الحدث
أنهى رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الأربعاء 13 مايو 2026، زيارة خاطفة إلى البحرين التقى خلالها الملك حمد بن عيسى آل خليفة في قاعدة الصخير الجوية، ضمن جولة خليجية مكثفة بدأها الثلاثاء بزيارتين غير معلنتين إلى السعودية وعُمان، التقى خلالهما ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والسلطان هيثم بن طارق. وبحث البرهان في المنامة جهود التوصل إلى "وقف دائم لإطلاق النار" والحفاظ على وحدة السودان وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية. وتتزامن الجولة، وفق تسريبات نقلتها مصادر دبلوماسية لموقع "النيلين"، مع نقاشات إقليمية خلف أبواب مغلقة تبحث "إمكانية ما بعد البرهان"، وطُرحت خلالها أمام جهاز استخبارات إقليمي أسئلة مباشرة حول "الأسماء القادرة على قيادة مرحلة انتقالية" داخل المؤسسة العسكرية السودانية.
الرأي
تكشف الجولة أن المسار التفاوضي السوداني دخل طوراً جديداً، متجاوزاً جمود "الرباعية الدولية" و"منبر جدة" إلى قنوات خليجية مغلقة، تجمع البرهان بعواصم مؤثرة بعيداً عن الأضواء؛ الرياض باعتبارها الراعي التقليدي للمسار، ومسقط بوصفها قناة تواصل هادئة مع أطراف إقليمية حساسة، والمنامة التي تحاول تثبيت نفسها منصة تفاوضية بديلة بعد تسريبات عن مباحثات سرية بين الجيش والدعم السريع برعاية أمريكية-أوروبية.
وتأتي الجولة في سياق ضاغط على الطرفين؛ فالدعم السريع يواجه انشقاقات متتابعة أضعفت موقع حميدتي التفاوضي، فيما يجد البرهان نفسه أمام ضغوط خارجية متصاعدة، خاصة بعد رفع واشنطن حظر السلاح عن إثيوبيا وتجاهلها الاتهامات السودانية لأديس أبابا بفتح أراضيها أمام المسيّرات. كما تتقاطع تسريبات "ما بعد البرهان" مع تعييناته العسكرية الأخيرة، وفي مقدمتها تعيين ياسر العطا رئيساً للأركان، بما يعزز مخاوف إقليمية من عودة التيار الإسلامي إلى مركز القرار العسكري.
المفارقة أن البرهان يتحرك دبلوماسياً لتثبيت موقعه وكسب الوقت، بينما تبدو بعض القوى الإقليمية منشغلة باختبار بدائل داخل المؤسسة العسكرية تضمن بقاء الجيش كمظلة شرعية مع تغيير رأس القيادة. فالرياض تبحث عن تسوية تحفظ تماسك الجيش وتمنع تمدد الفوضى نحو البحر الأحمر، ومسقط تستثمر دور الوسيط الهادئ لاستيعاب تقاطعات الملفين الإثيوبي والإماراتي، فيما تسعى المنامة إلى تكريس موقعها كعاصمة تفاوضية صاعدة في الملف السوداني.
وعليه، تبدو الاحتمالات القريبة محصورة بين ثلاثة مسارات: نجاح البرهان في انتزاع دعم خليجي لموقعه مقابل مرونة في التعاطي مع خارطة طريق برلين أو مسار المنامة؛ أو استمرار الضغط الإقليمي الهادئ لتهيئة انتقال داخل المؤسسة العسكرية؛ أو اختبار قبول البرهان بترتيبات "ما بعد الحرب" التي تمنحه ضمانات شخصية مقابل تنازلات في ملفي السلاح والإسلاميين. ويبقى الأهم هو مراقبة ما إذا كانت الجولة ستُتبع بإعلان رسمي عن مسار تفاوضي بحريني، وكيف ستتعامل القاهرة وأبوظبي مع ترتيبات تبدو حتى الآن وكأنها صُمّمت من خارجهما.