المصدر: ناشيونال إنترست
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
إن لدى جيران إيران، مثل تركيا وباكستان، مصالح مباشرة في ضمان ألا تتحدى الأقليات العرقية الإيرانية سلطة الدولة المركزية؛ فمع تصاعد الضربات الأمريكية-"الإسرائيلية" على إيران، أثار حجم العمليات العسكرية وكثافتها تساؤلات حول الهدف الاستراتيجي النهائي للصراع. فإلى جانب تفكيك البرنامجين النووي والصاروخي في إيران جرى تأطير الهدف النهائي على أنه تغيير النظام، بينما يرى محللون أن تحقيق هذا الهدف يظل غير مرجح باستخدام القوة الجوية وحدها. فالجهاز الأمني الإيراني، الذي يقوده الحرس الثوري وقوات الباسيج شبه العسكرية التابعة له، يتمتع ببنية لا مركزية متجذرة على المستويين الوطني والمحلي، ما يجعل انهيار الدفاعات الإيرانية بالكامل أمرًا غير محتمل.
ومع ذلك، يظل سيناريو آخر مزعزع للاستقرار قائمًا، يتمثل في أن يؤدي الضغط العسكري المستمر واضطراب القيادة السياسية لإضعاف السلطة المركزية، بما يسمح بظهور جماعات مسلحة عرقية غير حكومية بشكل أكثر تنظيمًا، لتشكل بديلًا عن نشر قوات أمريكية على الأرض، وهو ما لا تستطيع القوة الجوية وحدها تحقيقه. فعدد سكان إيران يبلغ أكثر من 90 مليون نسمة ويتسم مجتمعها بتنوع عرقي كبير؛ إذ يشكل الفرس الأغلبية بينما يتركز الأكراد والأذريون والعرب والبلوش وأقليات أخرى في الأقاليم الطرفية. وقد شهدت بعض هذه المناطق ظهور حركات مسلحة نفذت هجمات متقطعة ضد القوات الإيرانية على مدى السنوات الماضية، وتُعتبر الجماعات الكردية المسلحة الأكثر نشاطًا وتنظيمًا وتمثل التهديد المسلح الأكبر للنظام الإيراني.
وقبل أيام من اندلاع الصراع، شكّلت خمس جماعات كردية إيرانية مقرها إقليم كردستان العراق تحالفًا يهدف لإسقاط النظام الديني في طهران. ورغم أن بعض هذه الجماعات يدعو للحكم الذاتي داخل إيران بينما يطالب آخرون بالانفصال، فقد وضعت خلافاتها جانبًا "من أجل بناء إطار سياسي منسق وفعال".
ويبدو أن إيران تعاملت مع هذا التنسيق بوصفه تهديدًا حقيقيًا؛ حيث استهدفت بشكل استباقي مقار حزبي (PAK) و(PADKI) في إقليم كردستان العراق خلال الأيام الأخيرة. وتسعى إيران لحصر نشاط هذه الجماعات داخل الأراضي العراقية ومنع انتقالها إلى داخل أراضيها، لكن تحقيق هذا الهدف قد يصبح أكثر صعوبة مع تصاعد الصراع.
وتشير تقارير إلى أن الولايات المتحدة تجري محادثات مع ميليشيات كردية إيرانية، بشأن إمكانية مهاجمة قوات الأمن الإيرانية غرب البلاد وتوقيت ذلك. كما قال الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إنه منفتح على دعم جماعات مسلحة داخل إيران من أجل "إزاحة" النظام، بعد أن أجرى اتصالات مع قادة في بغداد وأربيل. ورغم أن الأكراد يقفون في طليعة الجماعات الأكثر احتمالًا لحمل السلاح ضد النظام الإيراني، فليسوا الأقلية الوحيدة التي تستعد لاحتمال المواجهة؛ إذ أعلنت جماعة "جيش العدل" البلوشية الانفصالية توحيد صفوفها مع جماعات بلوشية أصغر لتشكيل تحالف جديد باسم "جبهة المقاومة الشعبية".
ومن اللافت أن هذا التحالف لم يشر إلى أجندة انفصالية، بل يحاول تقديم نفسه كإطار جامع يدافع عن جميع الأقليات العرقية والطوائف الدينية في إيران بهدف إسقاط النظام. وما زال من غير الواضح إذا كان سيحافظ على هذا الطابع الواسع أم سيعود لاحقًا إلى المطالب الانفصالية الخاصة بالبلوش. وقد أعلن التحالف الجديد تنفيذ أول هجوم له منذ بدء الصراع، قيل إنه استهدف قائدًا لإحدى النقاط العسكرية، لكن لا يُرجح أن يحصل هذا التحالف، على عكس التحالف الكردي، على دعم غربي في الوقت الراهن؛ فجماعة "جيش العدل"، القوة الرئيسية في هذا الاندماج، صنفتها الولايات المتحدة عام 2019 منظمة إرهابية أجنبية.
ومن غير المرجح أيضًا أن يلعب المتمردون البلوش دورًا حاسمًا في أي انهيار محتمل لجهاز الأمن الإيراني، رغم احتمال استغلالهم أي فراغ أمني، وإن كانت المناطق البلوشية في إيران تعتبر من أفقر الأقاليم، ما يخلق بيئة مواتية لظهور حركات مسلحة جديدة. وإلى جانب الأكراد والبلوش، قد تسعى الأقليات الأذرية والعربية، شمال غرب البلاد وجنوب غربها، لاستغلال حالة عدم الاستقرار. لكن النشاط المسلح لهاتين الجماعتين ظل محدودًا حتى الآن، ولا توجد حاليًا جماعات أذرية قادرة على تهديد طهران بشكل جدي، رغم أن قرب المنطقة من تركيا وأذربيجان قد يتيح اضطرابات محلية أو تنسيقًا مع أطراف خارجية.
وبحسب تقارير، فقد استهدفت طهران نشطاء أذريين ضمن حملة قمع ضد "المعارضين" بعد الحرب الـ12 يومًا مع "إسرائيل" في يونيو/ حزيران الماضي، متهمةً باكو بتقديم معلومات استخباراتية. وقد تظهر اضطرابات محلية مشابهة أيضًا داخل المجتمعات العربية، لكنها على الأرجح لن تصل إلى مستوى تمرد مسلح منظم.
على المستوى الإقليمي، قد يثير صعود الميليشيات داخل إيران ردود فعل إقليمية قوية، خصوصًا من جانب تركيا إذا لعب الأكراد دورًا أكبر في الصراع؛ فارتباط حزب "PJAK" بحزب العمال الكردستاني "PKK" قد يدفع أنقرة لاتخاذ موقف أكثر تشددًا، وربما يثير توترًا مع الولايات المتحدة إذا قررت واشنطن دعم التحالف الكردي. ومن المرجح أن تعزز تركيا قواتها على الحدود وقد تستخدم الدور الكردي ذريعة للتدخل العسكري في الصراع.
بالمثل، تواجه باكستان تمردًا بلوشيًا داخل أراضيها، ومن ثمّ ستكون حذرة من أي امتداد للصراع عبر الحدود في ظل تصاعد عدم الاستقرار؛ حيث تخشى باكستان أن يؤدي أي فراغ أمني على الحدود لتحويل المنطقة إلى قاعدة لشن هجمات داخل إقليم بلوشستان الباكستاني.
ورغم الضغوط المتزايدة، فإن تفكك إيران إقليميًا أو ما يسمى "بلقنة إيران" يظل أمرًا مستبعدًا؛ فرغم تركّز الجماعات العرقية المختلفة في مناطق محددة، فإنها متداخلة اجتماعيًا داخل بنية الدولة الأوسع، كما إن القومية الفارسية تتجاوز الانقسامات حتى داخل الأقليات نفسها. وإذا كان هناك أي احتمال لانفصال جماعة معينة، فإن الأكراد سيكونون المرشح الأكثر واقعية، لكن ذلك سيواجه مقاومة شديدة من تركيا وإيران على حد سواء، بغض النظر عن شكل الحكومة الإيرانية بعد الصراع.
إضافةً لذلك، لا يمتلك أي فصيل من تلك الفصائل المسلحة الحالية العدد الكافي من المقاتلين أو الرؤية الموحدة أو هيكل القيادة أو التمويل أو الدعم الخارجي اللازم، للحفاظ على مشروع انفصالي طويل الأمد. وعليه، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا في حال تآكل سلطة الدولة المركزية في إيران لا يتمثل في التفكك الإقليمي، بل في ظهور حركات تمرد محلية نتيجة فراغات أمنية، وتصاعد التوترات عبر الحدود، واحتمال اندلاع صراع أهلي داخل البلاد.