قراءة "إسرائيلية" لكيفية استغلال قطر ذكرى استهداف قادة حماس على أراضيها

الساعة : 16:33
28 سبتمبر 2026
قراءة

المصدر: معهد القدس للاستراتيجية والأمن (JISS)

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

بعد مرور عام على استهداف "إسرائيل" وفد حركة حماس في قطر، تسعى الدوحة لإعادة تسليط الضوء على ذلك الهجوم الذي وقع على أراضيها؛ حيث تعمل قطر على صياغة سردية دبلوماسية وإعلامية تهدف لتعزيز شرعيتها الخاصة ونزع الشرعية عن "إسرائيل". ورغم أن الغارة لم تنجح في القضاء على قيادة حماس ولم تحقق العملية أهدافها المرجوة، فقد أدت الضربة "الإسرائيلية" لاتخاذ قطر والولايات المتحدة سلسلة من الخطوات تمثلت في تقديم رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، اعتذارًا علنيًا عبر مكالمة هاتفية، ووعود من الرئيس "ترامب" باتخاذ إجراءات لإرضاء قطر، وإنشاء آليات تنسيق مشتركة بين الدوحة وواشنطن. كما أوضحت الولايات المتحدة أن قطر تتمتع بوضع خاص فيما يتعلق بالحماية من أي عمل عسكري قد يستهدف أراضيها.

ومع حلول الذكرى السنوية للغارة، يبدو أن قطر تسعى لإعادة الاهتمام بالهجوم "الإسرائيلي" الذي وقع على أراضيها؛ حيث تعكس عدة خطوات متوازية هذا المسعى وتصب مجتمعة في خدمة استراتيجية أوسع تهدف لتشكيل التصورات العامة حول الحادثة. فقد حظي حارس الأمن القطري الذي قُتل في الغارة بتكريم واسع وأُطلق اسمه على بعض الشوارع، كما نشرت وسائل إعلام قطرية مقابلة مع حارس أمن قطري آخر كان مكلفًا بحماية وفد حماس، والذي روى تفاصيل إنقاذ قادة الحركة أثناء الهجوم. وترافقت المقابلة مع محاكاة تفصيلية لوقائع الهجوم، تزامنًا مع تداول مقاطع فيديو وصور لم تُنشر من قبل، توثق أحداث ذلك اليوم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما أعاد تلك الأحداث إلى دائرة الاهتمام العام.

ومن الوسائل الأخرى الأقل مباشرة التي استخدمتها الدوحة لإعادة تسليط الضوء على الغارة: إعلان المتحدث باسم وزارة خارجيتها في يوم الذكرى السنوية عن إغلاق الملف القانوني الذي كانت قطر قد فتحته عقب الحادثة. ومن الجدير بالذكر أن قطر كانت قد أعلنت بعد الهجوم عن خطط لإطلاق حملة دبلوماسية وقانونية ضد "إسرائيل" بقيادة وزير الدولة بوزارة الخارجية، محمد بن عبد العزيز الخليفي. وبعد عام من ذلك صرّح متحدث باسم قطر لصحيفة "العربي الجديد" بأن الدوحة قررت إغلاق الملف جزئيًا لاكتفائها باعتذار "إسرائيل". وقد حقق هذا الإعلان غرضين؛ فمن ناحية يعتبر بادرة حسن نية تبرز أهمية قطر كطرف فاعل يعزز الاستقرار، ومن ناحية أخرى أعاد البيان تسليط الضوء الدولي على الهجوم، وأتاح للدوحة فرصة ترسيخ روايتها التي تتجاهل حقيقة أن الضربة وقعت بسبب استضافة قطر لقيادة حماس.

وعليه، فقد تجاوز الإعلان مجرد إنهاء الإجراءات القانونية؛ إذ استغل المتحدث الرسمي المناسبة للمقارنة بين سلوك قطر وسلوك "إسرائيل"، زاعمًا أن "إسرائيل" لم تدرك طبيعة دور قطر في الوساطة والتي كانت تتصرف بمسؤولية، كما رفض الدعوات داخل "إسرائيل" لتصنيف قطر كدولة "عدوة" أو "معادية"، معتبرًا أن هذه الدعوات تندرج في إطار السجال السياسي الداخلي.

وعلى الصعيد الأمني ​​والتكنولوجي، تروج قطر حاليًا لنظام تقني ينتج مياه الشرب من رطوبة الهواء، وهي خطوة تخدم أيضًا السردية القطرية؛ حيث تُقدَّم هذه المبادرة كاستجابة للمخاوف التي ساورت قطر إبان الحرب بشأن احتمال توجيه إيران ضربة لمحطات تحلية المياه لديها، والتي تُعد ركيزة أساسية للأمن المائي في البلاد. ورغم أن المبادرة جاءت لمعالجة المخاوف المتعلقة بإيران، فقد استُخدمت أيضًا لتشكيل تصورات سلبية تجاه "إسرائيل"؛ إذ أُطلق على النظام اسم "بدر" تيمنًا بالحارس الأمني القطري الذي قُتل في الهجوم، وبذلك تحولت تلك الضربة من مجرد حدث تاريخي إلى جزء لا يتجزأ من سردية الأمن القومي القطري.

وتشكل هذه المبادرات الثلاث جزءًا من مسعى قطري أوسع لتشكيل الذاكرة الجمعية حول تلك الضربة ووضعها في سياق السردية السياسية والاستراتيجية للبلاد؛ ففي ظل تصاعد التوترات مع إيران يتزايد النقاش حول فكرة أن "إسرائيل" تتمتع بحرية حركة واسعة في قطاع غزة، بينما تساهم كل من قطر وتركيا في كبح جماح حماس، ما يتيح لـ"إسرائيل" استهداف قادتها البارزين، ومن ثم فإن لقطر مصلحة في التأكيد على أنها هي الأخرى كانت هدفًا للتحركات "الإسرائيلية".

كما أطلقت قطر مبادرات أخرى ذات أهداف مماثلة لا سيما على الصعيد الدولي، منها مبادرة تقودها الشيخة موزة، والدة الأمير الحالي ورئيسة مؤسسة "التعليم فوق الجميع" التي أُنشئت بمبادرة منها وعملت لسنوات على تعزيز حماية التعليم في مناطق النزاع. وفي إطار هذا الجهد روجت قطر لمبادرة "اليوم الدولي لحماية التعليم من الهجمات" في الأمم المتحدة؛ ففي التاسع من أيلول/ سبتمبر 2026، وبينما كانت قطر تتجه لإنهاء الإجراءات القانونية الناجمة عن الضربة "الإسرائيلية" في الدوحة، نظمت بعثتها لدى الأمم المتحدة ومؤسسة "التعليم فوق الجميع" معرضًا حول الهجمات التي تستهدف التعليم والمؤسسات التعليمية حول العالم.

وسلط المعرض الضوء على القضية الفلسطينية كذلك؛ فمن خلال وضعها في إطار دولي يتناول "الهجمات على التعليم"، استطاعت قطر تصوير "إسرائيل" ليس فقط كطرف في صراع بل كجهة تنتهك إحدى القيم العالمية التي يلتزم المجتمع الدولي بحمايتها. وبذلك، وفر الحدث لقطر منصة أخرى لتعزيز الرواية الفلسطينية وتكثيف الانتقادات الدولية ضد "إسرائيل"، مع إضفاء شرعية متجددة على المطالبة بإقامة دولة فلسطينية.

وبموازاة انتقاد "إسرائيل" شدد الحدث أيضًا على أن استخدام المؤسسات التعليمية لأغراض عسكرية أمر غير مقبول، وتكتسب هذه الرسالة أهمية إضافية في ضوء انتقادات سابقة وُجهت لمؤسسة "التعليم فوق الجميع"، بشأن كيفية دمج المساعدات التعليمية والإنسانية القطرية في بيئات تنشط فيها منظمات إسلامية، بما في ذلك حماس وحزب الله. ومن ثم، تبرز فجوة بين الرسالة العالمية التي تسعى المؤسسة لترويجها دوليًا وبين الانتقادات الموجهة لكيفية استخدام الموارد والمشاريع القطرية في مناطق النزاع التي تنشط فيها منظمات مسلحة.

وفي اليوم التالي لضرب الدوحة عام 2025، ربطت وزيرة التعليم القطرية بين الحادثة و"اليوم الدولي لحماية التعليم من الهجمات"؛ حيث صرحت أمام تجمع دولي بأن "إسرائيل" قصفت منطقة قريبة من ست مدارس. وعادت الوزيرة لنشر الخطاب نفسه على وسائل التواصل الاجتماعي في الذكرى السنوية للضربة في أيلول/ سبتمبر 2026، ما عكس رغبة قطر في استغلال الهجوم لتشويه سمعة "إسرائيل" في سياقات متعددة.

ويعكس استخدام الدوحة للمحافل الدولية نهجًا أوسع نطاقًا؛ إذ لا تكتفي قطر بتصوير نفسها كضحية للضربة "الإسرائيلية" بل توظف الفعاليات الدولية ومؤسسات الأمم المتحدة والمنظمات المرتبطة بها لإعادة صياغة دلالات الهجوم. وفي هذا الإطار، تركز قطر على الضرر الذي لحق بها وعلى العداء "الإسرائيلي"، بينما تقدم نفسها كطرف فاعل وإنساني مسؤول وكوسيط. وتتيح هذه المعادلة لقطر تحويل حدث أضر بها سياسيًا وقوّض أمنها وكشف دورها كدولة راعية للإرهاب، إلى وسيلة لتعزيز شرعيتها الدولية وتكثيف الانتقادات الموجهة إلى "إسرائيل".

من جهة أخرى، عززت المقابلة التي أجراها جاريد كوشنر، صهر الرئيس "ترامب" ومستشاره، بمناسبة ذكرى الضربة "الإسرائيلية" جهود قطر الرامية لترسيخ سردية دولية تخدم مصالحها. فقد وصف "كوشنر" الهجوم "الإسرائيلي" بأنه "كارثة استراتيجية"، فيما أتاح استغلال حالة الحرج التي عانت منها "إسرائيل" انتزاع موافقة تل أبيب على خطة "ترامب" المكونة من 20 بندًا رغم معارضتها الأولية لها.

بالمقابل، رفض "كوشنر" التفسير القائل إن الضربة ساهمت في إتمام الصفقة من خلال إثبات مدى عزم "إسرائيل" على ضرب قادة حماس، لكن مسؤولين "إسرائيليين" أكدوا أن رواية "كوشنر" تناقض ما حدث على أرض الواقع، بينما يشير تماهي تصريحاته مع الخطاب القطري، إلى جانب علاقاته التجارية الواسعة مع الدوحة، إلى احتمال تنسيقه لرسالته مع الجانب القطري.

والخلاصة أن الحملة القطرية تتمخض عن أربعة أهداف رئيسية تعكس طابع التعقيد والدهاء الذي تتسم به دبلوماسيتها:

أولًا: تصوير قطر كواحدة من دول الخليج المتضررة من الصراع الإقليمي؛ إذ تسعى الدوحة عبر تسليط الضوء على الضربة "الإسرائيلية" لترسيخ انطباع بأنها ليست بمنأى عن الصراع، بل عانت بشكل مباشر على يد إيران (مثل بقية دول الخليج) وعلى يد "إسرائيل" أيضًا.

ثانيًا: إبراز العداء تجاه "إسرائيل" وطمس تعقيدات العلاقات القطرية معها؛ فإعادة تسليط الضوء على أحداث التاسع من سبتمبر تتيح لقطر تقديم نفسها كضحية لـ"إسرائيل" تواصل مواجهتها دبلوماسيًا وإعلاميًا، وهذا يمكّن الدوحة من صرف الانتباه عن علاقاتها المعقدة مع "إسرائيل" وعن تحركاتها المتعلقة بحماس وحرب غزة.

ثالثًا: الترويج للدور الدبلوماسي القطري كوسيط؛ فمجرد تعرض قطر لهجوم "إسرائيلي" يتيح لها تقديم استمرارها في جهود الوساطة كدليل على نهجها المسؤول واستعدادها للعمل على حل الأزمة، حتى وهي تعاني من أضرار مباشرة. وتتمثل الرسالة هنا في أن قطر وسيط محايد وليست طرفًا في الصراع ومستعدة لمواصلة العمل رغم ما لحق بها من أذى.

رابعًا: نزع الشرعية عن "إسرائيل"؛ فإعادة تسليط الضوء على الضربة وتصويرها كإجراء "إسرائيلي" ضد دولة ذات سيادة، والتشديد على الضرر الذي لحق بقطر، يتيح لها تقديم "إسرائيل" في صورة المعتدي وتقديم نفسها في صورة الضحية والوسيط المسؤول، ما يعزز التباين الحاد بين الصورة التي تسعى لبنائها لنفسها وتلك التي تسعى لفرضها على "إسرائيل".