"بن سلمان" سيوازن بين الفوائد الاستراتيجية المحتملة من التطبيع والتيارات الداخلية المعارضة لـ"إسرائيل"

الساعة : 10:08
31 يناير 2026

المصدر: وكالة الأنباء اليهودية (JNS)

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

يحاول ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، الموازنة بين تياراتٍ داخلية معادية لـ"إسرائيل" والفوائد الاستراتيجية المحتملة من التطبيع معها؛ فثمة أمرٌ ما يحدث في المملكة في الآونة الأخيرة، حيث اعتمدت نبرةً قاسيةً علنًا تجاه "إسرائيل". وعلى خلفية ذلك يبرز سؤالٌ جوهري: هل ستغيّر المملكة التي عرفناها بوصفها عدوًا لدودًا للنظام الإيراني والمرشّح الأبرز للتطبيع وجهتها؟

يكمن الجواب أساسًا داخل المملكة نفسها؛ حيث يرى ولي العهد فرصًا عديدة في "إسرائيل"، لكنه يرى معها مخاطرةً كبرى واحدة، فإلى جانب المكاسب الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية المحتملة من العلاقة مع "تل أبيب"، يدرك "بن سلمان" أن هذه القضية شديدة الانفجار داخل المملكة وقد تُلحِق ضررًا بمكانته.

تيار معارض داخل العائلة الحاكمة:

فداخل البيت الملكي السعودي جناحٌ كامل يعارض بقوة إقامة علاقاتٍ رسمية مع "إسرائيل"، ولا يرتبط هذا بالفلسطينيين وحدهم الذين يُستَخدمون غالبًا كذريعة دبلوماسية، بل يرتبط في المقام الأول بتصوّر "إسرائيل" عاملًا ينافسهم على الهيمنة الإقليمية، ومن منظورهم فهي لعبة محصلتها صفر. والشخصية التي تجسّد هذا التوجّه هو رئيس الاستخبارات الأسبق، الأمير تركي الفيصل، الذي بلغ العقد الثامن من عمره وهو أحد أبناء الملك فيصل. وبينما عارض والده حتى خطة التقسيم، يشترط "تركي" لإقامة العلاقات مع "إسرائيل" قبول "مبادرة السلام العربية" لعام 2002، التي تقترح انسحابًا إسرائيليًا كاملًا من الأراضي المحتلة. وعلى مرّ السنوات، كان الأمير تركي هو من يثير مسألة السلاح النووي ويشكو من النفوذ "الإسرائيلي" في واشنطن، وبعد الزيارة الأخيرة لولي العهد إلى البيت الأبيض أشاد بإلغاء الانحياز لصالح "إسرائيل" فيما يتعلق بالتجارة في الأسلحة المتقدمة.

وهكذ فإن التطبيع يحمل مخاطرةً كبيرة بالنسبة لولي العهد؛ فالجناح المعادي لـ"إسرائيل" ليس صغيرًا، ويكفي أن نذكر أن آلاف الأمراء يعيشون اليوم في السعودية وخارجها، وهم من أحفاد أو أقارب مؤسس الدولة، عبد العزيز آل سعود. وبهذا المعنى، تفقد العبارة المألوفة "شخصية في البيت الملكي السعودي" كثيرًا من قيمتها؛ فليس كلّ هؤلاء أصحاب نفوذ؛ فبعضهم مجرد رجال أعمال لكنهم يشكّلون كتلة قوة يجب على الحاكم أن يضع مزاجها في الحسبان.

ومنذ اندلاع الحرب في قطاع غزة، أصبح هؤلاء يرون أن "إسرائيل" قوةً "تضع يدها في كل شيء"؛ من الانخراط في سوريا مرورًا بالاعتراف بصوماليلاند وصولًا إلى لبنان واليمن، وهم لا يرون "تل أبيب" حليفًا بل منافسًا.

المؤسسة الدينية المحافظة:

إلى جانب أمراء مخضرمين مثل "تركي"، هناك أيضًا المؤسسة الدينية؛ فرغم محاولات "بن سلمان" إضعاف رجال الدين المنتمين للتيار الوهابي المحافظ (السني المتشدّد)، وتحقيق إصلاحاتٍ في وضع المرأة وفتح الاقتصاد ورفع القيود عن الحياة الثقافية في المملكة، ما زالت النغمة القديمة نفسها تُسمَع في مكة. وفي خطب الجمعة ما زال الأئمة يعظون ضد "اليهود" ولم يختفِ عداؤهم التقليدي للسامية. والمفارقة أنهم لا يحاولون إخفاء ذلك داخل المملكة، بل تُبَثّ هذه الخطب على القنوات التلفزيونية وشبكات التواصل الاجتماعي.

جيل الشباب:

أما المجموعة الثالثة التي يتعيّن على "بن سلمان" مراعاتها فهي جيل الشباب الذين يمثلون قاعدة قوةٍ مهمة في نظره؛ ففي عصر وسائل التواصل الاجتماعي تحوّلت "إسرائيل" إلى دولةٍ منبوذة خلال حرب غزة. ورغم محاولات القنوات السعودية تقديم صورةٍ أكثر توازنًا من القنوات القطرية، فما زالت "إسرائيل" تعتبر المسؤولَ الرئيسي عن دمار غزة وليس حماس وغيرها من التنظيمات الفلسطينية المصنّفة "إرهابية".

الخلاصة:

إن كان ثمة أخبارٌ إيجابية، فهي أن عام 2025 شهد قدرًا من الانعكاس في هذا الاتجاه، ومن هنا يجد ولي العهد نفسه مضطرًا للموازنة بين مواقفه الشخصية والمشهد السياسي داخل المملكة. وفي هذه البيئة يصبح من الملائم له أن يقدّم نفسه خصمًا لـ"إسرائيل" في الساحة الدبلوماسية، ولاعبًا يقود موجة الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الغرب، ومنافسًا لـ"تل أبيب" على موقع "الحليف الأول" لواشنطن في الشرق الأوسط. ومن منظوره، لا داعي للاستعجال في تحسين العلاقات مع "إسرائيل"؛ فالأفضل أن يحافظ على "الوضع القائم" في سوريا ولبنان واليمن والصومال والسودان دون تغيير، بل يطرح نموذجًا لـ"المحافظة الفعالة".