المصدر: ذا سايفر بريف
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
لقد أنشأت إيران بنية تحتية فعّالة تستخدمها في الصراع القائم، وتُظهر بوضوح ما سيُتيحه الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الخمس القادمة، وهذه ليست مشكلة مستقبلية، فالبنية التحتية قيد الإنشاء بالفعل. ففي غضون ساعات من الضربات الأمريكية "الإسرائيلية" في الـ28 من شباط/ فبراير 2026 انتشرت على منصتي "تيليجرام" و"إكس" صور مُولّدة بالذكاء الاصطناعي، لحاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس أبراهام لينكولن" وهي تحترق، وحصدت ملايين المشاهدات قبل أن تُصدر القيادة المركزية الأمريكية أول بيان نفي لها.
كما اضطر "نتنياهو" أن ينشر فيديو مباشر ليُثبت أنه على قيد الحياة، فيما أثارت صور الأقمار الصناعية المُعدّلة بالذكاء الاصطناعي رد فعل من البنتاغون، فقد تحرك النظام بسرعة تفوق قدرة أي حكومة على الرد. وليس الهدف من ذلك جعل الناس يُصدقون الكذبة بل جعلهم في حالة شكٍّ حول الحقيقة، تدفعهم للتشكيك في كل شيء؛ فلا يُمكن ردع خصم يعتقد شعبه أنك تخسر، ولا يمكن الحفاظ على تحالفٍ عندما يعتقد أنصاره أن الصراع يمثل فظائع غربية، فالأمن المعرفي حربٌ داخل الحرب.
ما تُجيده إيران اليوم
إن هناك خمس قدرات تُحدد استراتيجية إيران الحالية:
1. السرعة: فإيران تمتلك زمام المبادرة في نشر الأخبار؛ إذ يستغرق إنتاج صورة زائفة مُقنعة دقائق، بينما يستغرق التحقق منها وتفنيدها أيامًا، ولا تحتاج إيران كسب عملية التحقق من الحقائق بل يكفيها الفوز في أول 24 ساعة.
2. التشفير: إذ تنجح مقاطع الفيديو المُفبركة للمعارك التي تُبثّ على منصات "واتس آب" و"تليجرام" في تخطي آليات الرقابة على المحتوى بشكل كامل، وتعتبر هذه التطبيقات مصادر إخبارية رئيسية في المناطق التي تستهدفها إيران، وهي ساحات تخلو فيها هذه الأخبار عمليًا من أي تفنيد أو منافسة.
3. الإنكار بالوكالة: فشبكات مثل منظومة الحوثيين الإعلامية تنشر روايات متسقة (مع التوجهات الإيرانية) دون أي رابط ظاهريًا بطهران، ما يحقق تأثيرًا استراتيجيًا دون إمكان نسبته لجهة محددة.
4. الروايات البديلة: حيث تعمل إيران على تضخيم الأطر القائمة بالفعل، مثل التضامن الفلسطيني والمشاعر المعادية للغرب، عبر دمج رسائلها داخل حركات لم تُنشئها.
5. عائد الكذب: فبمجرد أن يغمر المحتوى الاصطناعي البيئة يصبح المحتوى بكافة أشكاله موضع ريبة، بما في ذلك الحقائق الواقعية.
ويمكن تبسيط فهم نهج إيران بتشبيهه باستراتيجية "SPEAR"؛
· السرعة (Speed): ميزة المبادرة والسبق.
· الوكلاء (Proxies): القدرة على الإنكار عبر الشبكات.
· التشفير (Encryption): التوزيع عبر قنوات مغلقة.
· التضخيم/ التعظيم (Amplification): الارتكاز على روايات الآخرين.
· النسبية (Relativism): عائد الكاذب أو تآكل الحقيقة.
ما التغييرات القادمة في مجال الذكاء الاصطناعي؟
إن ما سيأتي لاحقًا ليس مجرد تطور لهذا النموذج بل نقلة نوعية؛ فقنوات التزييف ستعمل على تقليص دورات الإنتاج إلى دقائق، ما يسمح بظهور لقطات معارك مُصطنعة قبل تأكيد الأحداث الحقيقية، وبذلك يصبح التحقق من الحقائق غير ذي جدوى. كما إن استنساخ الأصوات على نطاق واسع، كما في "واتس آب"، سيجعل من الممكن تزييف اعترافات ميدانية أو تقارير عن الإصابات، تُنقل بصوت قادة موثوق بهم، وتُوزّع عبر الشبكات الشخصية التي يستحيل على المنصات التدخل فيها.
من جهة أخرى، ستحتفظ شبكات الشخصيات المُنشأة بالذكاء الاصطناعي بسجلات رقمية موثوقة تمتد لعام كامل قبل التفعيل، ما يلغي إشارات الكشف التي تعتمد عليها المنصات اليوم. وسيجعل المحتوى المُستضاف على تقنية "بلوك تشين" المعلومات المضللة دائمة ومحصنة ضد الإزالة، وستصبح مصادرة النطاقات أمرًا عفا عليه الزمن. كما إن مقاطع الفيديو المُزيّفة المُخصصة ستستهدف الأفراد مباشرةً؛ حيث تُنقل بلهجات محلية وتُشير إلى أماكن مألوفة، ما يزيد من مصداقيتها خارج نطاق وسائل الإعلام التقليدية. وستقوم البرامج الآلية المدعومة بتقنيات التعلم ببناء علاقات حقيقية عبر الإنترنت، ما يُعزز تأثيرها ويُرسّخ نفوذها داخل المجتمعات بدلًا من مجرد بثّها إليها.
وستُنتج منظومات الإعلام المُولّدة بالذكاء الاصطناعي بنى تحتية إخبارية متكاملة؛ مواقع وصحفيين وتحليلات، على نطاق عالمي وبتكلفة شبه معدومة. وبالتالي، سيؤدي تدفق المعلومات المضللة على نطاق واسع إلى توليد آلاف التفسيرات المتضاربة في آنٍ واحد، ما يُربك الجماهير ويشكك في الواقع. وسيُتيح الإقناع المُوجّه بدقة تخصيص الرسائل لتناسب هويات ومعتقدات وسلوكيات مُحددة بفعالية غير مسبوقة، وستعمل أنظمة التضخيم ذاتية التحسن باستمرار على تحسين التوقيت والاستهداف والتوزيع، مُحوّلةً التضليل إلى نظام مُستمر ومتعلم بدلًا من كونه مجرد حملة.
الصورة الاستراتيجية
إننا نتجه نحو عالم يكاد يكون فيه الكشف عن التضليل في مراحله المبكرة مُستحيلًا؛ حيث يتقلص زمن إنشاء المعلومات المضللة (إنشاء الرواية) من ساعات إلى دقائق، ويتوسع نطاق تأثرها من آلاف إلى ملايين في آنٍ واحد مع دقةأعلى، بينما تنخفض تكلفة الدخول في هذه المجال إلى ما يقارب الصفر. وبالتالي، ستمتلك الجهات الفاعلة الصغيرة محدودة الموارد القدرة على تشكيل الإدراك العالمي بشكل مُستمر.
إن مستقبل الابتكار المدفوع بالذكاء الاصطناعي يحمل نموذجًا يجب أن نتذكره دائمًا، هو نموذج (AIMS):
· الأتمتة (Automation): الأنظمة الوكيلة.
· التخصيص (Individualization): التزييف العميق الموجه للأافراد.
· المضاعفة (Multiplication): التوسع والإغراق في السرد وتوليد المحتوى.
· التحسين الذاتي (Self-optimization): أنظمة التعلّم والتضخيم.
المواجهة المستمرة:
نحن نعرف تمامًا أين نوجه تركيزنا ونعرف ما ينبغي فعله، وفي الواقع فإن جزءًا كبيرًا من الابتكار يتم بناؤه داخل منظومتنا الخاصة. ومع ذلك، فإن المطلوب هو الابتكار المستمر؛ أي تبني عقلية فريق الاختبار الدائم، التي تقوم على: الاختبار والتكيّف والتفوّق على الخصوم الذين بدأوا بالفعل اختصار الزمن وتوسيع نطاق عملياتهم واستهداف البنية التحتية المعرفية للعالم.