حرب إيران تؤدي لتراجع الدور الجيوسياسي لعُمان لكنها تعزز أهميتها الاقتصادية

الساعة : 14:44
2 يوليو 2026

أدت حرب إيران إلى تراجع الدور الذي تضطلع به سلطنة عُمان في الدبلوماسية الإقليمية، لكن موقعها الجغرافي خارج الخليج العربي أسهم في تعزيز أهميتها الاقتصادية؛ فوفقًا لأحدث اتفاق بين إيران والولايات المتحدة ستؤدي عُمان دورًا مهمًا في تطوير نموذج جديد لإدارة مضيق هرمز. ومن ثم، فإن من مصلحة أوروبا تقتضي تعزيز علاقاتها التجارية مع السلطنة بالتوازي مع العمل على ضمان حرية الملاحة بين الخليج العربي وخليج عُمان.

سياق الحياد العُماني

لقد أتاح تاريخ سلطنة عُمان الطويل في تحقيق التوازن بين القوى الإقليمية والدولية بناء علاقات جيدة مع جيرانها في الخليج، ومع الدول الواقعة خارج المنطقة كذلك؛ فقد تجنبت الانخراط في الصراعات الإقليمية، مثل حصار قطر بين عامي 2017 و2021، كما حافظت على علاقات ودية مع إيران. وفي الوقت ذاته، طورت تعاونًا دفاعيًا مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وعززت مكانتها الاقتصادية من خلال تشجيع الاستثمارات الصينية. وقد أسهمت هذه الاستراتيجية في تنويع الاقتصاد العُماني الذي كان يعتمد بصورة أساسية على صادرات النفط والغاز، مثل اقتصادات بقية دول الخليج.

لكن الحرب على إيران غيّرت موقع عُمان في السياسة الإقليمية وأثرت في علاقاتها مع حليفها الأمريكي؛ فقبل اندلاع الحرب كانت السلطنة تؤدي دور الوسيط النشط بين إيران والولايات المتحدة، في محاولة لمنع اندلاع مواجهة مفتوحة حتى اللحظة الأخيرة. لكنها أصبحت لاحقًا هدفًا لضربات صاروخية إيرانية، وإن كانت أقل حدة وكثافة من الهجمات التي تعرضت لها بقية دول مجلس التعاون الخليجي.

وفي نهاية المطاف، ورغم استهداف الضربات الإيرانية للبنية التحتية للطاقة والموانئ العُمانية، فإن ذلك لم يؤدِّ لانهيار العلاقات بين البلدين، وما زالت إيران تنظر إلى السلطنة باعتبارها شريكًا رئيسيًا في المناقشات المتعلقة بالنموذج المستقبلي لإدارة مضيق هرمز.

داعم لخفض التصعيد

لم تتوصل دول مجلس التعاون لموقف موحد بشأن الحرب الأمريكية "الإسرائيلية" ضد إيران؛ فالدول التي تربطها علاقات أوثق بـ"إسرائيل"، وفي مقدمتها الإمارات والبحرين، تبنت خطابًا أكثر تشددًا تجاه إيران، واعتبرت أن النتيجة المفضلة للحرب هي تغيير النظام الإيراني، وهو الهدف الذي أعلنته الولايات المتحدة في بداية الحرب. أما سلطنة عُمان، إضافةً إلى قطر ولاحقًا السعودية في المراحل الأخيرة من الحرب، فلم تكن تؤيد التصعيد؛ إذ تمثلت أولويتها في استعادة الاستقرار الإقليمي حتى وإن تطلب ذلك بقاء النظام الإيراني.

ويُعتبر السلام شرطًا أساسيًا لاستمرار التنمية الاقتصادية في المنطقة، بينما يمثل إغلاق مضيق هرمز التهديد الأكبر لهذه التنمية، لذلك فإن من مصلحة جميع القوى الإقليمية ضمان حرية الملاحة وعدم عرقلتها وفقًا لأحكام القانون الدولي. وفي هذا الإطار، يمكن أن تؤدي عُمان دورًا محوريًا؛ إذ ينص الاتفاق المبرم في 17 حزيران/ يونيو بين إيران والولايات المتحدة على أن يتم إعداد نموذج إدارة المضيق من خلال حوار مباشر بين إيران وعُمان، مع مشاركة فعالة من بقية دول الخليج. وقد أشارت إيران سابقًا إلى إمكانية فرض أنواع مختلفة من "رسوم الخدمات" المتعلقة بالمرور عبر المضيق، على أن تُفرض من جانب الدولتين المشاطئتين له.

ومن وجهة نظر عُمان، فإن مثل هذا الحل سيكون غير ملائم نظرًا لمعارضة الولايات المتحدة وبقية دول مجلس التعاون، التي تضغط للعودة إلى الوضع السابق في المضيق. ورغم تحفظ السلطنة، فقد تُقدِم إيران بصورة أحادية على فرض رسوم أو وضع عراقيل فنية أمام الملاحة، مبررةً ذلك بدواعٍ تتعلق بالسلامة مثل وجود ألغام بحرية على طول مسار الملاحة.

شراكة معقدة مع الولايات المتحدة

لقد أسهم الموقف العُماني المحايد تجاه إيران في فتور العلاقات مع الولايات المتحدة، كما أدى لتراجع ثقة إدارة "ترامب" في قدرة السلطنة على أداء دور الوسيط بعدما أصبح يُنظر إليها باعتبارها أقرب إلى الموقف الإيراني. وفي نهاية المطاف، أصبحت باكستان الوسيط الرئيسي؛ حيث نجحت أولًا في التوصل لوقف لإطلاق النار ثم في توقيع اتفاق إطاري يمهد لإنهاء الحرب. وكان من أبرز الأسباب التي دفعت واشنطن لإسناد هذا الدور إلى باكستان اعتقادها بأن رد فعل عُمان تجاه إغلاق مضيق هرمز لم يكن بالمستوى المطلوب.

وبلغ استياء الإدارة الأمريكية ذروته في نهاية أيار/ مايو، عندما هدد الرئيس "ترامب" بقصف عُمان إذا وافقت على فرض أي رسوم مقابل المرور عبر المضيق. وقد أوصل ذلك العلاقات الأمريكية–العُمانية إلى نقطة حرجة؛ فمن وجهة نظر واشنطن تتطلب إعادة بناء العلاقات من السلطنة ضمان فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية بصورة دائمة وغير مشروطة، وفي غياب ذلك ستستمر العلاقات في التدهور بما قد يدفع عُمان للاقتراب أكثر من إيران.

من جهة أخرى، تتأثر العلاقات الأمريكية–العُمانية سلبًا بسبب تصاعد حدة الخطاب العُماني تجاه "إسرائيل"؛ فرغم أن رفض الأخيرة الالتزام بوقف إطلاق النار في لبنان يمثل مصدر توتر بين حكومة "نتنياهو" وإدارة "ترامب"، فما زالت هي الحليف الأهم للولايات المتحدة والأكثر نفوذًا في المنطقة.

وقبل حرب غزة عام 2023 كانت عُمان تحتفظ بعلاقات ودية وإن كانت غير رسمية مع "إسرائيل"، لكنها شهدت تدهورًا كبيرًا لاحقًا حتى إن وزير الخارجية العُماني وصف "إسرائيل" عام 2025 بأنها "أكبر مصدر لزعزعة الاستقرار في المنطقة". وجاءت الحرب على إيران لتزيد من تدهور العلاقات؛ حتى بدت أي محاولات للتقارب في الوقت الراهن غير مرجحة.

بديل لموانئ الخليج العربي

رغم تراجع الدور الدبلوماسي لعُمان فقد تمكنت من تجنب معظم التداعيات الاقتصادية السلبية للحرب على إيران. ويعود ذلك أساسًا للموقع الاستراتيجي لمعظم موانئها الرئيسية الواقعة خارج مضيق هرمز، الأمر الذي جنبها الصدمة الاقتصادية التي تعرضت لها الدول التي تفتقر إلى مسارات تجارية بديلة. بل إن هذه الموانئ تحولت لمراكز لوجستية رئيسية للتجارة التي لم تعد قادرة على المرور عبر المراكز التقليدية في المنطقة، مثل ميناء جبل علي في دبي أو ميناء الملك عبد العزيز في الدمام.

نتيجة لذلك، أصبحت عُمان، التي كانت تُعتبر تقليديًا من أبطأ اقتصادات مجلس التعاون نموًا، تحتل المرتبة الثانية بعد السعودية في توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي لعام 2026. ويتوقع البنك الدولي أن يبلغ معدل النمو في السعودية 3.1%، بينما تتقاسم عُمان والإمارات المرتبة الثانية بمعدل نمو يبلغ 2.4% لكل منهما. كما أدى تراجع قدرة بقية دول الخليج على أداء دورها التجاري لإعطاء دفعة قوية لتوسيع شبكات الطرق والسكك الحديدية المؤدية إلى عُمان، وهو ما يُتوقع أن يسرع إنجاز مشروع الربط السككي بين السلطنة والإمارات.

في السياق نفسه، أعلنت تركيا مبادرة لإعادة إحياء سكة حديد الحجاز، التي كانت تعمل في أوائل القرن العشرين وتمتد من دمشق إلى المدينة المنورة. أما النسخة الحديثة من المشروع فستربط تركيا بعُمان مرورًا بسوريا والأردن والسعودية، لتوفر بديلًا بريًا للمسار البحري الذي يصل غرب آسيا ببحر العرب.

علاوة على ذلك، يجري التخطيط لتنفيذ استثمارات جديدة بالشراكة مع مستثمرين أجانب في سلطنة عُمان؛ ففي حزيران/ يونيو وحده أُعلن عن اتفاقيات بقيمة 7.5 مليارات دولار في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم. وستركز هذه المشاريع بصورة رئيسية على قطاعي الطاقة والتكنولوجيا، بما في ذلك الطاقة الخضراء وصناعة المركبات الكهربائية. كما سيضخ صندوق "عُمان المستقبل" المملوك للدولة استثمارات إضافية بقيمة 1.5 مليار دولار في هذه القطاعات، إلى جانب قطاعات الرعاية الصحية والسياحة والأمن الغذائي.

الخلاصة:

في الإطار الإقليمي، يتمثل الخيار الأكثر فائدة لعُمان في العمل على تطبيع العلاقات بين دول مجلس التعاون وإيران. وينبغي أن تظل الأولوية متمثلة في تحقيق الاستقرار الأمني وضمان سلامة الطريق التجاري الذي يربط الخليج العربي ببحر العرب. أما مستقبل العلاقات مع الولايات المتحدة، فسيتوقف لحد كبير على نتائج المحادثات مع إيران بشأن مضيق هرمز؛ إذ إن العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل الحرب ستسهل إعادة بناء العلاقات بين البلدين. ومع ذلك، فإن تراجع دور السلطنة في عملية السلام الجارية يعني أنه، رغم استمرارها في انتهاج سياسة الحياد الاستراتيجي، فمن غير المرجح أن تستعيد دورها بوصفها الوسيط الرئيسي بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأشهر المقبلة.

أما بالنسبة لأوروبا، فسيكون من المفيد تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع السلطنة في ضوء قدرة الاقتصاد العُماني على الصمود أمام الصدمات الاقتصادية في الخليج، فضلًا عن توقعات تحقيقه معدلات نمو مرتفعة خلال السنوات المقبلة. إضافةً لذلك، يمكن للاتحاد الأوروبي أن يوظف ثقله الاقتصادي للتأثير في النموذج المستقبلي لإدارة مضيق هرمز، عبر عرض اتفاقية تجارة حرة على عُمان، بما يمنحه أداة ضغط تساعد على ضمان عمل السلطنة للحفاظ على حرية الملاحة في المضيق.