في ظل التنافس الأمريكي الإيراني... الأردن هو الحلقة "الأكثر هشاشة" في السلسلة الأمريكية بالشرق الأوسط

الساعة : 15:22
7 سبتمبر 2026
في ظل التنافس الأمريكي الإيراني... الأردن هو الحلقة

تؤكد سلسلة الهجمات الإيرانية على القواعد الأمريكية في الأردن تصوّر طهران بأن المملكة تُشكّل مكوّنًا ضعيفًا في منظومة الأمن الإقليمية التي تقودها الولايات المتحدة؛ فقد أكدت الهجمات الإيرانية المتبادلة، التي وقعت في يوليو/ تموز الماضي، وتجددت مرة أخرى في 30 أغسطس/ آب واستهدفت منشآت عسكرية أمريكية في الأردن، أن طهران تدرك وجود "نقطة ضعف" في الاستراتيجية الأمريكية لم تحظَ في الولايات المتحدة بالاهتمام الذي حظيت به الأهمية الاستراتيجية للأنظمة الملكية الخليجية أو "إسرائيل".

وبينما تعتبر واشنطن الأردن منذ فترة طويلة واحدًا من أكثر حلفائها العرب موثوقية، فإن هذه الهجمات قد سلطت الضوء على واقع سياسي أعمق؛ فقد لا يكون التهديد الأكبر للموقع الأمريكي في الأردن من الصواريخ الإيرانية، لكن من اتساع الفجوة بين تصور القيادة الملكية الأردنية وقطاعات واسعة من المجتمع الأردني إزاء الحرب ضد إيران. فمن جهتهم، يفسّر كثير من الأردنيين الهجمات الإيرانية باعتبارها نتيجة حتمية للشراكة العسكرية الوثيقة بين الأردن وواشنطن. وقد أدّى الغضب الناجم عن حرب غزة وتصاعد العمليات "الإسرائيلية" وعنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة إلى تضخيم هذه المشاعر، ووضع الملكية الهاشمية في موقف يزداد صعوبة لأن توجهها الاستراتيجي يتعارض مع الرأي العام الأردني.

وطالما اعتُبر الأردن واحدًا من أعظم النجاحات الدبلوماسية لواشنطن في الشرق الأوسط؛ فقد حافظ على السلام مع "إسرائيل" منذ عام 1967 حتى خلال حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، ووقّع معها اتفاقية سلام عام 1994، كما تعاون بقوة مع أجهزة الاستخبارات الأمريكية وجهود مكافحة "الإرهاب"، واستضاف قوات أمريكية لعقود. وكانت المملكة واحدة من أكبر متلقي المساعدات الأمريكية للفرد الواحد؛ إذ تلقت مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية والاقتصادية.

لكن وراء صورة الاستقرار هذه تكمن هشاشة بنيوية متجذرة في التاريخ؛ فعلى خلاف مصر وإيران وتركيا وحتى السعودية، لم ينشأ الأردن من دولة تاريخية راسخة بل ظهر نتيجة تقسيم الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى. وقد شكلت الحسابات الإمبراطورية البريطانية حدود شرق الأردن، ولم تشكلها حركة وطنية متماسكة، وكثيرًا ما يُستشهد بمقولة "تشرشل" الشهيرة، وإن كانت غير موثقة، والتي تفيد بأن إمارة شرق الأردن، التي أُعيدت تسميتها بالأردن عام 1949 بعد ضمها الضفة الغربية لنهر الأردن في نهاية الحرب العربية-"الإسرائيلية" الأولى، أُنشئت "بضربة قلم بعد ظهر يوم أحد في القاهرة"، وذلك لتوضيح الطبيعة الاصطناعية لنشأة الدولة.

كما إن الملكية الهاشمية نفسها كانت قد نُقلت إلى الأردن من الخارج؛ فبعد أن فقدت أسرة الشريف حسين، الحليف البريطاني، السيطرة على الحجاز لصالح بن سعود في عشرينيات القرن الماضي، نصّبت بريطانيا عبد الله بن حسين أميرًا على شرق الأردن، الذي كانت بريطانيا قد أوكلت إليها إدارته بموجب نظام الانتداب التابع لعصبة الأمم. ، لم تنشأ الأسرة الحاكمة بصورة عضوية من داخل المجتمع الأردني، وإنما يعود الفضل في بقائها في البداية إلى الدعم البريطاني ثم إلى الدعم الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية.

ومنذ نشأتها، استند بقاء الملكية إلى مزيج من الدعم الخارجي والائتلافات المحلية التي أُديرت بعناية، والتي قامت بصورة أساسية على الاتحادات والعشائر القبلية وليس على المشاركة الديمقراطية الواسعة. وتؤدي الحقائق الديموغرافية في الأردن لتفاقم هذه الخصائص البنيوية؛ فرغم عدم توافر أرقام دقيقة فإن معظم سكان الأردن من أصول فلسطينية، وقد هُجّرت عائلاتهم خلال حربي عامي 1948 و1967، وما زال لكثير منهم أقارب يعيشون تحت الاحتلال "الإسرائيلي" في الضفة الغربية والقدس الشرقية.

وبالنسبة لهؤلاء الأردنيين لا تمثل القضية الفلسطينية مجرد مسألة تتعلق بالسياسة الخارجية، بل هي قضية وطنية عميقة وشخصية للغاية. لذلك، فقد ولّد الدمار والتطهير العرقي الفعلي الذي تمارسه "إسرائيل" في غزة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023 إلى جانب استمرار العمليات العسكرية وتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وما نتج عن ذلك من تهجير للفلسطينيين وسقوط قتلى، غضبًا استثنائيًا في مختلف أنحاء المجتمع الأردني.

كما ينظر الرأي العام الأردني بصورة متزايدة إلى السياسة الأمريكية باعتبارها غير منفصلة عن العمليات العسكرية "الإسرائيلية"؛ فقد عززت المساعدات العسكرية التي تقدمها واشنطن والحماية الدبلوماسية التي توفرها لـ"إسرائيل" واستخدامها المتكرر لحق النقض في مجلس الأمن الدولي لإنقاذها من الإدانة، وجهة النظر التي ترى أن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية مباشرة عن معاناة الفلسطينيين. ونتيجة لذلك، يرى كثير من الأردنيين أن المواجهة الأمريكية مع إيران صراع تدفعه رغبة واشنطن في الحفاظ على التفوق العسكري "الإسرائيلي" في الشرق الأوسط، وليس استجابة لتهديد حقيقي تشكله إيران للمنطقة.

على الجانب الآخر، تحتل إيران موقعًا معقدًا في الرأي العام الأردني؛ فمن المؤكد أن الأردنيين لا يدعمون الجمهورية الإسلامية جميعًا ولا يؤيدون طموحاتها الإقليمية بصورة موحدة، لكن دعمها المستمر على المستويين الخطابي والمادي للقضية الفلسطينية أكسبها قدرًا كبيرًا من التعاطف بين قطاعات من الجمهور الأردني. ويخلق ذلك بيئة سياسية "غير مريحة" للملكية، لأن استمرار اعتمادها الاقتصادي والأمني على واشنطن يحدّ من هامش المناورة المتاح لها. ويتحمل الملك عبد الله الثاني التكاليف السياسية المترتبة على الارتباط بالاستراتيجية الإقليمية الأمريكية، في حين لا يمتلك سوى قدرة محدودة على التأثير في قرارات واشنطن المتعلقة بـ"إسرائيل" أو إيران أو المنطقة.

وثمة عامل آخر يزيد من تعقيد المشهد الداخلي الأردني، وهو التأثير المستمر للتيارات الإسلامية؛ فرغم أن السلطات قيّدت بدرجة كبيرة أنشطة المنظمات المرتبطة بجماعة "الإخوان المسلمين" وحظرت مؤخرًا ذراعها السياسية "جبهة العمل الإسلامي"، فقد حافظت الحركة تاريخيًا على واحدة من أقوى الشبكات الاجتماعية والسياسية في المملكة من خلال أنشطتها الاجتماعية والخيرية. ولم يؤدِّ قمع الدولة إلى القضاء على القواعد الاجتماعية التي تستمد منها الحركة دعمها، وبالتالي ما زالت السرديات الإسلامية التي تركز على مقاومة "إسرائيل" ومعارضة النفوذ الغربي تلقى صدى لدى قطاعات كبيرة من المجتمع.

وتخلق هذه العوامل مجتمعة نقاط ضعف بنيوية يمكن للخصوم استغلالها، ولا تحتاج إيران إلى إسقاط الملكية الأردنية لإضعاف الموقع الإقليمي الأمريكي؛ فمجرد زيادة الضغط الداخلي على عمّان من خلال تسليط الضوء على تكاليف الاصطفاف إلى جانب واشنطن يمكن أن يعقّد التخطيط العسكري الأمريكي والدبلوماسية الإقليمية. ومن ثمّ تواجه واشنطن معضلة من صنع يديها؛ فالسياسات ذاتها التي تعزز العلاقة الأمنية الثنائية تعمل أيضًا على تقويض الشرعية الداخلية لهذه الشراكة في الأردن. وتذكّر الهجمات الإيرانية على الأردن بأن التنافس بين واشنطن وطهران لا يجري من خلال الأسلحة وحدها، لكن أيضًا من خلال السرديات المتنافسة. وفي هذا التنافس يُعتبر الأردن الحلقة "الأكثر  هشاشة" في السلسلة الأمريكية في الشرق الأوسط، وإذا انكسرت هذه الحلقة تحت الضغط فقد يؤدي ذلك لإطلاق تأثير  "الدومينو"  في مختلف أنحاء المنطقة.