دول الخليج تتجه لمشاريع بنى تحتية تقلل الاعتماد على مضيق هرمز وتحصّن اقتصاداتها من تقلبات الحرب

الساعة : 10:01
14 سبتمبر 2026
دول الخليج تتجه لمشاريع بنى تحتية تقلل الاعتماد على مضيق هرمز وتحصّن اقتصاداتها من تقلبات الحرب

المصدر: معهد دول الخليج العربي (AGSI)

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

بعد ستة أشهر من اندلاع حرب إيران لم يعد المشهد الاقتصادي الخليجي مقتصرًا على تدفقات الاستثمار الضخمة ووعود التنويع التي شهدناها قبل الحرب؛ فقد أفرز الصراع ظاهرتين متلازمتين: أولاهما موجة واسعة من مشاريع البنية التحتية الرامية إلى تجاوز مضيق هرمز وربط المنطقة بأسواق العالم عبر مسارات بديلة، وثانيهما انقسام حاد في استراتيجية الطاقة النظيفة الخليجية بين مسار محلي تُحول فيه الطاقة المتجددة إلى أصل أمني، ومسار خارجي تتسارع فيه استثمارات الخليج في أصول الطاقة النظيفة بآسيا وأوروبا. وترتبط الظاهرتان بأصل واحد؛ البحث عن "عمق استراتيجي" يقلل الاعتماد على المضيق ويحصّن الاقتصادات الخليجية من تقلبات الحرب.

إعادة رسم ممرات الخليج الداخلية

تتشكل داخل الخليج ثلاثة اتجاهات تنموية واضحة؛ حيث تشهد السعودية زخمًا غربيًا متصاعدًا؛ إذ ينقل خط الأنابيب الشرقي-الغربي نحو 7 سبعة ملايين برميل يوميًا إلى البحر الأحمر متجاوزًا هرمز، مع دراسات لتوسيع طاقته ومنشآت التصدير هناك. كما تُدرج الرياض ميناء "نيوم" ضمن ممر متعدد الوسائط يربط الخليج بمصر وأوروبا، رغم أن التوترات الجديدة مع الحوثيين تهدد استقرار البحر الأحمر الذي يعتمد عليه هذا الطموح.

ومن جهتها، تقود الإمارات دفعة شرقية موازية؛ حيث تسعى أبوظبي لمضاعفة طاقتها التصديرية النفطية عبر خط أنابيب جديد (الغربي-الشرقي) الذي يكمّل خط "حبشان-الفجيرة" القائم، ما يرفع الأهمية "الجيو اقتصادية" لموانئ الفجيرة ودبا وخورفكان. كما تُوسّع "موانئ دبي العالمية" استخدام الممرات البرية الداخلية عبر "جبل علي"، مضيفةً 700 شاحنة لتعزيز الشحن، وتستعد لربط مستودعات الحاويات بشبكة "الاتحاد للقطارات" مستقبلًا، إلى جانب مسارات بديلة عبر جدة السعودية وصُحار العُمانية.

وبدورها، تستفيد عُمان من دفعة جنوبية نحو موانئها العميقة في صُحار والدقم وصلالة الواقعة خارج مضيقي هرمز وباب المندب، فيما أطلقت دبي ومسقط "الممر الأخضر" لتحويل الشحنات عبر معبر حتّا البري. كما تتفاوض مسقط مع طهران بشأن ممرات عبور مستقبلية عبر المضيق بما قد يشمل رسومًا مقابل تأمين الملاحة.

أما البحرين وقطر والكويت فقيودها الجغرافية أكبر، لكنها قد تستفيد من ممرات الجوار عبر مشروع سكة حديد دول مجلس التعاون وترتيبات مشتركة لسعة الأنابيب، وإن كانت تلبية الطلب الإقليمي قد تصطدم أحيانًا بالمصالح الوطنية.

الطاقة المتجددة كعمق استراتيجي محلي

على غرار منطق الممرات البديلة، تحوّلت الطاقة الشمسية والتخزين من مشروع تنويع اقتصادي إلى أصل أمني؛ فالكهرباء المولّدة داخل الحدود لا تمر عبر هرمز ولا يمكن حصارها، وتحرر الغاز الطبيعي للاستخدام الصناعي أو التصدير. وعلى مدار عقد كامل سُوّقت المتجددات في إطار "رؤية 2030" السعودية واستراتيجيات الطاقة الإماراتية بوصفها قصة نمو ووظائف، لكن بعد ستة أشهر من الهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيّرات أعيد تأطيرها كبنية مرونة أقرب إلى التخزين الاستراتيجي أو مسار تصدير احتياطي.

لكن هذا العمق الاستراتيجي يجب أن "يُشحن" أولًا قبل أن يُبنى؛ فالخليج لا يصنع تقريبًا أيًّا من معدات مشاريعه النظيفة، إذ تصل الألواح والمحولات وخلايا البطاريات بحرًا من الصين غالبًا عبر شحنات لا بد أن تمر بمضيق هرمز أو تتحمل أقساط مخاطر حرب مرتفعة. وتُظهر بيانات "ريستاد إنرجي" انهيارًا حادًا في واردات الألواح الشمسية الخليجية في آذار/ مارس الماضي؛ إذ تراجعت واردات الإمارات من 767 إلى 160 ميغاواط، والسعودية من 704 إلى 80 ميغاواط، بينما لم تُسجَّل عُمان أي واردات. وقفزت تكلفة شحن حاوية قياسية من شنغهاي إلى الخليج من 980 دولارًا قبل الحرب إلى 4131 دولارًا بحلول منتصف أيار/ مايو الماضي بحسب "كلاركسونز ريسيرش"، متجاوزةً ذروة جائحة كورونا. وتقدّر "ريستاد" تأخرًا صافيًا يتراوح بين 3 و12 شهرًا في خط أنابيب المشاريع الإقليمية، مع ترجيح تأجيل بعضها إلى 2027.

يأتي هذا في وقت دخلت فيه السعودية عام 2026 بطموح جدول تعاقدات لبرنامجها الوطني للطاقة المتجددة (الجولة السابعة: 3.1 غيغاواط شمسية و2.2 غيغاواط رياح)، ضمن هدف توليد 50% من الكهرباء من المتجددات بحلول 2030. كما وقّعت عُمان في أيار/ مايو الماضي عقدًا لمشروع رياح وشمس وتخزين بقدرة 770 ميغاواط في الربع نفسه الذي سُجّلت فيه وارداتها صفرًا. ويضاف إلى ذلك ضغط مالي متزايد؛ حيث قدّر وزير الطاقة القطري كلفة الأضرار السنوية في منشآت رأس لفان بما يصل إلى 20 مليار دولار مع إصلاحات تمتد 3 إلى 5 سنوات. وتوقعت "غولدمان ساكس" انكماش الناتج المحلي السعودي والإماراتي بنسبة 3-5% في 2026 إذا استمر الصراع، ما يجعل استثمارات بطاريات الشبكة والدفاع الجوي تتنافس على الحيز المالي نفسه.

التمدد خارج الإقليم: ممرات وأصول

يمتد منطق تقليل الاعتماد على هرمز إلى خارج الخليج على مسارين متوازيين؛ بنية تحتية مادية ورؤوس أموال استثمارية؛ فعلى صعيد الممرات يسعى العراق لطرق عبور بديلة إلى المتوسط عبر سوريا بدعم خليجي وأمريكي. وقد رحّبت واشنطن بمذكرة تفاهم لإحياء خط أنابيب كركوك-بانياس، فيما تتيح تركيا ولبنان منافذ متوسطية أخرى.

أما مصر، فبخط أنابيب السويس-المتوسط (سوميد) وقناة السويس، أصبحت، بحسب المحللة كيت دوريان، محطة العبور التي لا غنى عنها لربط بنية السعودية التحتية في البحر الأحمر بالأسواق العالمية. كما تدرس أرامكو توسيع مرافق التخزين العالمية، وتستكشف كيانات حكومية خليجية أخرى تعزيز قدرات التكرير والتخزين والتزوّد بالوقود خارج المنطقة كجزء من استراتيجيات تخفيف المخاطر. وستتفاعل هذه الممرات الجديدة مع مبادرات قائمة مثل "الحزام والطريق" الصينية و"الممر الاقتصادي الهندي-الأوسطي-الأوروبي" و"طريق التنمية العراقي"، لكن الأولوية الإقليمية ستُمنح للممرات المحلية الأكثر جاهزية ومرونة.

أما على صعيد رأس المال، فالمشهد ينعكس تمامًا؛ فبينما تتعثر المشاريع المحلية تتسارع استثمارات الخليج في أصول الطاقة النظيفة بالخارج. ففي تموز/ يوليو الماضي أغلقت "مصدر" الإماراتية حزمة تمويل بقيمة خمسة مليارات دولار لمشروع شمسي بقدرة 5.2 غيغاواط ونظام بطاريات بقدرة 19 غيغاواط/ساعة، بمشاركة 13 بنكًا من الإمارات وفرنسا وبريطانيا وألمانيا والصين واليابان، وكل الأصول المعنية خارج منطقة الحرب. ويأتي هذا ضمن مسعى "مصدر" للوصول إلى محفظة عالمية بقدرة 100 غيغاواط بحلول 2030، بعد أن قطعت ثلثي الطريق إليها بضخ 15 مليار دولار في 2025 وحدها. كما استثمر صندوق "مبادلة" 325 مليون دولار في مشروع الرياح البحري "هورنسي 3" شمال بحر الشمال، المرشح ليصبح الأكبر عالميًا عند اكتماله، إضافة إلى مراكز أخرى من وسط أوروبا إلى الولايات المتحدة.

من جهة أخرى، تُظهر بيانات "غلوبال إس دبليو إف" أن صندوق الاستثمارات العامة السعودي و"مبادلة" و"جهاز قطر للاستثمار" قاموا معًا بضخ نحو 25 مليار دولار في الربع الأول من 2026 وحده رغم الحرب، مع حضور بارز للطاقة النظيفة. وإذا كانت فوائض النفط الخليجية في السبعينيات قد تدفقت نحو سندات الخزانة الأمريكية والودائع الغربية، فإن فائض اليوم يتحول إلى أصول تشغيلية مباشرة؛ مزارع رياح ومنصات شمسية ومحافظ تخزين، تُدرّ عائدها بالكامل خارج نطاق مضيق هرمز.

التحديات والفرص المشتركة

يواجه هذا التوسع المزدوج في الممرات والاستثمارات تحديات مشتركة؛ فمشاريع البنية التحتية مكلفة وتستغرق سنوات، و"التكرار" أصبح كلمة العصر الإقليمية، لكنه ترف تقتصر إمكانيته على الدول ذات القدرة المالية، وقد يترك أثرًا سلبيًا على بنية تحتية قائمة. كما تتطلب الممرات العابرة للحدود مستوى من الثقة والتعاون المستدام غير متوافر بسهولة في المنطقة، وحتى لو تحقق فقد لا تسلم البنية الناتجة من المخاطر الجيوسياسية المتغيرة.

بالمقابل، تفتح هذه التحديات فرصًا أمام شركاء دوليين لتأسيس مسارات جديدة وتحسين كفاءة القائم منها، كما يتضح من مشاركة "شيفرون" في مشروع أنبوب العراق-سوريا، وخطط "توتال إنرجيز" للمشاركة في المشروع ذاته وفي أنبوب إماراتي جديد، ومشاريع "سي إم إيه سي جي إم" الفرنسية لتطوير محطات في جدة وصُحار.

أما على صعيد الطاقة، فتُطرح ثلاثة أسئلة مصيرية بشأن ما يبقى بعد أي وقف لإطلاق النار؛

·       هل يصمد التأطير الأمني للمتجددات مع عودة السلام؟ الأرجح أن أسواق التأمين والممولين سيواصلون تسعير مخاطر الإغلاق لفترة طويلة، ما يرسّخ الحجة الاستراتيجية للمتجددات المحلية.

·       وهل يأتي التوسع الخارجي على حساب الأهداف المحلية؟ فرأس المال قابل للتحويل لكن القدرة المؤسسية والمقاولة محدودة، وإذا استمر النمط الحالي فقد تصل دول الخليج إلى 2030 بمحافظ طاقة نظيفة عالمية المستوى بالخارج مقابل برامج محلية متأخرة، عكس التسلسل الذي تصورته "رؤية 2030".

·       وأخيرًا، ماذا يعني هذا النمط لواشنطن؟ فالتحوط من مخاطر المضيق عبر محافظ طاقة نظيفة خارجية لا عبر القدرة المحلية وحدها، يعكس ثقة محدودة في أي بنية أمنية مستقبلية للخليج نفسه، بينما لا تزال واشنطن تقيس أضرار الحرب بمقاييس أسعار النفط لا بوصف الخليج شريكًا عالميًا في تحول الطاقة.

خلاصة

لم تُوقف الحرب طموحات الخليج الاقتصادية، سواء في البنية التحتية أو الطاقة النظيفة، بل أعادت توجيهها وقسّمتها؛ فبينما تتسابق الرياض وأبوظبي ومسقط لبناء ممرات تتفادى هرمز، وتُعاد صياغة الطاقة الشمسية المحلية كخط دفاع استراتيجي رغم ارتفاع تكاليفها وتعثر سلاسل إمدادها، تتسارع في الوقت نفسه تدفقات رأس المال الخليجي نحو أصول طاقة نظيفة خارج المنطقة بالكامل.

وسيتقرر مصير هذا الانقسام بمدى استعداد الحكومات الخليجية لتمويل الطاقة النظيفة المحلية بما يوازي خطابها الأمني عنها، لا بأي اتفاق لوقف إطلاق النار وحده. وسواء تعلق الأمر بممر بري جديد أو استثمار في مزرعة رياح أوروبية، فإن المؤشر الأكثر دلالة على استراتيجية الخليج القادمة لن يوجد في أي وثيقة رؤية بل في الوجهة القادمة للدولار.