك من تطوير رؤوس مدمجة دون إجراء تجارب "حارة" وسيطة، مستندةً إلى 24 تجربة "باردة" نُفذت منذ عام 1983. ومن وجهة نظر إيران، فإن هذا الخيار سيحدّ من نافذة الهشاشة، غير أن باكستان احتاجت مع ذلك إلى 15 عامًا للوصول إلى تصميمٍ قابل للتطبيق. فضلًا عن ذلك، تتطلب التجارب الباردة مواد انشطارية مخصبة بنسبة 90%، وهو ما تفتقر إليه إيران حتى الآن.

بناءً على ذلك، يبدو أن قرار المرشد يعطي أولوية لتطوير الرؤوس النووية على حساب رفع نسبة التخصيب؛ فالشروع في تخصيب المواد الانشطارية الآن لن يؤدي إلا إلى وضع إيران في موقع شديد الانكشاف. ومع ذلك، لا بد في نهاية المطاف من أن يلتقي مسارا التخصيب وتطوير الرؤوس النووية مجددًا؛ إذ إن المواد الانشطارية مطلوبة أيضًا لإجراء التجارب الباردة.

هل تدعم المساعدات الخارجية المسار النووي؟

حتى إن بدا أن "خامنئي" يسعى للمضي قدمًا بأقصى قدر من التكتم، فإن نافذة من الهشاشة ستظل قائمة، وربما تمتد لسنوات. ويظل هذا الخيار ذا خطورة عالية بالنسبة لـ"خامنئي" ولسائر الداعمين للمسار النووي في قمة هرم الدولة الإيرانية. وقد يكون أحد التفسيرات الممكنة لذلك هو ثقتهم في الحصول على مساعدة خارجية في تصميم رأسٍ نووي مدمج. فبالنسبة لإيران، فإن مجرد الوصول لمخططات لرؤوس نووية سبق اختبارها سيمثل اختصارًا هائلًا للطريق، وقد يقلص فترة الهشاشة من سنوات إلى أشهر.

لكن لا مصلحة لكل من الصين أو روسيا في امتلاك إيران لسلاحٍ نووي؛ لأن هذا سيجعلها أكثر استقلالًا جيوسياسيًا ويزيد من مخاطر الانتشار النووي، كما إن باكستان، التي أصبحت اليوم على تقاربٍ وثيق مع الولايات المتحدة والسعودية، ليس لديها حافز لمساعدة طهران. ويبقى الخيار الأخير هو كوريا الشمالية؛ حيث تتردد شائعات مستمرة داخل أوساط الحرس الثوري عن تعاونٍ مع "بيونغ يانغ" في تصميم الرؤوس النووية. وما هو مؤكد أن كوريا الشمالية كثّفت تعاونها مع إيران في مجال الصواريخ الباليستية والتصميمات المتقدمة. أما إن كان هذا التعاون يمتد لرؤوس نووية مدمجة، فما زال أمرًا يستحيل التحقق منه، لكنه يبدو عمليًا الخيار الوحيد الممكن أمام إيران في الوقت الراهن.