أسلوب الصفقات لن ينجح مع الإيرانيين... تحذيرات من محاولة "ترامب" التعامل مع إيران مثل أوكرانيا وفنزويلا

الساعة : 15:53
29 يناير 2026
أسلوب الصفقات لن ينجح مع الإيرانيين... تحذيرات من محاولة

المصدر: ميدل إيست فورَمْ

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

ذاكرة إيران تفسّر فشل أي تغييرٍ للنظام قائم على الصفقات:

ينظر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى السياسة الخارجية بوصفها عمليةً تبادلية؛ إذ يصرّح بوضوح بأن على الولايات المتحدة أن تجني ربحًا من أفعالها حين تتحرك؛ فقد ربط دعم أوكرانيا بصفقةٍ تُسدِّد بموجبها كييف للولايات المتحدة عائداتٍ أو حقوقًا تزيد عن 500 مليار دولار من المعادن والفلزات، بما في ذلك العناصر الأرضية النادرة. وبالمثل، قام "ترامب" بمقايضة مع رئيسة فنزويلا الجديدة، ديلسي رودريغيز، وإخوتها على قبول إزاحة الرئيس "مادورو" مقابل منحها أولويةً في بيع النفط الفنزويلي وتطويره.

وإذا كان "ترامب" جادًا بشأن تغيير النظام في إيران، فقد يتوقع ميزةً تجاريةً مشابهة؛ ففي حين قد يستخدم الإيرادات إذا استولى على محطة تصدير "نفط خرج" قبل تغيير النظام، لتمويل قوى المعارضة وصناديق العلاج الطبي وصناديق الإضرابات، فلا ينبغي له أن يطالب بأي احتكار أو يفرض أي عقود تجارية على إيران ما بعد الجمهورية الإسلامية.

درس من التاريخ الإيراني:

قد لا يُولي "ترامب" اهتمامًا كبيرًا للتاريخ، لكنه يعتبر العدسةَ التي تُشكِّل من خلالها تجارب الدول والشعوب فهمها للأحداث العالمية ومقاربتها لها. ففي القرن الـ19 تجنّبت فارس الاستعمار نظريًا وليس عمليًا؛ فقد اقتطعت الإمبراطوريتان الروسية والبريطانية أجزاءً من حدودها، وفي الاتفاقية الأنجلو–روسية عام 1907 قُسِّمت فارس رسميًا إلى مناطق نفوذ.

لكن أحد أكبر المظالم في الوعي القومي الإيراني آنذاك كان فرض "الامتيازات"؛ حيث زار ناصر الدين شاه أوروبا أعوام 1873 و1878 و1889، ولم تكن هذه الرحلات الطويلة مكلفةً بسبب بذخه وكثرة حاشيته فحسب، بل إن رغبته في استنساخ التقنيات التي رآها، من إنارة الشوارع بالكهرباء إلى السكك الحديدية، قد أوصلت فارس إلى حافة الإفلاس. فقد كان الشاه يرى نفسه "محور الكون" ولم يكن ليُحرَم شيئًا، وبوصفه ملكًا مطلقًا اعتبر الدولة ملكًا خاصًا له يطوّرها أو يبيعها كما يشاء. ولتأمين الأموال لمشاريعه ومشترياته، أبرم الشاه مع البريطانيين والألمان والروس سلسلةً من الامتيازات، وهي في جوهرها احتكارات اقتصادية مُنحت للقوى الأجنبية مقابل نقد أنفقه سريعًا.

فعلى سبيل المثال، قام الشاه عام 1872 بمنح البارون "يوليوس دي رويتر" حقوق بناء السكك الحديدية وخطوط التلغراف والمطاحن والمصانع، والتنقيب عن جميع المعادن باستثناء الذهب والفضة، إضافةً إلى احتكارٍ مصرفي مدته ستين عامًا. وكانت الشروط مجحفةً وفاضحة إلى حدٍّ أثار ضغطًا شعبيًا واسعًا واحتجاجاتٍ كبيرة، ما اضطر الشاه إلى سحب الامتياز. وجاءت نقطة التحوّل حين أدرك البريطانيون أنفسهم أن امتياز "رويتر" استغلاليّ لدرجةٍ لا يمكن الدفاع عنها، وكنوعٍ من التعويض حصل "رويتر" على امتيازٍ ثانٍ مُخفَّف منحه السيطرة على "البنك الإمبراطوري الفارسي".

وفي عام 1890 عاد الشاه إلى النهج نفسه حين منح ضابطًا بريطانيًا احتكارًا للتبغ لمدة خمسين عامًا، ما أجبر المزارعين فعليًا على بيع محاصيلهم للبريطانيين بسعرٍ محدد بغضّ النظر عن التكاليف. وكان الغضب عارمًا؛ فقد أُغلِق بازار طهران وانتشرت الاحتجاجات في أنحاء البلاد وتقدّم رجال الدين إلى صدارة التحريض السياسي للمرة الأولى، ما أجبر الشاه في نهاية المطاف على التراجع، بينما نال الروس في الوقت نفسه احتكارًا لمصايد بحر قزوين.

ولعلّ أشهر الامتيازات كان شراء "وليام نوكس دارسي" عام 1901 جميع حقوق النفط الفارسي، بينما فجّرت خطوةُ رئيس الوزراء، محمد مصدّق، بتأميم "شركة النفط الأنجلو–إيرانية"، التي أصبحت لاحقًا "بريتيش بتروليوم"، اضطرابات أوائل خمسينيات القرن العشرين.

جرحٌ حساس في الوعي الإيراني:

والخلاصة: إن الامتيازات والمطالبات بالاحتكارات ما زالت جرحًا حساسًا في المجتمع الإيراني، وأيُّ طرفٍ يطالب بها، ناهيك عن أن يفرضها، سيفقد في لحظةٍ واحدة قلوبَ وعقول 95% من الإيرانيين، وفي الوقت نفسه سيشكك في شرعية أي قائد أو واجهة إيرانية قد تبرز بعد سقوط المرشد الأعلى "خامنئي". وإذا كان الإيرانيون يغامرون بحياتهم تحديًّا لخامنئي، فإن أفضل وسيلة لضمان عودة المؤسسة الدينية إلى الواجهة هي ترك "ترامب" ليتصرّف على سجيّته، ويتعامل مع إيران كما لو كانت أوكرانيا أخرى أو فنزويلا ثانية.