من شركاء إلى خصوم.. قراءة في الانقسام السعودي–الإماراتي وانعكاساته على المصالح الأوروبية

الساعة : 15:12
26 يناير 2026
من شركاء إلى خصوم.. قراءة في الانقسام السعودي–الإماراتي وانعكاساته على المصالح الأوروبية

المصدر: المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

تشهد العلاقات الدبلوماسية بين السعودية والإمارات تصدعًا كبيرًا، وهذا يحتّم على الأوروبيين فهم التأثير المحتمل لهذا الانقسام على مصالحهم الاقتصادية والسياسية. ففي ديسمبر/ كانون الأول 2025، شنّ "المجلس الانتقالي الجنوبي" المدعوم من الإمارات  في اليمن هجومًا واسعًا في محافظتي حضرموت والمهرة، وسيطر على أراضٍ رئيسية جنوب البلاد. وقد أدى قرب هذه المناطق من الحدود السعودية إلى تصعيد التوتر مع الرياض، التي اعتبرت هذه الخطوة تهديدًا لأمنها القومي وانتهاكًا للتفاهم القائم مع الإمارات. ودعت السلطات السعودية لاحقًا القوات الإماراتية إلى الانسحاب من اليمن، ونفذت ضربات على شحنات ومنشآت مرتبطة على ما يبدو بعمليات "الانتقالي".

والجدير بالذكر أن هذا التصدع يعكس تباعدًا جيوسياسيًا بين الرياض وأبوظبي يتجاوز اليمن؛ فقد تحولت الشراكة الخليجية العربية التي كانت منسقة بشكل وثيق إلى منافسة جيوسياسية، تتجلى في أنحاء متفرقة من الشرق الأوسط وأفريقيا والبحر الأحمر؛ حيث تتنافس الدولتان حاليًا على السيطرة على الموارد الاقتصادية والمعدنية والطاقة، وكذلك على التقنيات المهمة مثل الذكاء الاصطناعي. وفي جميع هذه المجالات، ستؤثر المنافسة السعودية–الإماراتية المتصاعدة بشكل مباشر على الحكومات الأوروبية التي تربطها مصالح استراتيجية مع البلدين، وعليه يتعين على الأوروبيين تجنب أن يصبحوا ساحات لهذه المنافسة، من خلال التعامل مع الخلاف بطريقة متوازنة والتركيز على الحد من تزايد الصراعات الإقليمية.

التداعيات الجيوسياسية الأوسع:

أولًا: تصدع الرؤية الخليجية:

في سبتمبر/ أيلول 2025 وبعد سنوات من انقطاع التواصل، زار رئيس الإمارات، محمد بن زايد، ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، عقب الضربة "الإسرائيلية" على قطر، ثم زار الدوحة لاستكشاف إمكانية إنشاء جبهة خليجية عربية موحدة وفعالة قادرة على الاستجابة للتحولات الجيوسياسية الإقليمية. لكن التصدع الحالي دمّر ذلك الزخم النادر الذي كان يهدف لتطوير "رؤية خليجية" مشتركة عبر المنطقة الأوسع، كما انهار التحالف الاستراتيجي السعودي–الإماراتي الذي كان قائمًا أصلًا على علاقات شخصية متوترة بين قادة الطرفين.

ومع ضعف إيران وتعثر القوى الإقليمية التقليدية مثل مصر في القيادة وانشغال تركيا في عدة مسارح جيوسياسية، كان من الممكن أن يخلق التنسيق بين أبوظبي والدوحة والرياض تحالفًا يقدم جبهة خليجية موحدة أمام العالم. لكن انعدام الثقة السياسية المستمر وسوء الظن المتبادل والشك في الأجندات المتوازية، أدى إلى تآكل الثقة المتبادلة، ثم جاءت التطورات الأخيرة في اليمن لتكرّس الانفصال، وليصبح البحر الأحمر المسرح الرئيسي للصراع، ولتعزز "إسرائيل" حضورها هناك في إطار سعيها لترسيخ طموحاتها الهيمنة الإقليمية.

ثانيًا: الحسابات الجيوسياسية للسعودية:

لو نجح هجوم "المجلس الانتقالي الجنوبي" في اليمن، لكان قد سيطر على مضيق باب المندب، وقد عرض المجلس، الذي تعتبره الرياض وكيلًا غير موثوق للإمارات، علنًا التطبيع والتعاون الأمني مع "إسرائيل" مقابل دعمه لطموحات استقلال جنوب اليمن. وكان لـ"إسرائيل" بالفعل بصمة استخباراتية على جزيرة سقطرى اليمنية، التي كانت حتى ديسمبر/كانون الأول الماضي تحت السيطرة الإماراتية. كما اعترفت "إسرائيل" مؤخرًا بجمهورية "أرض الصومال" الانفصالية مقابل الوصول العسكري، وهو ما يتقاطع مع الوجود الإماراتي الطويل في ميناء بربرة.

وفي السودان، تدعم السعودية القوات المسلحة السودانية والحكومة المركزية، بينما تدعم الإمارات قوات الدعم السريع التي تسيطر على جزء كبير من تجارة الذهب غير الرسمية ومسارات الداخل نحو البحر الأحمر، ولها علاقات مع "إسرائيل". وتقاوم السعودية الضغوط لتطبيع العلاقات مع "تل أبيب"، وتعتقد أن التقارب الاستراتيجي بين الإمارات و"إسرائيل" يمثل محاولة لتطويقها.

وبالتالي، ستواصل الرياض سعيها لقيادة الشرق الأوسط بهدف احتواء "إسرائيل" التي تزداد هيمنة، وإضعاف النفوذ الإماراتي. فعلى سبيل المثال، تنسق السعودية توسيع تحالفها الدفاعي مع باكستان باتجاه تركيا، وتضغط على مصر لتقييد المجال الجوي أمام رحلات الشحن الإماراتية التي تشك في أنها تزود قوات الدعم السريع في السودان، وفي الوقت نفسه تتوسط السعودية في نقل مقاتلات باكستانية إلى القوات المسلحة السودانية.

ثالثًا: تداعيات ذلك على الإمارات:

من جهتها، تمتلك الإمارات أيضًا نفوذًا كبيرًا في عواصم المنطقة، فضلًا عن ثقل دولي، وبعد توغل "الانتقالي الجنوبي"، نسقت كل من مصر وتركيا أولًا مع السعودية، ثم مع الإمارات لضمان الحفاظ على التوازن الجيوسياسي. وفي ظل هذه التطورات، تواجه دول مثل سوريا ولبنان والعراق وحتى فلسطين، التي تعتمد على عواصم الخليج لإعادة الإعمار وترتبط بالأجندة الأمنية "الإسرائيلية"، مخاطر تفاقم عدم الاستقرار بسبب الضغوط لاتخاذ موقف في الخلاف السعودي–الإماراتي.

وقد شهدت الإمارات تراجع "الانتقالي" أمام الضغط السعودي؛ وربما تختار أبوظبي الحذر الآن وتسعى لخفض التصعيد، لكنها لن تلتزم بالكامل بتفضيلات الرياض أو مصالحها الإقليمية. وربما تعمّق بهدوء تقاربها مع "إسرائيل" باعتبارها مضاعفًا استراتيجيًا في المنطقة؛ دولة تمتلك موارد وشبكات ونفوذًا يمكن أن يوسع نطاق شركائها. وسيسمح التقارب الإماراتي–"الإسرائيلي" الوثيق للسعودية بتصوير الإمارات على أنها تتحالف مع حكومة مسؤولة عن ارتكاب فظائع بحق الفلسطينيين، في وقت يتشكل فيه إجماع عربي على أن "إسرائيل"، وليس إيران، هي العامل الرئيسي لزعزعة الاستقرار في المنطقة، لكن هذا التقارب قد يؤمن بالمقابل دعمًا سياسيًا للإمارات من الولايات المتحدة.

في الواقع، تعززت ثقة السعودية في الانفصال العلني عن الإمارات بعد زيارة "بن سلمان" إلى واشنطن، حين أقنعت إدارة "ترامب" ولي العهد بأنه من غير المرجح أن يقف الرئيس إلى جانب أبوظبي في حال نشوب خلاف خليجي عربي. ومع ذلك، أثبتت الشبكات الإماراتية في واشنطن قدرتها على الصمود سابقًا، حتى في القضايا الحساسة للغاية مثل الصين وروسيا، ومن المرجح أن تتمكن من تجاوز أي حملات ضغط سعودية.

ماذا يعني هذا لأوروبا:

أولًا: التوازن وليس الحياد:

من المرجّح أن يحاول البلدان إشراك شركائهما الدوليين، مثل الصين والهند والولايات المتحدة والدول الأوروبية الرئيسية مثل فرنسا، في هذه المنافسة الجيوسياسية. لذلك، ينبغي على الأوروبيين التحرك بحذر، كما فعلوا خلال الأزمة الدبلوماسية مع قطر عام 2017. ورغم أن من غير المرجح أن يؤدي التصعيد إلى مقاطعة سياسية وحصار اقتصادي جديد، ينبغي للعواصم الأوروبية توقع مسار مشابه؛ توترات حادة على المدى القصير والمتوسط يتبعها في النهاية إعادة معايرة ومصالحة من المرجح أن تتحقق عبر تسوية تميل بشكل معتدل لصالح السعودية. لكن الإمارات اليوم في موقف أقوى مما كانت عليه قطر قبل ثماني سنوات، وقد يبالغ الأوروبيون في تقدير قدرة السعودية على تنظيم النتائج الإقليمية، خصوصًا عند مواجهة تحركات إماراتية مضادة.

ومع ذلك، فإن التوازن لا يعني الحياد؛ إذ يجب على الأوروبيين الانحياز لكل دولة عندما تكون مصالحهم الأساسية على المحك. فالسعودية تقدم الإمارات على أنها تدعم مشاريع انفصالية وتجزئة سياسية عبر وكلاء محليين وهياكل حكم موازية. بالمقابل، تميل الرياض بشكل متزايد إلى استقرار الدولة، حتى مع شركاء غير مثاليين، كوسيلة لتقليل التقلبات وتأمين الحدود، وهو ما يتوافق أكثر مع أولويات أوروبا.

وفي السودان، ينبغي على الأوروبيين دعم الضغوط السعودية الحالية لدفع السياسات الإماراتية نحو المساءلة عن جرائم الحرب التي ارتكبتها قوات الدعم السريع. وفي الأمن البحري والتهريب، تبدو السعودية في طريقها لتصبح شريكًا أكثر أهمية من الإمارات، لكن في مسألة القرصنة قد يكون العكس صحيحًا.

ثانيًا: حماية التجارة والاتصال:

لا شك أن الدور الأوروبي الأكبر في أمن البحر الأحمر سيكون ضروريًا لحماية الاتصال والمصالح الجيو-اقتصادية؛ فالتوترات السعودية–الإماراتية تعني أن التقدم في مسار الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، الذي يربط "إسرائيل" والأردن والسعودية والإمارات، غير مرجح. كما إن الانقسام السعودي–الإماراتي يعزز فكرة أن الأوروبيين ينبغي أن يدعموا فرعًا إضافيًا من هذا الممر، يستخدم عُمان كنقطة دخول باعتباره استراتيجية جيدة لتقليل المخاطر.

كما إن تعزيز الثنائية قد يكون مفيدًا للاتحاد الأوروبي أيضًا؛ لذلك ينبغي عليه استخدام عملية اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الجديدة لإعطاء الأولوية للتواصل الثنائي مع الرياض وأبوظبي، وتشجيع السعودية على الاستجابة لدعوة مفاوضات الشراكة الاستراتيجية، بما يوازي الاستجابة الإيجابية للإمارات. فتبني الاتحاد الأوروبي نهجًا ثنائيًا بدلًا من نهج إقليمي شامل تجاه الرياض وأبوظبي سيضعه في موقع أفضل، لتأمين محادثات ثنائية حول كل شيء من التجارة إلى الذكاء الاصطناعي.

أخيرًا، قد تتحول المنافسة السعودية–الإماراتية إلى مزاد نفوذ في إعادة الإعمار في غزة والعراق والسودان وسوريا واليمن، ومن المرجح أن تستمر الحاجة إلى الأموال الأوروبية في حين يتراجع النفوذ السياسي الأوروبي. ويحتاج الاتحاد الأوروبي إلى توجيه المنافسة البناءة في المنطقة، من خلال مطابقة التمويل مع الأطراف التي تقدم دعمًا مستدامًا لإعادة الإعمار والحكم الرشيد، وتثبيط المشاريع المصممة أساسًا لتراكم النفوذ السياسي.

خاتمة:

لقد انفجر الخلاف السعودي–الإماراتي الذي ظل مكتومًا لسنوات، تحت وطأة التحولات الجيوسياسية السريعة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وما زالت الأوضاع في المنطقة  تشهد تقلبات مستمرة؛ فالاحتجاجات في إيران تهدد استقرار النظام، بينما تواجه "إسرائيل" انتخابات جديدة خلال أشهر، إلى جانب تطورات أخرى. وعليه، يتعين على الأوروبيين البقاء على أهبة الاستعداد في مواجهة هذا المناخ المتغير باستمرار مع التحلي بالمرونة الكافية للتكيّف معه.