المصدر: نيو لاينز إنستيتيوت
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
مع تصاعد الحرب في غزة وتدهور الأوضاع الإنسانية، انتقل النقاش حول "اليوم التالي" من إطار التكهنات طويلة المدى إلى حيز الدبلوماسية العاجلة؛ حيث قبلت كل من "إسرائيل" وحماس الإطار الذي نُظَّم في مرحلتين رئيسيتين؛ ركزت الأولى على وقف القتال، وصول المساعدات الإنسانية مع مراقبة مشددة، وبدء إطلاق سراح الأسرى ضمن ترتيب تبادلي محدد زمنيًا. أما المرحلة الثانية فتمثل تحديًا أكثر تعقيدًا في ترتيب الخطوات؛ حيث تتعلق بتحويل الاستقرار المؤقت إلى نظام أمني دائم وبنية حكم قابلة للحياة تشكل نظام ما بعد الصراع في القطاع.
وتشير المرحلة الثانية إلى مرحلة التنفيذ المتنازع عليها في غزة؛ حيث تُحوَّل شروط الوضع النهائي إلى إجراءات عملية: وقف إطلاق نار دائم وانسحاب "إسرائيل" إلى ما بعد "الخط الأصفر"، وانتقال في الحوكمة ينهي دور حماس، ومسار يتعلق بالأسلحة مرتبط بتسلسل إعادة الإعمار، وضمانات أمنية تتراوح بين مطالب "إسرائيل" القصوى بنزع السلاح ومقترحات الوسطاء بتجميدها ومراقبتها. وهذه العناصر موضع خلاف بين الأطراف الرئيسية، بما فيها "إسرائيل" وحماس والوسطاء والجهات المحتملة لتولي الحكم، حول معنى "الانسحاب" و"الحوكمة بعد حماس" وترتيبات الأسلحة عمليًا وعلى أي جدول زمني.
ولا يمكن تحقيق الاستقرار في غزة عبر الاستخبارات التكتيكية والضوابط العملياتية وحدها؛ بل يتطلب ذلك شرعية سياسية تستنير بالرؤى الاستخباراتية دون أن تُستبدل بها. والسؤال الأساسي هو إذا كان التقدم في المرحلة الثانية يُقاس بمؤشرات السيطرة؛ (المراقبة وتقسيم المناطق وقواعد الوصول) التي تفضلها العقيدة العسكرية "الإسرائيلية"، أم بمؤشرات الحوكمة؛ (تفويض واضح وسلطة معترف بها ووأفق انتقال موثوق) التي يفضلها الوسطاء، لأن الأولى يمكن أن تتقدم سريعًا بينما تبقى الثانية محل نزاع. كما إن هناك معضلة أخرى بالمرحلة الثانية تتمثل في مشكلة الترتيب الزمني؛ إذ يمكن أن يتقدم تنفيذ الأمن العملياتي عبر إدارة الوصول والتحكم بالممرات والإدارة متعددة الطبقات، بينما يبقى الأساس السياسي موضع خلاف.
بنى ما بعد الحرب المتنافسة
في هذا السياق، تتنافس عدة نماذج لما بعد الحرب بالتوازي؛ ففي القمة العربية الطارئة بالقاهرة قدمت مصر تصورًا كاملًا للمرحلة الثانية، يقرن خطة إعادة إعمار مرحلية ذات تسلسل تقني بإطار عربي لتوجيه المساعدات وترتيب حوكمة تكنوقراطية ضمن توافق فلسطيني، وهو ما رفضته "إسرائيل"، بينما رد البيت الأبيض بخطة بديلة مفصلة تضمنت مجموعة جديدة من القواعد صيغت لاحقًا في اتفاق شرم الشيخ. كما قدمت المبادرة الأمريكية هيكلًا لما بعد الحرب تضمن اقتراح "مجلس سلام" دولي، إلى جانب إطار رسمي يبدأ بالإعلان عن تشكيل لجنة وطنية لإدارة غزة. وهكذا انتقل الخلاف العملي إلى تنفيذ المرحلة الثانية؛ حيث يتشكل التسلسل عبر حدود أمنية داخلية وإدارة الوصول ومسار حوكمة انتقالي قائم على إشراف دولي ولجنة تكنوقراط مستقلة بتوافق فلسطيني، ونقل مؤسسي مرحلي ومعايير مرتبطة بالأسلحة تُستخدم كورقة ضغط على جداول إعادة الإعمار.
عمليًا، دفع الوسطاء نحو صيغة وسط تربط فهمًا أوليًا على مستوى المبادئ بشأن نزع سلاح حماس، دون آليات تنفيذ متفق عليها، بانسحاب "إسرائيلي" وعدم تدخل في الإدارة الداخلية، مع إبقاء قرارات إعادة الإعمار مرتبطة بالتعهدات الدولية، والحد من دور رسم الحدود الأمنية الداخلية في تحديد جغرافيا إعادة البناء. كما سعى الوسطاء لصيغة انتقالية تستوعب قبول المبادرة الأمريكية من حيث المبدأ، مع ترك الآليات التشغيلية لمفاوضات لاحقة، وما زال هذا التنافس في الرؤى يثني المانحين عن النظر في إعادة إعمار القطاع.
حدود السيطرة الأمنية
مع انتقال الوسطاء إلى المرحلة الثانية، تتمثل نقطة الاحتكاك الرئيسية في أي آليات تنفيذ تُمنح الأولوية؛ هل تعمل هندسة الإنفاذ المحددة عبر التحكم بالوصول والمراقبة وإدارة الممرات كجسر نحو مسار سياسي مفوض، أم تصبح بديلًا عنه؟ وتبرز مشكلة الترتيب الزمني بسبب إصرار رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، العلني على أن "إسرائيل" ستحتفظ بـ"السيطرة الأمنية" من نهر الأردن إلى البحر، بما في ذلك غزة، وبسبب طرحه نزع السلاح كشرط مسبق لإعادة الإعمار. وقد يؤدي هذا الترتيب الأمني أولًا إلى تسريع مؤشرات السيطرة قبل الاتفاق على مسار انتقال سياسي، ما يزيد من خطر أن تحل هندسة الإنفاذ محل الحوكمة الدائمة وتنجرف السياسة تبعًا لذلك.
انحراف السياسات وفجوة الشرعية
إن الآلية المثيرة للقلق هي انحراف السياسات؛ إذ يمكن لإجراءات الإنفاذ المدعومة بالاستخبارات ومخرجات السيطرة القابلة للقياس أن تتقدم، بينما تبقى الشرعية والتفويض والتماسك الاجتماعي محل نزاع. وفي غزة يتفاقم هذا الخطر عندما يسبق التنفيذ الأمني وجود مسار سياسي موثوق، ما يسمح لهندسة الإنفاذ بأن تحل محل الحوكمة الدائمة. وتتفاقم هذه الفجوة بسبب استمرار رفض "نتنياهو" أي دور للسلطة الفلسطينية في حكم غزة، ما يترك أساس الشرعية السياسية لما بعد الحرب غير محسوم رغم تقدم الترتيبات العملياتية.
وقد ركزت النقاشات الأخيرة حول المرحلة الثانية غالبًا على التنفيذ الأمني؛ تصاريح الحركة وإدارة الممرات وترتيبات منع الاحتكاك، قبل توضيح من سيحكم وتحت أي تفويض. وهذا مهم لأن اللجنة التكنوقراطية ما زالت غير محددة عمليًا ولم تُحدد صلاحياتها بوضوح، وغالبًا ما تُعزل عن الملفات الجوهرية التي تحدد قدرتها على بناء الشرعية، بما فيها إعادة الإعمار والأمن الداخلي وأي ترتيبات مستقبلية للأسلحة. ودون تفويض يربط تقديم الخدمات بسلطة فعلية، يمكن للهياكل الإدارية متعددة الطبقات أن تعمل تحت قيود لكنها لا تغير بيئة السيطرة الأساسية، ما يزيد خطر عدم الاستقرار. وعلى العكس، فإن مسار حوكمة فلسطيني غير فصائلي وموثوق قادر على التطور إلى مؤسسات دولة تحتكر القوة قد يوفر طريقًا إلى الشرعية التي تفتقر إليها المرحلة الثانية حاليًا.
دروس من تجارب تاريخية
تُظهر تجارب العراق وأفغانستان كيف يمكن لنشاط استخباراتي وأمني واسع أن يتعايش مع ضعف في النتائج السياسية، إذا لم تتوافق الافتراضات وتسلسل القرارات مع الديناميكيات السياسية والاجتماعية على الأرض؛ ففي العراق أدت قرارات ما بعد 2003 لتفكيك الاستمرار المؤسسي قبل بناء نظام شرعي بديل. وفي أفغانستان لم يمنع عقدان من النشاط الأمني المكثف الانهيار السياسي السريع عام 2021، وفي الحالتين لم تؤد زيادة جمع المعلومات إلى تحسين نماذج فهم الشرعية والتماسك. وبالتالي، فإن أحد الأخطاء المتكررة هو تحيز القياس الكمي؛ حيث تُفضَّل المخرجات القابلة للقياس، الضربات والمصادرات والمناطق المسيطر عليها والتصاريح، على متغيرات تتنبأ بالاستدامة مثل الشرعية والقبول والتماسك والمصداقية المؤسسية.
مشكلة المرحلة الثانية
ثمة عاملان يزيدان مخاطر غزة:
أولًا: أن يتم تشكيل المرحلة الثانية كتنفيذ تدريجي لا كتسوية شاملة؛ إذ يمكن أن تتقدم إدارة المعابر واللجان الإدارية وآليات إعادة الإعمار دون حسم الجوهر السياسي، وفي مثل هذه التصاميم يُقاس التقدم عادة بمؤشرات السيطرة لا الشرعية.
ثانيًا: تظهر مؤشرات ميدانية على تشدد "إسرائيلي" على الحدود؛ حيث أظهرت صور أقمار صناعية تحريك "إسرائيل" ترسيم "الخط الأصفر" وبناء تحصينات قريبة منه، ما يثير مخاوف من تحوله إلى حاجز فعلي يعمّق الفصل بين شمال غزة وجنوبها. كما أشارت تقارير ميدانية إلى قيام القوات "الإسرائيلية" بتعزيز مواقعها عبر سواتر ترابية وأسلاك شائكة ونقاط تمركز، وهي إشارات إلى بنية إنفاذ قد تتجاوز المفاوضات السياسية.
عنق زجاجة الشرعية
تُظهر تقارير حديثة أن أول اجتماع للجنة التكنوقراط تأخر بسبب خلافات حول تعيين عضوين، منهما ضابط استخبارات سابق مكلف بملف الأمن الداخلي، ما يبرز أن سلطة التوقيع على الملف الأمني موضع نزاع منذ البداية، وهذا أمر مهم لأن تصميم الأمن المتنازع عليه يمكن أن يتحول سريعًا إلى كلفة شرعية. فإذا فُسّر الأمن الداخلي كامتداد لمنطق إنفاذ خارجي لا كحفظ للنظام العام تحت سلطة معترف بها، سيصبح الامتثال مشروطًا وتتصاعد الشكوك الفصائلية. وقد أقر "نتنياهو" علنًا بأن إسرائيل "فعّلت" بعض العشائر الفلسطينية المناهضة لحماس، ما يوضح كيف يمكن لوكلاء مسلحين أن يدخلوا فضاء الحوكمة الأمنية في ظروف الحرب.
كما يتقاطع ذلك مع إصرار السلطة الفلسطينية على أن أي لجنة تكنوقراط يجب أن تخضع رسميًا لسلطة حكومية فلسطينية معترف بها، عبر خطوط قيادة واضحة وقرارات رئاسية صريحة. وعمليًا، تصبح التكنوقراطية مشكلة سلطة توقيع؛ فلا تستطيع اللجان توليد سلطة مستدامة إن لم تُظهر تفويضًا قانونيًا وسيطرة وظيفية ومسارًا متفقًا عليه نحو حوكمة موحدة.
نزع السلاح كورقة ضغط
يزيد "ترتيب الأمن أولًا" من الضغوط لأن نزع السلاح أصبح رافعة مركزية في ملف الوساطة، تعيد ترتيب قرارات الانسحاب والوصول وإعادة الإعمار ونقل مهام النظام العام. وإذا صيغ نزع السلاح كحق نقض دائم لا كنتيجة أمنية ضمن مسار حوكمة مفوض، فقد يصبح محركًا لانجراف استراتيجي. وما زالت المرحلة الثانية متعثرة بسبب قضايا غير محسومة، منها نزع السلاح والانسحاب الإضافي، ما يعزز دوافع التأجيل والتنفيذ الانتقائي. وقد شدد مسؤولون "إسرائيليون" مرارًا على ضرورة نزع سلاح حماس وضمان "إسرائيل" للأمن في غزة.
والخطر هنا معروف ومتكرر؛ فإذا طُلب نزع السلاح قبل وجود مسار سلطة موثوق فإن القدرة المسلحة تحتفظ بقيمتها السياسية وقد تتكيف بدلًا من أن تختفي، عبر أدوار إنفاذ "مدنية" أو شبكات مُعاد تسميتها قرب الحوكمة مثلًا. وفي مثل هذه البيئة قد تعيد المعايير القصوى أو غير المحددة زمنيًا منطق "الحسم العسكري"، ما يبرر استمرار العمليات وتأجيل الانسحاب ويجعل هندسة الإنفاذ التعريف الفعلي للتقدم.
بالمقابل، هناك مسار أكثر استدامة سياسيًا هو التعامل مع نزع السلاح كنتاج أمني مُدار لا كشرط مانع دائم، فهناك بعض المقترحات لتجميد الأسلحة أو تخزينها تحت رقابة، وهو نهج إذا صُمم بمصداقية وضمانات قد يقلل المخاطر ويمنع تعطيل التنفيذ. والعامل الحاسم هنا هو الشرعية؛ فحين يظهر ترتيب انتقالي مفوض بقواعد متوقعة وقدرة على حل النزاعات وحماية المدنيين، قد تتراجع الفائدة السياسية للسلاح مع الزمن.