الاتفاق الأخير بين حكومة دمشق و"قسد" سيظل عرضة للانهيار ما لم يعمل الطرفان على تجاوز التحديات

الساعة : 15:02
3 فبراير 2026

المصدر: كرايسِز جروب

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

قد يشكّل الاتفاق الذي أُعلن في الـ30 من كانون الثاني/ يناير الماضي بين دمشق و"قسد" اختراقًا تاريخيًا، لتجنّب الصراع وتحديد ترتيبات الحوكمة شمال شرقي سوريا؛ حيث يرسي وقفًا شاملًا لإطلاق النار، ويجنب المنطقة مواجهة شديدة مكلفة للطرفين ومدمّرة للمدنيين. كما يؤسس الاتفاق نهجًا متوازنًا وعمليًا لدمج القوات المسلحة المتبقية والمناطق الخاضعة لسيطرة "قسد" ضمن مؤسسات الدولة السورية.

لقد كان الطريق إلى هذا الاتفاق شاقًا، وللتوصل إليه أظهرت قيادات كل من الحكومة و"قسد" قدرًا من المسؤولية، بالتراجع عن المواجهة العسكرية والاستعداد للتسوية رغم تصاعد التوترات ميدانيًا. ويوفّر الاتفاق أسبابًا واقعية للتفاؤل في سوريا وخارجها؛ إذ لا يقدّم إطارًا قادرًا على استقرار المناطق التي كانت تحت سيطرة "قسد" فحسب، بل يخلق نموذجًا وأدوات يمكن استخدامها لتعزيز الثقة والحوكمة الشاملة في مناطق أخرى تضم أقليات كبيرة.

رغم ذلك، ما زال هناك غموض وتحديات كبيرة، وبالتالي سيكون الحوار المستدام ضروريًا حين يبدأ الطرفان تنفيذ تعهداتهما. فحتى في ظل الترحيب الشعبي، سيظل الحذر سائدًا بسبب انهيار تفاهمات سابقة بين الجانبين. ولتحسين فرص النجاح هذه المرة، ينبغي على دمشق و"قسد" والوسطاء بقيادة المبعوث الأمريكي الخاص "توم باراك" التركيز على التحديات التالية:

أولاً: تثبيت وقف إطلاق النار

لتجنب الانزلاق للعنف مجددًا، على الجانبين اتخاذ خطوات ملموسة لضمان صمود وقف القتال هذه المرة، وينبغي على الوسطاء (خصوصًا الأمريكيين) تحذير الطرفين من المبالغة في تقدير أوراقهما. إذ ينبغي على "قسد" إلا تبالغ بتقدير نفوذها السياسي والعسكري، وكذلك تجنّب الرهان على سيناريوهات غير واقعية، مثل التدخل "الإسرائيلي"، وهو ما ناشدت به قيادتها علنًا خلال جولة القتال الأخيرة.

بالمقابل، يجب على الفريق الأمريكي أن يوضح لدمشق أنها أيضًا ستواجه مخاطر إن تراجعت؛ فلا ينبغي للحكومة أن تعوّل أكثر من اللازم على دعم غير مشروط من البيت الأبيض. فرغم متانة الدعم حتى الآن إلا أنه ليس محصّنًا، خصوصًا إذا امتدت المعارك إلى مناطق سكانية كردية وتسببت في انتهاكات وخسائر مدنية كبيرة، وهو ما قد يدفع أصواتًا مؤثرة في الإعلام والكونغرس والمؤسسة العسكرية الأمريكية للضغط لتغيير النهج.

ثانيًا: تضييق فجوة المركزية

رغم وجود الكثير من نقاط الخلاف بين الطرفين، لكن الخلاف الأكثر حساسية يتمثّل في مدى مركزية الدولة السورية وحجم الاستقلالية التي ينبغي أن تحتفظ بها "قسد"، وهو ما يبرز بوضوح في القطاعين العسكري والأمني، الأداتين الأهم لسلطة الدولة. فقد قاومت "قسد" المركزية مفضّلةً اندماجًا رمزيًا يسمح لها بالحفاظ على اليد العليا ميدانيًا. بالمقابل، أبدت دمشق استعدادًا لأشكال أخف من اللامركزية الإدارية، لكنها ترفض منح "قسد" مستوى الاستقلال الذي تطالب به، وتصر على إنهاء احتكارها العسكري وضمان قيادة وسيطرة فعلية للدولة.

وقد أدى فشل الطرفين في تضييق فجوة الخلاف إلى المواجهة الأخيرة التي مكّنت دمشق من استعادة مساحات واسعة، ومن ثم ركّز الاتفاق الأخير على المناطق التي بقيت تحت سيطرة "قسد"، ومنها "كوباني" ومدن ذات أغلبية كردية قرب الحدود، إضافةً إلى مدينتي الحسكة والقامشلي المتنوعتين سكانيًا.

وقد ساعد الاتفاق في معالجة مسألة المركزية جزئيًا عبر:

·      إنشاء فرقة للجيش السوري في محافظة الحسكة تتكوّن في معظمها من قوات "قسد" ولواء مماثل في كوباني.

·      انسحاب وحدات "قسد" من الحسكة والقامشلي دون دخول الجيش مع نشر محدود لقوات أمن مركزية.

·      تسوية بشأن التعيينات الإدارية والأمنية واستمرار الموظفين العاملين سابقًا.

·      الالتزام بعدم نشر قوات عسكرية داخل المدن دون صيغة واضحة لدمج قوات الأمن المحلية.

·      تولّي الحكومة المركزية إدارة المعابر الحدودية مع العراق وتركيا.

رغم ذلك تبقى الحاجة قائمة لمزيد من التسويات خصوصًا في إدارة الأمن بالمناطق الكردية والحدود.

ثالثًا: بناء الثقة

ينبغي على الطرفين التفكير في وسائل مبتكرة لتعزيز الاندماج وبناء الثقة؛ فيمكن للحكومة مثلًا توسيع تجنيد أبناء المناطق الكردية والأقليات في القوات العسكرية والأمنية، وتعديل المناهج التدريبية لتكريس التنوع الثقافي والديني. كما يستطيع الرئيس "الشرع" إدراج مرسوم حقوق الأكراد في الدستور القادم، وضمان تمثيل كردي وفعّال في لجنة صياغته. إضافةً لذلك، يمكن لدمشق الإسراع في تنفيذ بنود الاتفاق الأخرى، كتعيين مرشحي "قسد" في مناصب عليا ذات صلاحيات حقيقية وتسهيل عودة المدنيين المهجّرين.