ميزان المكاسب بين روسيا والصين من الحرب على إيران

الساعة : 11:42
15 أبريل 2026
ميزان المكاسب بين روسيا والصين من الحرب على إيران

المصدر: المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

قد لا تكون الطفرة النفطية لروسيا كافية لسد فجوتها المالية الضخمة، بينما تعتبر معاناة الصين الحالية حقيقية لكن مكاسبها قد تكون طويلة الأمد. نظريًا تبدو المعادلة منطقية تمامًا؛ فمع ارتفاع أسعار النفط عالميًا وتخفيف جزئي للعقوبات الأمريكية على النفط الروسي، تبدو موسكو المستفيد الأكبر من الحرب في إيران. بالمقابل، تجد الصين نفسها في موقف صعب لاعتمادها الكبير على تدفقات النفط عبر مضيق هرمز المغلق حاليًا.

إن هذا التحليل يبدو منطقيًا، لكن بالتعمق في الأمر أكثر تبدو الصورة أكثر تعقيدًا؛ ولنبدأ بفكرة أن ارتفاع أسعار النفط يملأ خزائن الدولة الروسية بسرعة، فالعائدات النفطية الناتجة عن الحرب، التي تبلغ نحو خمسة مليارات دولار شهريًا، ليست في الواقع سوى مسكّن مؤقت لعجز مالي بلغ 40 مليار دولار في شهري كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير وحدهما، أي ما يقارب 90% من الهدف السنوي لروسيا. وصانعو القرار الروسي يدركون ذلك جيدًا؛ فقد بدأ الكرملين بالفعل رسم خطط لخفض الإنفاق "غير الحساس" بنسبة 10%، في محاولة لتوفير ما يصل إلى 25 مليار دولار هذا العام.

أما من حيث حجم الإنتاج، فالوضع ليس أكثر تفاؤلًا؛ فبعد أكثر من 12 عامًا من العقوبات تعاني البنية التحتية النفطية الروسية من التدهور، ولا تمتلك سوى طاقة فائضة تقدر بـ300 ألف برميل يوميًا، وهو رقم لا يكاد يكفي لتعويض خسارة تتراوح بين 10 و15 مليون برميل يوميًا من صادرات الخليج. ومع حالة الضبابية بشأن استمرار الحرب، من غير المرجح أن تزيد شركات النفط الروسية استثماراتها في المستقبل القريب، كما إن ضربات الطائرات المسيّرة الأوكرانية التي أصبحت تصل حتى بحر قزوين تضيف مزيدًا من الضغوط.

كما إن ضعف الطاقة الإنتاجية الفائضة في روسيا يساعد في فهم قرار واشنطن بتخفيف العقوبات على مبيعات النفط الروسي للهند؛ فالإعفاء لمدة 30 يومًا ينطبق فقط على النفط الذي تم تحميله بالفعل على الناقلات، والذي يصل لنحو 120 مليون برميل كانت عالقة في البحر بسبب تردد المصافي الهندية في خرق العقوبات الأمريكية. بعبارة أخرى، فإن واشنطن لا تفتح المجال أمام إمدادات روسية جديدة، بل تسمح فقط بتنفيذ صفقات كانت الهند قامت بترتيبها مسبقًا.

وبالنسبة لموسكو، فإن فقدان الوصول إلى الخليج العربي وإيران يشكل ضربة إضافية؛ فقد كانت الإمارات موضع شك رئيسي في تسهيل الالتفاف على العقوبات، بينما شكلت إيران منذ فترة طويلة سوقًا مهمة للشركات الروسية، خصوصًا في مجالي الدفاع والطاقة النووية. وقد أدى النزاع الحالي إلى تعطيل مشاريع روسية بارزة، مثل "محطة بوشهر-2 النووية"، ومع خروج الخليج وإيران من المعادلة قد يزداد اعتماد موسكو على بكين.

أما بالنسبة للصين، فإن اضطرابات مضيق هرمز مؤلمة بلا شك، لكنها في الوقت نفسه تؤكد صواب رهان بكين على التحول نحو الكهرباء التي تمثل نحو 30% من استهلاك الطاقة في البلاد؛ أي أعلى بنحو 50% مقارنة بالولايات المتحدة أو أوروبا، ما يجعلها أكثر قدرة على تحمل ارتفاع أسعار النفط العالمية. كما إن الحرب في إيران تعزز بقوة الحجة لصالح التحول العالمي في مجال الطاقة؛ حيث تنتج الشركات الصينية نحو 70% من إمدادات تقنيات الطاقة النظيفة عالميًا.

وبالنظر إلى المستقبل، فقد يمنح الصراع الحالي الصين أوراق ضغط مفيدة؛ فالكثير من الصواريخ والطائرات المقاتلة والأسلحة الأخرى التي تحتاجها الولايات المتحدة لمجهودها الحربي تعتمد على معادن خام حيوية تُصنع في الصين، لا سيما العناصر الأرضية النادرة التي لا تمتلك الولايات المتحدة منها سوى مخزون يكفي لنحو شهرين فقط. وعندما يتوجه الرئيس الأمريكي "ترامب" إلى بكين لإجراء مفاوضات بشأن الرسوم الجمركية في الأشهر المقبلة، قد يدخل صانعو القرار الصينيون المفاوضات وهم يحملون ورقة رابحة.

في الوقت ذاته، تشير تقارير أولية إلى أن إيران قد تسمح لبعض ناقلات النفط بالعبور عبر مضيق هرمز، لكن بشروط صينية؛ أن تتم التجارة بالرنمينبي، وهذا سيوجه ضربة لهيمنة الدولار الأمريكي على تجارة الطاقة. وحتى إذا تحول جزء بسيط فقط من المعاملات إلى عملة أخرى، فإن المفارقة ستكون واضحة؛ حرب أطلقتها الولايات المتحدة ستسهم في تطبيع تجارة الطاقة بعملات غير الدولار، محققة ما لم تنجح فيه سنوات من الدبلوماسية الصينية.

أخيرًا، قد يكون من المفيد توجيه الانتباه إلى مرحلة ما بعد الصراع، لا سيما إعادة الإعمار في دول الخليج التي تضررت من الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيّرة والصواريخ. وهنا تبدو بكين في موقع مثالي للتحرك بسرعة؛ فاستنادًا لخبرتها في مبادرة الحزام والطريق ستسعى الشركات الصينية سريعًا لترسيخ نفسها كشريك رئيسي، من خلال توفير التمويل والصلب والرافعات لإعادة بناء الموانئ ومنشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه.

وبعيدًا عن العناوين الرئيسية، يبدو أن ميزان المكاسب بين روسيا والصين من الحرب على إيران مختلف تمامًا؛ فقد تبدو الطفرة النفطية الروسية لافتة على الورق لكنها لن تحل الأزمة المالية التي تواجه الكرملين. أما الصين، فرغم معاناتها من إغلاق مضيق هرمز، فإنها تخرج باستراتيجية مؤكدة في مجال التكنولوجيا النظيفة، وأوراق تفاوض أقوى في العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة، وموطئ قدم في الخليج بعد الحرب. فالصراعات غالبًا ما تعيد تشكيل النظام العالمي، لكنها نادرًا ما تفعل ذلك بالطريقة التي يقصدها صانعوها.