انتقل إلى المحتوى
صدارة للمعلومات والاستشاراترصد دقيق. معرفة أعمق.استكشف إصداراتنا

حلف مكة ينتقل نحو مأسسة "آلية عسكرية" قابلة للتفعيل ضمن إطاره الدفاعي

الساعة : 17:41
12 أكتوبر 2026
حلف مكة ينتقل نحو  مأسسة

المصدر: موقع يوراسيا ريـﭭـيو

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

خلاصات:

  • ينص اتفاق مكة، المبرم في السابع من آب/ أغسطس 2026 بين كل من باكستان والسعودية وتركيا، على أن أي هجوم على إحدى الدول الأعضاء يُعتبر هجومًا على جميع الدول الأعضاء، لكن التصريحات الباكستانية والتركية تصوّر الاتفاق باعتباره أداة للردع الجماعي لا أمرًا تلقائيًا بخوض الحرب داخل اليمن.
  • الغموض في الاتفاق مقصود؛ حيث يتيح لإسلام آباد تقديم الدعم الاستخباراتي والدفاع الجوي والخدمات اللوجستية والمساعدة الدبلوماسية. فقد أفاد تقرير لوكالة "رويترز" بوجود نحو ثمانية آلاف جندي باكستاني في السعودية بالفعل ، إضافةً إلى طائرات ووحدات طائرات مسيّرة ومنظومة للدفاع الجوي، ،بما يوفر دعمًا داخل المملكة دون الانخراط في ضربات عسكرية في اليمن.
  • تعتبر الخطوات المؤسسية، ومنها إنشاء أمانة دائمة في إسطنبول نهاية آب/ أغسطس واجتماع رؤساء الأركان في الرياض في 25 أيلول/ سبتمبر، إجراءات تجعل الاتفاق قابلًا للتنفيذ عمليًا، في وقت تواصل فيه باكستان الحوار مع إيران، وتؤكد بالتعاون مع مصر على أهمية الدبلوماسية إلى جانب حق السعودية في الدفاع عن نفسها.

لقد أثار اتفاق الدفاع المشترك من أجل مكة نقاشًا بشأن إذا كانت باكستان تُدفَع الآن إلى خوض حرب جديدة في الشرق الأوسط، لكن المعنى الحقيقي للاتفاق يتمثل في معرفة إذا كان سيمنح إسلام آباد هامشًا للمناورة في حال تعرض شريكتها لهجوم. وينص الاتفاق على أن أي هجوم مسلح على أي دولة عضو يُعتبر هجومًا على جميع الدول الأعضاء، لكن النص الرسمي للاتفاق والتوضيحات التي أصدرتها وزارة الخارجية الباكستانية لاحقًا يحددان بوضوح أن "الغرض الأساسي" منه تحقيق الردع والدفاع الجماعيين. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأنها تعني أن الدفاع الجماعي لا يستلزم بالضرورة إصدار  أمر  تلقائي بتنفيذ شكل معين من أشكال العمل العسكري؛ فالالتزام "يضع على عاتقنا مسؤولية الاستجابة لكنه يترك أمامنا مجالًا واسعًا للتفكير في طبيعة هذه الاستجابة وكيفية تنفيذها".

وهذا هو جوهر التقييم الجديد الذي نشرته منصة "ريسبونسبل ستيت كرافت"، وتتمثل حجته في أن باكستان لا تواجه خيارًا بسيطًا بين التدخل عسكريًا داخل اليمن وعدم القيام بأي شيء؛ فالاتفاق يتيح تقديم مستويات متعددة من المساعدة تشمل التعاون الاستخباراتي والدفاع الجوي والدعم اللوجستي والمساندة العملياتية والتحرك الدبلوماسي. كما إن الرواية الرسمية التركية للاتفاق، إلى جانب تقييم مفصل أعدته وكالة "رويترز" للبنية الدفاعية التي يقوم عليها، يشيران إلى أن هذا الترتيب يتمحور حول: آليات عسكرية منسقة وتدريبات مشتركة وتكنولوجيا وقدرات ردعية، وليس حملة عسكرية معلنة عبر نشر قوات خارج الحدود.

وبالنسبة لباكستان، لا يُعتبر الغموض بالضرورة دليلًا على التردد بل يمكن أن يكون جزءًا من استراتيجية الردع؛ فقد تعمدت وزارة الخارجية الباكستانية تجنب تحديد الظروف الدقيقة التي يمكن فيها استخدام قدرات عسكرية بعينها. وفي إحاطتها الإعلامية بتاريخ 17 أيلول/ سبتمبر أوضحت الخارجية أن القرارات المتعلقة بمكان استخدام القوة وتوقيته وكيفيته تخضع لمتطلبات السرية العملياتية. فالخصم الذي يعرف مسبقًا جميع العتبات التي تستدعي الرد وطبيعة الاستجابة المتوقعة يستطيع أن يضع حساباته على أساسها، أما الخصم الذي يواجه حالة من الضبابية فيضطر لأخذ نطاق أوسع من العواقب المحتملة في الحسبان. وهذا أحد الأسباب التي تدفع الحكومات غالبًا إلى الفصل بين الالتزامات التعاهدية والخطط العملياتية التفصيلية.

إضافةً لذلك، فإن باكستان تمتلك أيضًا خيارات عديدة لا تصل لحد شن ضربات مباشرة داخل اليمن؛ فقد أفاد تقرير لوكالة "رويترز" بشأن الانتشار العسكري الباكستاني بأن نحو ثمانية آلاف جندي باكستاني، إضافةً لطائرات ووحدات للطائرات المسيّرة ومنظومة دفاع جوي، نُشروا في السعودية خلال الأزمة الإقليمية التي شهدتها المنطقة في وقت سابق من عام 2026. ويمنح هذا الوجود العسكري إسلام آباد القدرة على المساهمة في أعمال المراقبة والاستطلاع والدفاع الجوي وجمع المعلومات الاستخباراتية والتدريب والتنسيق اللوجستي وحماية المنشآت الاستراتيجية. ولا يتطلب أي من هذه الأنشطة بالضرورة استخدام الطائرات الباكستانية لمهاجمة أهداف داخل اليمن، وهذا تحديدًا هو السبب الذي يجعل من الضروري عدم اختزال النقاش في السؤال المضلل المتمثل في الاختيار بين التدخل من عدمه.

من ناحية أخرى، لا يقل التحدي الدبلوماسي أهمية بالنسبة لباكستان؛ فإسلام آباد تربطها بالرياض علاقات دفاعية وثيقة، بينما تواصل في الوقت نفسه الحفاظ على علاقات عملية مع طهران. وقد ركزت إحاطة وزارة الخارجية الباكستانية في العاشر من أيلول/ سبتمبر على الحوار والدبلوماسية في مواجهة التصعيد الذي يشهده اليمن، بينما سلطت الإحاطة اللاحقة بشأن التواصل بين باكستان وإيران الضوء على الجهود المتواصلة التي تبذلها إسلام آباد لخفض حدة التوترات الإقليمية الأوسع.

وهذا يمنح إسلام آباد دورًا محتملًا لا يمكن للقدرات العسكرية وحدها أن توفره؛ فالدولة القادرة على التواصل مع الأطراف الإقليمية المتعارضة قد تسهم في تعزيز الردع؛ من خلال نقل التحذيرات واستكشاف فرص التوصل لتسويات والحد من احتمال أن يؤدي سوء التقدير لاندلاع حرب أوسع نطاقًا. كما جرى تنسيق الرسالة الدبلوماسية العامة مع دول إقليمية أخرى؛ حيث اجتمع وزراء خارجية كل من باكستان والسعودية وتركيا ومصر في نيويورك وناقشوا الأوضاع في المنطقة، مؤكدين أن الدبلوماسية هي السبيل الوحيد لحل القضايا الإقليمية، مع الإقرار في الوقت نفسه بحق السعودية في الدفاع عن نفسها. ويوفر البيان الوزاري المشترك، إلى جانب تقرير "رويترز" المصاحب بشأن المحادثات، مثالًا واضحًا على التوازن الدقيق الذي تحاول هذه الدول تحقيقه.

ويجري التأكيد مجددًا على أولوية خفض التصعيد تزامنًا مع تعزيز الحكومات التزاماتها الدفاعية، ولا يوجد تعارض حتمي بين هذين الموقفين؛ فالردع يهدف لجعل الخصم يدرك أن التصعيد سيكون مكلفًا، في حين تمثل الدبلوماسية وسيلة لتجنب دفع ثمن هذا التصعيد.

ومع ذلك، فإن الاتفاق يتجاوز كونه مجرد خطوة رمزية؛ فقد عُقد الاجتماع الأول للجنة التوجيهية المعنية بالدفاع في إسطنبول نهاية آب/ أغسطس، وتضمنت الإفادة الباكستانية بشأن تنفيذ أعمال اللجنة الإشارة إلى إنشاء أمانة دائمة وتعزيز التعاون المؤسسي. أما البيان السابق الصادر عن اللجنة التركية، فقد أشار إلى مشاركة وزراء الخارجية والدفاع وكبار القادة العسكريين. وتكتسب جوانب التخطيط والقيادة والاتصال أهمية كبيرة في هذا المستوى المؤسسي؛ فالتحالفات تكتسب مصداقيتها من خلال الممارسة الفعلية لا من خلال الخطاب وحده.

وقد تسارعت هذه العملية في 25 أيلول/ سبتمبر عندما اجتمع رؤساء أركان الدول الثلاث بالرياض، ووفقًا للرواية الرسمية السعودية بشأن الاجتماع فقد ناقش القادة: التعاون الاستخباراتي والتنسيق العسكري وتكامل القدرات العسكرية وأكدوا التزامهم بالدفاع الجماعي. وفي اليوم التالي، أفادت التغطية الرسمية الباكستانية للتعاون العسكري بأن المشاركين يعتزمون تحويل الاتفاق إلى تعاون عسكري فعّال. ويمثل هذا تطورًا مهمًا وإن كان لا يثبت حتى الآن أن باكستان أو تركيا قد التزمتا بتنفيذ عمليات برية أو شن ضربات هجومية داخل اليمن، وما يثبته هو أن الاتفاق بدأ يكتسب آلية عسكرية عملية قابلة للتفعيل.