المصدر: ناشيونال إنترست
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
هل يُعدّ التحالف الدفاعي التركي–السعودي–الباكستاني الجديد محاولة لتأسيس "ناتو إسلامي" أم تخريبًا استراتيجيًا ذاتيًا؟
قد يبدو إنشاء "ناتو إسلامي" تقوده تركيا وباكستان والسعودية فكرة جريئة وجديدة في مرحلة من "إعادة الاصطفاف" في الشرق الأوسط، لكن لا ينبغي التعامل معها على أنها مجرد تحالف إقليمي رمزي جديد؛ فهذا التقارب الثلاثي ينطوي على خطر ظهور التزامات أمنية متعارضة. ففي حال توقيع اتفاق دفاعي قد يواجه الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي "الناتو" حالة من عدم الانسجام الاستراتيجي، إذا تباينت التزامات أنقرة عن أولويات الحلف بما يضع تحديات أمام التنسيق مع واشنطن والشركاء الأوروبيين.
ونظرًا لكون باكستان دولة نووية، فقد يسهم هذا الاتفاق في تكريس غموض استراتيجي، حتى إن لم تمتد اللغة الرسمية للاتفاق لتشمل مظلة نووية باكستانية لحلفائها، فإن مجرد تصوّر وجود دعم نووي محتمل للسعودية ولا حقًا لتركيا قد يزيد من هشاشة الاستقرار في الأزمات ويرفع مخاطر سوء التقدير. ومن بين الدول غير الراضية عن هذا المسار تبرز الهند، فعلاقتها المتوترة مع باكستان ظاهرة للعيان. وقد عبّرت الهند بالفعل عن قلقها إزاء بروز الاتفاق السعودي–الباكستاني الموقّع في سبتمبر/ أيلول 2025، وإضافة تركيا التي تشهد علاقاتها مع الهند توترًا قائمًا قد يفاقم المنافسة الاستراتيجية عبر الممر الأوسع الذي يربط الهند بالشرق الأوسط.
والأكثر إثارة للقلق في هذا السياق هو أن يُنظر إلى هذا الاتفاق بين الدول الإسلامية الثلاث، وربما يُسوَّق، بوصفه مبادرة توازن مقابل "إسرائيل" ولدول "اتفاقيات أبراهام"، وهو ما يشكل بدوره دافعًا لتشديد التنافس الأمني في عموم المنطقة، بما قد "يزعزع توازنات هشة أصلًا، ويقوض أطر الردع القائمة، ويرفع بشكل حاد المخاطر على إسرائيل والمصالح الغربية".
لأيّ "ناتو" ستدين تركيا بالولاء؟
سيكون من النفاق الادعاء بأن تركيا مُحرَّم عليها السعي إلى تحالفات استراتيجية خارج إطار "الناتو"؛ فبعض أهم حلفاء الولايات المتحدة ليسوا أعضاء في الحلف، لكن انضمام أنقرة إلى اتفاق دفاعي مع الرياض وإسلام آباد (العاصمة النووية) يمثل تضارب مصالح خطير، رغم إصرار بعض المحللين على أن القلق من تراجع التزام تركيا بـ"الناتو" لا يصيب جوهر الأمر.
إن اهتمام الرئيس التركي "أردوغان" بما يُسمّى "الناتو الإسلامي" يستند إلى رغبته في المناورة ضد الحلف الذي كانت تركيا طرفًا فيه منذ 74 عامًا، وهذا التملّص ورفض تحمّل المسؤولية يعكس تباعدًا واضحًا عن اتفاقيات الدفاع المشترك التي سعت واشنطن لبنائها خارج إطار "الناتو"، وهو ما يشكّل مشكلة كبرى لثلاث أولويات أساسية للحلف عالميًا؛ حماية الديمقراطية ومنع الانتشار النووي ومكافحة "الإرهاب".
قد لا تكون الرياض وإسلام آباد خصمين صريحين لـ"الناتو"، لكن سعي أنقرة لبناء تحالف دفاعي مشترك معهما يُعد استهزاءً بالمرتكزات التأسيسية لـ"الديمقراطية والحرية الفردية وسيادة القانون" المنصوص عليها في معاهدة "الناتو" عام 1949. وبدلًا من ذلك، قد يتطور هذا الاتفاق الدفاعي الجماعي الناشئ إلى منظومة معاهدات لفرض هيمنة غير ديمقراطية في الشرق الأوسط، تتجاهل (بل وتعارض مع) مصالح الولايات المتحدة و"الناتو" و"إسرائيل" وشركاء ديمقراطيين آخرين.
وفي سعيه لترتيب أمني جماعي بديل يدمج القاعدة الصناعية الدفاعية التركية مع السلاح النووي الباكستاني، قد يحاول "أردوغان" بالفعل تعزيز القوة التركية عبر الاقتراب من القنبلة النووية. فالشراكة مع دولة نووية مضطربة لها تاريخ في بيع أسرار نووية (ويكفي أن يُستحضر اسم عبد القدير خان)، تقرب أنقرة من الالتفاف على معاهدة عدم الانتشار النووي. ولطالما اشتكى "أردوغان" من أنه "لا يستطيع القبول" بإصرار "الناتو" على ألا تمتلك أنظمته السلطوية وغيرها مثل هذه الأسلحة.
وإذا وضعت تركيا رؤيتها للدفاع والأمن ضمن هذا المحور الجديد، فإن مهمة "الناتو" في مكافحة "الإرهاب" ستكون من أكبر الخاسرين، نظرًا للسجل الضعيف للغاية لما يُسمّى "الناتو الإسلامي". فبعد وقت قصير من اندلاع الحرب في أفغانستان، والتي قُتل فيها آلاف جنود الحلف، تحولت باكستان إلى ملاذ لحركة "طالبان" وتنظيم "القاعدة". فقد أمضى "أسامة بن لادن" سنوات مختبئًا في باكستان بعلم وموافقة ضمنية من الاستخبارات الباكستانية، في حين أنفقت واشنطن مليارات الدولارات لدعم إسلام آباد في مجال مكافحة "الإرهاب".
حتى في غياب تضارب الولاءات، قامت تركيا في عهد "أردوغان" بتقويض الجهود العالمية لمكافحة "داعش" في كل منعطف، ولا ينبغي نسيان كيف سمح "أردوغان" للمقاتلين الجهاديين الأجانب بالتدفق عبر تركيا إلى العراق وسوريا على نطاق واسع، أو كيف "ردّ" على صعود "داعش" بمهاجمة الأكراد السوريين، الذين كانوا من آخر خطوط الدفاع في وجه "خلافة" القتل.
فرصة ذهبية للصين
لم يكن للصين تاريخيًا حضور عسكري يُذكر في الشرق الأوسط، وهو ما حال دون انخراط الولايات المتحدة في نمط من منافسة القوى الكبرى شبيه بما تواجهه في منطقة المحيطين الهندي والهادي، فقد انصب اهتمام بكين بدلًا من ذلك على مشاريع "مبادرة الحزام والطريق" عبر المنطقة. وبالنظر إلى دور باكستان في هذه الشبكة، فإن "الحزب الشيوعي الصيني" مرشح للاستفادة من هذا الاتفاق الدفاعي، بما يهدد بتعزيز نفوذ بكين في الشرق الأوسط إلى مستوى جديد. وفي ظل اتساع مهام الولايات المتحدة في بناء السلام الإقليمي ومكافحة "الإرهاب" ومنع الانتشار النووي، فإن واشنطن لا تحتاج إلى مزيد من تهديدات منافسة القوى الكبرى.
ومن الصعب المبالغة في تقدير حجم النفوذ العسكري الصيني في باكستان؛ ففي عام 2024 جاء 81% من واردات باكستان من الأسلحة من الصين، فيما تزداد إسلام آباد وبكين تقاربًا في مواجهة تنامي العلاقات بين الولايات المتحدة والهند. وهذا الاعتماد يجعل من باكستان منصة انطلاق للصين لاستغلال حصول "الناتو الإسلامي" على تقنيات عسكرية أمريكية وأطلسية.
ومن خلال منشآت "الحزام والطريق" في باكستان نشرت الصين متعاقدين عسكريين خاصين وعناصر من وزارة أمن الدولة (جهاز الاستخبارات الصيني)، وحولت الدولة الجنوب آسيوية بأكملها إلى موقع تنصت. ومع استعداد السعودية لاقتناء مقاتلات "إف-35" الأمريكية، إلى جانب طائرات "جيه إف-17" الصينية-الباكستانية، فإن التهاون مع التعاون الدفاعي الباكستاني–السعودي أو تبسيطه يقرّب الجواسيس الصينيين خطوة إضافية من أسرار عسكرية أمريكية حساسة.
من ناحية أخرى، فإن تقنيات وقدرات تركيا داخل "الناتو" ستكون عرضة للاختراق الاستخباراتي الصيني بالقدر ذاته، في ظل اتفاق دفاعي جماعي مع باكستان. وبصرف النظر عن سعي "أردوغان" المستمر للحصول على مقاتلات "إف-35"، فقد احتضن مبادرة الحزام والطريق وروّج لـ"الحلم التركي" بوصفه مسعى يسير جنبًا إلى جنب مع "الحلم الصيني" الذي يطرحه "شي جين بينغ" للهيمنة العالمية. وعليه فإن تبنّي "أردوغان" لوعود زائفة بنظام عالمي "خيّر" تحت رعاية بكين، مقترنًا بنزعته للطعن في حلفاء "الناتو"، ينبغي أن يقرع أجراس الإنذار على جانبي الأطلسي.