المصدر: معهد القدس للاستراتيجية والأمن (JISS)
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
مقدمة
يعتمد الأمن والاستقرار طويل الأمد ليس فقط على منع التهديدات بل على صياغة مصالح مشتركة تجعل الاستقرار مصلحة لجميع الأطراف؛ فالأمن القومي يرتكز على القوة العسكرية لكنه يشمل أيضًا الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئة الإقليمية المحيطة بالدولة. وبينما يظل التفوق العسكري ومراقبة المناطق الحدودية عنصرين أساسيين في الأمن "الإسرائيلي"، فإن التحولات الإقليمية تستدعي إضافة بُعد جديد يتمثل في الأمن الاقتصادي؛ أي دمج المصالح الاقتصادية في الحسابات الأمنية بما يزيد حوافز الدول للتعاون والاعتماد المتبادل بدلًا من المواجهة.
ففي الشرق الأوسط، حيث تمثل المياه والطاقة والغذاء والنقل وفرص العمل قضايا حيوية، يمكن للمشروعات الاقتصادية الكبرى أن تؤدي وظائف أمنية. وتندرج في هذا الإطار مشروعات مثل "الممر الاقتصادي" بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا "IMEC"، وصادرات الغاز إلى مصر، ومشروعات المياه والتحلية، وإنتاج الطاقة الخضراء، وإعادة تأهيل نهر الأردن، ومشروعات الربط بين البحر المتوسط والبحر الميت.
في هذا الإطار، يُظهر مشروع "IMEC" كيف يمكن للبنية التحتية التجارية واللوجستية والطاقة والاتصالات أن تنشئ شبكة مصالح مشتركة، تربط الهند ودول الخليج والأردن و"إسرائيل" وأوروبا، ويمكن لمشروعات المياه والطاقة أن تؤدي وظيفة مماثلة مع الأردن بما يعزز الاستقرار على حدود "إسرائيل" الشرقية. وهذه المشروعات لن تقضي على العداء أو "الإرهاب"، لكنها قد ترفع تكلفة زعزعة الاستقرار وتزيد دوافع التعاون، كما تُعتبر جزءًا من تنافس دولي أوسع؛ فالصين تدفع بمبادرة "الحزام والطريق" بينما تدعم الولايات المتحدة إطارًا منافسًا يمثل "IMEC" أحد مكوناته؛ وفي هذا السياق يمكن أن تصبح "تل أبيب" حلقة وصل مركزية في شبكة إقليمية للتجارة والطاقة والنقل.
من ناحية أخرى، تكتسب الحدود الشرقية ووادي الأردن أهمية خاصة لـ"إسرائيل" عسكريًا وبيئيًا واقتصاديًا؛ فقد تراجع تدفق نهر الأردن الأدنى بشدة كما ينحسر البحر الميت بنحو متر سنويًا، في الوقت الذي يواجه فيه الأردن أزمة مياه حادة. وتخلق هذه التحديات، إلى جانب التقدم "الإسرائيلي" في التحلية والطاقة، فرصةً لربط المياه والطاقة والبيئة والتنمية بالأمن القومي.
الاقتصاد كأحد مكونات الأمن القومي والإقليمي
لا يقتصر الأمن القومي على القدرة على استخدام القوة بل يشمل أيضًا تشكيل بيئة إقليمية مؤاتية وتقليل دوافع المواجهة وتعزيز استقرار الدول المجاورة؛ فالدولة التي تستفيد من التجارة والمياه والطاقة وفرص العمل تكون أكثر حرصًا على الحفاظ على الاستقرار، في حين أن الفقر والبطالة وشح المياه وضعف الحوكمة قد تزيد احتمال التهريب والتطرف وعدم الاستقرار.
ويبرز الأردن مثالًا واضحًا في هذا الإطار؛ فاستقراره مصلحة أمنية "إسرائيلية" مباشرة، فكونها الأضعف والأكثر فقرًا والأشد تعرضًا لأزمة المياه سيجعلها أكثر عرضة للضغوط الداخلية والخارجية والنفوذ الإيراني والنشاط "الإرهابي". أما إذا ارتبط الأردن بمشروعات إقليمية توفر له المياه والطاقة والنقل والتجارة، فسيكون لديه حافز أقوى للحفاظ على الترتيبات الأمنية القائمة.
بالمقابل، لا يمكن أن يحل الاعتماد الاقتصادي المتبادل محل الاستخبارات أو مراقبة الحدود أو القوة العسكرية، لكنه يضيف طبقة من الردع؛ فالهجوم أو التصعيد الذي يهدد إمدادات المياه والطاقة وممرات التجارة والمشروعات الممولة دوليًا سيترتب عليه ثمن سياسي واقتصادي أكبر. وكلما زاد عدد الحكومات والشركات والمؤسسات المالية المستفيدة من الاستقرار ارتفعت كلفة تقويضه. ويقدم مشروع "IMEC" نموذجًا عمليًا لذلك؛ إذ يمكن أن يربط الهند والخليج والأردن و"إسرائيل" وأوروبا عبر الموانئ والسكك الحديدية والطرق والطاقة والاتصالات. وقد يحوّل ذلك "إسرائيل" من مجرد نقطة عبور إلى مركز إقليمي، بينما يستفيد الأردن من الإيرادات وفرص العمل والنفوذ الاقتصادي.
ولكي تتحول إلى أدوات أمنية يجب أن تكون هذه المشروعات:
· كبيرة بما يكفي لتغيير حسابات الدول،
· وأن تحمي المصالح الأمنية "الإسرائيلية"،
· وأن توفر فوائد ملموسة للدول المجاورة خصوصًا الأردن،
بحيث لا تبدو مشروعات أحادية الجانب، ومن ثم يتطلب الأمن عبر الاقتصاد تخطيطًا دبلوماسيًا وهندسيًا وأمنيًا متكاملًا.
مشروع نقل المياه بين البحر المتوسط والبحر الميت
طُرحت فكرة نقل المياه بين البحار منذ أكثر من قرن وتركزت المقترحات على نقل المياه من البحر المتوسط أو البحر الأحمر إلى البحر الميت، مع الاستفادة من فروق الارتفاع لتوليد الطاقة أو تخزينها، وتحلية جزء من المياه لتلبية احتياجات "إسرائيل" والدول المجاورة وإبطاء تراجع مستوى البحر الميت. ويواجه البحر الميت أزمة بيئية حادة؛ إذ ينخفض منسوبه بنحو متر سنويًا نتيجة تحويل مياه نهري الأردن واليرموك والاستخدام المتزايد للمياه في دول المنطقة. وقد أدى ذلك لانتشار الحفر الانهدامية وتضرر البنية التحتية والسياحة وتدهور النظام البيئي، كما فقد نهر الأردن الأدنى معظم تدفقه التاريخي وأصبح في أجزاء كبيرة منه مجرى مستنزفًا أو ملوثًا.
ومن الممكن أن يحقق نقل المياه فوائد مزدوجة؛ تحلية جزء من المياه وتوفيرها لكل من "إسرائيل" والأردن، وإنتاج الطاقة من خلال فروق الارتفاع، مع إمكانية دمج الطاقة الشمسية في منظومة إقليمية للمياه والطاقة الخضراء. لكن بعض المقترحات السابقة أثبتت عدم جدواها الاقتصادية، ما يستدعي تقييم البدائل الحالية بصورة واقعية. وتبرز أهمية المياه أمنيًا من تجربة "حرب المياه" في ستينيات القرن الماضي، عندما أصبحت منابع نهر الأردن محورًا للتوتر بين "إسرائيل" والدول العربية. والدرس الأساسي هنا هو أن المياه ليست موردًا مدنيًا فحسب بل يمكن أن تتحول إلى أداة ضغط وهدف للتخريب ومصدر للتصعيد. أما بالنسبة للأردن، فإن توفير مياه محلاة موثوقة وبسعر متفق عليه وضمانات دولية يمكن أن يصبح مصلحة حيوية لعمّان، مقابل تعزيز التعاون الأمني وحصول "إسرائيل" على حدود شرقية أكثر استقرارًا.
استعادة نهر الأردن وإنشاء منطقة عازلة أمنية في وادي الأردن
ينبغي التعامل مع استعادة نهر الأردن الأدنى باعتباره مشروعًا أمنيًا وبيئيًا في الوقت نفسه؛ فالنهر المتدفق والمدار والمراقب يمكن أن يشكل عنصرًا من منطقة عازلة طبيعية، ويصعّب عمليات التسلل والتهريب ويعزز السيطرة والمراقبة على الحدود. ولا ينبغي أن يكون النهر حاجزًا مستقلًا، بل يجب دمجه في منظومة حدودية ذكية تشمل الطرق والأسوار وأجهزة الاستشعار والكاميرات والطائرات المسيّرة والتعاون الاستخباراتي مع الأردن.
كما ينبغي الفصل بين المياه المباعة للأردن للاستهلاك والمياه المخصصة لإعادة تأهيل نهر الأردن؛ بحيث تنتقل الأولى عبر خطوط أنابيب مغلقة بينما تبقى الثانية مخصصة للنهر وتخضع للمراقبة البيئية والأمنية.
الخلاصة
لا يمثل الأمن عبر الاقتصاد بديلًا عن القوة العسكرية بل مضاعفًا لها، وستظل "إسرائيل" بحاجة لجيش قوي واستخبارات فعالة ومراقبة حدود وردع موثوق، لكنها تحتاج في الوقت نفسه لتعزيز استقرار الأردن وخلق واقع تصبح فيه مكاسب التعاون أكبر من مكاسب المواجهة. وتوفر الحدود الشرقية ساحة مناسبة لتطبيق هذا النهج؛ فالأردن يحتاج للمياه و"إسرائيل" تحتاج لحدود مستقرة وطاقة إضافية، والبحر الميت يحتاج لحلول بيئية ونهر الأردن يحتاج لإعادة تأهيل، بينما تبحث الجهات الدولية عن مشروعات في مجالات المناخ والمياه والطاقة، ويمكن جمع كل هذه المصالح في منظومة واحدة تحول الحدود من منطقة للمخاطر إلى منطقة للمنافع المتبادلة.
ويمتد هذا المنطق إلى ما هو أبعد من الأردن؛ فقد أظهرت "اتفاقيات أبراهام" أهمية المصالح الاقتصادية والتكنولوجية والطاقة والسياحة في دعم استمرار العلاقات خلال فترات التوتر. وينطبق الأمر كذلك على مصر؛ حيث أصبح الغاز عنصرًا مهمًا في العلاقة الاستراتيجية، وعلى "IMEC" الذي يمكن أن يدمج "إسرائيل" في شبكة أوسع من التجارة والطاقة والنقل والاتصالات.
وعليه، فإن الأمن طويل الأمد لا يتحقق فقط بمنع التهديدات بل بصياغة المصالح المشتركة كذلك؛ فعندما تتدفق المياه وتُولّد الطاقة وتتحرك التجارة وتخضع الحدود للمراقبة وتستفيد الدول اقتصاديًا من الهدوء، يصبح الاستقرار أكثر رسوخًا. ومن هذا المنظور، ينبغي أن يكون الاقتصاد والبنية التحتية والبيئة عناصر متكاملة في العقيدة الأمنية "الإسرائيلية"، وهذا هو جوهر مفهوم "الأمن عبر الاقتصاد".