التقارب التركي–المصري يعيد تشكيل جيوسياسة الشرق الأوسط

الساعة : 10:24
11 فبراير 2026

المصدر: سينتر فور ميدل إيسترن ستاديز (ORSAM)

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

يبدو أن مسار التطبيع الدبلوماسي بين تركيا ومصر الذي استعاد زخمه خلال العامين الماضيين، قد اكتسب إطارًا مؤسسيًا واستراتيجيًا بانعقاد الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى التركي–المصري في القاهرة في الرابع من فبراير/ شباط الجاري. فالتصريحات التي أدلى بها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ونظيره المصري، عبد الفتاح السيسي، خلال المؤتمر الصحفي المشترك تشير إلى أن العلاقات دخلت مرحلة جديدة، ليس على الصعيد الثنائي فحسب بل أيضًا ضمن السياق الجيوسياسي الإقليمي الأوسع.

ولعل أبرز ما ميّز هذا الاجتماع هو النية الواضحة لتجاوز مرحلة "التطبيع" وإعادة صياغة العلاقات في إطار "شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد"؛ فإلى جانب التأكيد على تعميق التعاون في مجالات الاقتصاد والطاقة والنقل والثقافة، وتنامي التنسيق الدبلوماسي بشأن أزمات مثل غزة وليبيا والسودان والصومال، يوحي هذا التحوّل بأن محور أنقرة–القاهرة يُعاد بناؤه عبر فضاء جيوسياسي واسع يمتد من شرق البحر المتوسط إلى البحر الأحمر.

الأساس الاقتصادي.. عمود السياسة:

يعكس إعلان قيادتي البلدين عزمهما رفع حجم التبادل التجاري الثنائي، من تسعة مليارات دولار إلى 15 مليار دولار، نيتهما ترسيخ العمق الاستراتيجي للعلاقات على قاعدة التعاون الاقتصادي؛ فمن منظور تركيا تعتبر مصر بالفعل من بين أكبر شركائها التجاريين في أفريقيا. كما إن الاستثمارات التركية التي تقترب من أربعة مليارات دولار وتوفر نحو 100 ألف فرصة عمل، تشير إلى أن الروابط الاقتصادية تؤدي دور "تأمين توازني" في مواجهة التقلبات السياسية.

وتوحي هذه الصورة بأن البلدين يعملان على ترسيخ علاقاتهما عبر مأسسة المصالح المشتركة؛ إذ تحمل رغبتهما في تنفيذ مشروعات مشتركة في مجالي الطاقة والنقل دلالات أوسع، لا سيما في السياق الجيوسياسي لشرق المتوسط والبحر الأحمر. فمن خلال النقل البحري وربط الموانئ ومسارات عبور الطاقة يستطيع البلدان أن يصبحا، ليس فقط شريكين اقتصاديين، بل "شريكين متقاسمين للمصلحة" في المجالات اللوجستية والطاقة الإقليمية.

ومن التطورات اللافتة كذلك، إعادة تفعيل أدوات الدبلوماسية الثقافية والمؤسسية؛ فالإشارة إلى عودة نشاط مؤسسات، مثل "معهد يونس إمره" و"وكالة التعاون والتنسيق التركية" (تيكا) و"وكالة الأناضول" و"هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية (TRT)" في مصر، تدل على التعامل مع القوة الناعمة بوصفها أداة مكملة تدعم الروابط الاقتصادية والسياسية. ويعكس هذا التوجه رغبة في تعميق العلاقات، ليس فقط على مستوى الدول بل أيضًا على أساس مجتمعي تشكّل عبر ما يقرب من ألف عام من التاريخ المشترك.

إدارة الأزمات الإقليمية عبر التنسيق التركي–المصري:

يعتبر ملف غزة والقضية الفلسطينية من أوضح مجالات التقارب بين أنقرة والقاهرة؛ فقد شدد الزعيمان على أنه رغم التوصل لوقف لإطلاق النار ما زالت المأساة الإنسانية في غزة مستمرة، ووجّها انتقادات صريحة لهجمات "إسرائيل" وللإجراءات التي تقوّض الهدنة. ويضع دور مصر عبر المعابر الحدودية والممرات الإنسانية، إلى جانب استعداد تركيا لتقديم المساعدات الإنسانية ودعم جهود إعادة الإعمار، البلدين في موقع فاعلين متكاملين. وبالنظر إلى هذه الأمور مجتمعة، لا تبدو القضية الفلسطينية سردية دبلوماسية مشتركة فحسب، بل أساسًا معياريًا يضفي شرعية على التعاون ويعكس بروز لغة إنسانية مشتركة في سياساتهما الإقليمية.

رغم كل ما سبق، فإن الاعتماد الاستراتيجي لمصر على الغاز "الإسرائيلي"، ضمن إطار إنتاج وتصدير الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، يظل عاملًا بنيويًا يحدد هامش المناورة الدبلوماسية للقاهرة في الملف الفلسطيني، ما قد يفرض على مصر في بعض الأحيان اتباع مقاربة أكثر حذرًا وتوازنًا في الشؤون الإقليمية. وإن كان تنامي التنسيق السياسي بين تركيا ومصر يحمل بالمقابل إمكانية توفير منصة تُدار عبرها الحساسيات الناشئة عن انعكاسات ملف الطاقة على النفوذ الجيوسياسي، من خلال حوار دبلوماسي مستدام.

وفي ليبيا، التي كانت ذات يوم من أكثر ساحات الخلاف حدّة بين أنقرة والقاهرة، يبرز اليوم خطاب أكثر تقاربًا؛ فالتأكيد المشترك من قبل "أردوغان" و"السيسي" على ضرورة الحفاظ على "وحدة ليبيا وسلامتها واستقرارها" لا يعني تخلي الطرفين عن علاقاتهما مع أطراف ليبية مختلفة، لكنه يبرز أولوية مشتركة تتمثل في دعم مسار سياسي يصون سلامة المؤسسات الليبية. ويشير هذا التحول إلى إعادة صياغة الملف الليبي الذي كان ساحة تنافس ضمن إطار من التنسيق الدبلوماسي المنضبط، بما يعكس تفضيلًا للتقارب حول القواسم الدنيا المشتركة في إدارة الأزمات بدلًا من المواجهة المباشرة.

أما في السودان، فتبرز أولوية وقف إطلاق النار وتحقيق سلام مستدام في تصريحات الزعيمين؛ وبالنظر إلى الروابط التاريخية والجغرافية لمصر مع السودان، إضافةً إلى تصاعد الانخراط الدبلوماسي والإنساني التركي في السنوات الأخيرة، يبدو أن هناك مقاربة متداخلة تهدف لمنع تعميق الأزمة بدلًا من التنافس على النفوذ في هذا الملف. ويُظهر هذا التقارب أن البلدين ينظران إلى السودان ليس كساحة صراع نفوذ، بل كـ"منطقة هشة يجب منع عدم الاستقرار فيها من التمدد إقليميًا". وبالنظر إلى الارتباط المباشر بين الملف الليبي والتطورات في السودان، يمكن القول إن التنسيق الإقليمي التركي–المصري قد ترسخ ليس فقط ثنائيًا، بل عبر فضاء استراتيجي أوسع يمتد إلى جغرافيات أزمات مترابطة.

على الصعيد الإقليمي أيضًا وفي ملف الصومال، فإن رفض الرئيس التركي اعتراف "إسرائيل" بأرض الصومال يؤكد التزام أنقرة بوحدة الأراضي الصومالية، فيما يبرز تأكيد "السيسي" على معارضة مصر لتفتيت الصومال تقارب البلدين في القرن الأفريقي حول مبدأ "سيادة الدولة ووحدة أراضيها". ويشير هذا الملف إلى أن تركيا ومصر تطوران منظورًا أمنيًا متقاربًا في المنطقة، ينظر إلى تعزيز الفاعلين من غير الدول ومخاطر التفكك بوصفهما سيناريوهين غير مرغوبين.

وفي الملف السوري، فإن تشديد "أردوغان" على أن "سوريا المستقرة والموحدة سياسيًا ستعود بالنفع على المنطقة بأسرها"، إلى جانب تصريحات "السيسي" الداعمة لوحدة سوريا، يدلان على مقاربة متشابهة لدى الطرفين. لكن اللغة المستخدمة هنا أكثر حذرًا مقارنة بملفي ليبيا وغزة، وهو ما يعكس اختلاف الأولويات والحساسيات حيال الأزمة السورية. ومع ذلك، فإن التقارب الخطابي حول القاسم المشترك المتمثل في "الحفاظ على سيادة سوريا ووحدة أراضيها" يوفّر أساسًا دبلوماسيًا يمنع تحوّل التباينات إلى مواجهات. ويتسق هذا القاسم المشترك مع القرارات المبدئية للمنظمات الإقليمية، مثل جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي التي ينتمي إليها البلدان، بشأن الحفاظ على سيادة سوريا ووحدة أراضيها ووحدتها السياسية. وهكذا يوفّر الإطار المؤسسي مرجعًا مكملًا يسمح بإدارة الاختلافات الدبلوماسية بدلًا من التنافس.

ورغم أن المؤتمرات الصحفية المشتركة عكست صورة قوية من الانسجام، فمن الطبيعي وجود فروق دقيقة في النبرة والأولويات بين البلدين في مقارباتهما للأزمات الإقليمية، لكن اللافت هو معالجة هذه الفروق عبر آليات تشاور مؤسسية. وفي هذا السياق، تعكس الاجتماعات الدورية لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى والقرار بعقد القمة الثالثة في أنقرة، نية الطرفين التعامل مع التباينات لا بوصفها أزمات بل "ملفات دبلوماسية قابلة للإدارة". ويشير ذلك إلى أن العلاقات لا تتسم بالهشاشة بل تستقر ضمن إطار مؤسسي أكثر قابلية للتنبؤ.

وخلاصة القول، إن الصورة الناشئة توحي بأن المرحلة الجديدة في العلاقات التركية-المصرية لا تمثل مجرد تطبيع للعلاقات الثنائية، بل تشكّل محور توازن إقليمي؛ فعبر جغرافيا أزمات واسعة، من شرق المتوسط إلى غزة وليبيا والسودان وسوريا، يشير تنامي اصطفاف أنقرة والقاهرة حول مبادئ مشتركة إلى بروز خط جديد للاستقرار في جيوسياسة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وهذا الخط لا يقوم على إجماع مطلق بل على "نضج استراتيجي تُدار فيه الخلافات دون أن تتحول إلى مواجهة". ومن شأن تعاظم الترابط الاقتصادي ومأسسة الحوار الدبلوماسي وتوسيع القواسم الدنيا المشتركة في الأزمات الإقليمية، أن يحوّل العلاقات التركية-المصرية إلى إطار يعزز الاستقرار، ليس للبلدين فحسب بل للمنطقة الأوسع. وعليه، فإن الرسائل الصادرة من القاهرة تشير بقوة إلى أن تركيا ومصر باتتا تسترشدان بـ"منطق جيوسياسي يقدّم التنسيق على التنافس".