المصدر: بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED)
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
تلخيص
· رغم أن قدرات حزب الله قد استُنزفت بصورة كبيرة فما زال قادرًا على رفع كلفة الحرب على "إسرائيل"؛ فمنذ آذار/ مارس تبنى الحزب استراتيجية الاستنزاف وتكتيكات حرب العصابات في مواجهته للقوات "الإسرائيلية" في لبنان. فبدلًا من الاعتماد بشكل رئيسي على التشكيلات الكبيرة والقصف الصاروخي الكثيف، لجأ الحزب لاستخدام خلايا صغيرة ومواقع إطلاق متفرقة وطائرات مسيّرة وصواريخ موجّهة وهجمات صاروخية انتقائية. وقد أصبحت الطائرات المسيّرة عنصرًا محوريًا في عمليات الحزب؛ إذ استُخدمت في 45% من هجماته في لبنان و32% من هجماته في "إسرائيل". كما استخدم الحزب الصواريخ لتعطيل الحياة شمال "إسرائيل" وإرهاق الدفاعات "الإسرائيلية" وبعث إشارة بقدرته على توسيع نطاق الصراع.
· من غير المرجح أن يشنّ الحزب هجمات واسعة ضد القوات "الإسرائيلية" جنوب لبنان ومستوطنات شمال "إسرائيل" في ظل الظروف الراهنة، لكن من المرجح أن تستمر الاشتباكات المتقطعة والمحدودة قرب المنطقة العازلة في المدى القصير. وسيرتفع خطر شن حملة أوسع نطاقًا إذا استؤنف الصراع بين إيران و"إسرائيل"، أو إذا وسّعت "إسرائيل" عملياتها في لبنان، أو إذا نجح الحزب في إعادة بناء قدرات كافية لتنفيذ مستوى أعلى من الهجمات.
الطائرات المسيّرة تقلص القيمة الوقائية للمنطقة العازلة
منذ انخراطه في الحرب الأمريكية-"الإسرائيلية" مع إيران في الثاني من آذار/ مارس، تبنّى حزب الله استراتيجية استنزاف تهدف للإبقاء على الضغط العسكري والسياسي على "إسرائيل"، مع استخدام تكتيكات عسكرية أقل كلفة. بالمقابل، تم إضعاف القدرات العسكرية للحزب وتقليص دورها الرادع بشكل كبير جراء العمليات "الإسرائيلية" عام 2024، لكنه حافظ على قيمته العسكرية بالنسبة لإيران؛ إذ أثبت أنه ما زال قادرًا على رفع كلفة الحرب على "إسرائيل" في حال تعرّض النظام الإيراني لتهديد جدي من قبلها أو من قبل الولايات المتحدة. ويتجلّى ذلك في تصاعد وتيرة هجماته على عمليات الجيش "الإسرائيلي" في لبنان؛ حيث تجاوز عدد الهجمات 199 هجومًا شهريًا منذ آذار/ مارس 2026، مقارنةً بنحو 163 هجومًا خلال الاجتياح البري "الإسرائيلي" في تشرين الأول/ أكتوبر وتشرين الثاني/ نوفمبر 2024.
وصار الحزب يعتمد على خلايا صغيرة ومواقع إطلاق متفرقة ومشغّلين عن بُعد وهجمات موجّهة، بدلًا من التشكيلات الظاهرة والاشتباك المباشر مع القوات "الإسرائيلية". وقلّص الحزب اعتماده على المواجهة المباشرة مع الجيش، فانخفضت الاشتباكات المسلحة من 34% من إجمالي التفاعلات في لبنان خلال الاجتياح البري عام 2024 إلى 11% بين آذار/ مارس وتموز/ يوليو 2026، وتحوّل الحزب بشكل كبير نحو هجمات عن بُعد أقل حدة ضد القوات "الإسرائيلية" المتواجدة في لبنان. وما زالت الصواريخ تشكّل الجزء الأكبر من أسلحة الحزب لكن استخدام الطائرات المسيّرة ازداد بشكل حاد؛ فقد استخدم الطائرات المسيّرة الانتحارية في 24% من الهجمات بين آذار/ مارس وتموز/ يوليو، ارتفاعًا من 6% عام 2024. أما الطائرات المسيّرة من طراز "منظور الشخص الأول ((FPV" الموجّهة بالألياف البصرية، والتي لم يُبلّغ الحزب عن استخدامها قبل آذار/ مارس 2026، فقد استُخدمت في 21% من الهجمات خلال الأشهر الخمسة الماضية.
ويمثّل الاعتماد على طائرات "FPV" تحوّلًا عن العمليات العسكرية للحزب خلال الاجتياح البري عام 2024، والتي تركّزت على الهجمات الصاروخية. ومع هذا التحوّل، يقدّم الحزب للجيش "الإسرائيلي" مستوى مخاطرة مختلفًا اختلافًا جذريًا؛ فالهجمات الصاروخية كثيرًا ما يتم رصدها أو اعتراضها أو قد تسقط في مناطق مفتوحة. وإن كانت الصواريخ الموجّهة المضادة للدبابات أكثر دقة لكن مداها محدود، أما طائرات "FPV" فهي صغيرة الحجم سهلة الحركة وتحلّق على ارتفاع منخفض وتتطلب دعمًا لوجستيًا محدودًا. كما إن التوجيه بالألياف البصرية جعلها أقل عرضة للتشويش "الإسرائيلي"، فيما تتيح لها أنظمة الرؤية الليلية والتصوير الحراري العمل في ظروف الرؤية الضعيفة.
وقد أنشأت "إسرائيل" منطقة عازلة جنوب لبنان للحدّ من تهديد الصواريخ المضادة للدبابات التابعة للحزب، وذلك بدفع فرق الإطلاق بعيدًا عن المستوطنات "الإسرائيلية" في الشمال. وفي حين تعتبر الصواريخ الموجّهة المضادة للدبابات أكثر فاعلية ضمن مدى يبلغ نحو 6كلم، فقد استهدفت طائرات "FPV" الجنود والمركبات والدبابات والجرافات والمواقع الثابتة والمعدات العسكرية من مسافات تصل إلى 20كلم. وقد سمح مداها ودقتها للحزب بتهديد القوات "الإسرائيلية" داخل المنطقة العازلة وحولها؛ فقد أفادت "إسرائيل" بأن ما لا يقل عن 33 هجومًا عن بُعد نفذها الحزب منذ آذار/ مارس أسفرت عن مقتل أو إصابة "إسرائيليين" في لبنان، كما ادّعى الحزب تحقيق إصابة مباشرة في ما لا يقل عن 240 حادثة أخرى. وقد استخدم الحزب طائرات "FPV" في أكثر من نصف الأحداث الـ33 التي أسفرت عن إصابات أو وفيات مُبلّغ عنها، ولم يكن لهذه الهجمات تأثير عسكري حاسم لكنها تُظهر أن الحزب ما زال قادرًا على فرض تكاليف مميتة رغم الجهود "الإسرائيلية" لإضعاف ترسانته وإبعاده عن الحدود.
القصف الصاروخي مستمر في تعطيل شمال "إسرائيل"
لقد حافظ الحزب على تركيزه على الهجمات الصاروخية ضد بلدات الحدود الشمالية ومنطقة الجليل منذ آذار/ مارس؛ حيث شنّ ما لا يقل عن 821 هجومًا صاروخيًا على "إسرائيل". ورغم أن عدد هذه الهجمات الصاروخية ما زال أقل من تلك المسجّلة عام 2024، فإن هذا القصف يتيح للحزب تعطيل الحياة شمال "إسرائيل" وبعث إشارة بقدرته على توسيع نطاق الصراع في حال التصعيد "الإسرائيلي". وتصبح أوجه القصور في الصواريخ، من إمكانية رصدها وعرضتها للاعتراض واحتمال سقوطها في مناطق مفتوحة، أقل أهمية عندما يكون الهدف بثّ الخوف والتعطيل بدلًا من الاشتباك المباشر مع قوة عسكرية. وقد تزامنت هذه الهجمات في كثير من الأحيان مع توسّع "إسرائيل" شمال نهر الليطاني، أو ضرباتها على الضاحية الجنوبية لبيروت، أو المراحل الحساسة من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.
التوقعات: الحزب يحدّ من عملياته ويعيد بناء أسلحة أقل كلفة
رغم فقدان الحزب جزءًا كبيرًا من نفوذه الرادع تجاه "إسرائيل"، فما زال يحظى بقيمة لدى إيران بوصفه قوة استنزافية قادرة على رفع كلفة الحرب. ومن المتوقع أن يواصل الحزب إعادة بناء قدراته العسكرية بدعم من إيران، لكن في ظل استمرار الضغط العسكري "الإسرائيلي" والضغط الداخلي المتنامي المرتبط بالإطار الثلاثي بين لبنان و"إسرائيل" والولايات المتحدة، من المرجح أن يركّز الحزب على أسلحة أصغر حجمًا وأقل كلفة يسهل الحصول عليها وتجميعها ونقلها وتخزينها، ومن المرجح أن تبقى طائرات "FPV" والصواريخ الموجّهة وغيرها من الأسلحة الدقيقة أولوية بالنسبة له.
ولا يُرجح أن يستأنف الحزب حملة عسكرية واسعة النطاق دون تنسيق وثيق مع إيران، لكن استخدامه لطائرات "FPV" سيظل على الأرجح محوريًا في الهجمات على القوات "الإسرائيلية" قرب المنطقة العازلة، إلى جانب الطائرات المسيّرة الانتحارية والقصف الصاروخي قصير المدى، بما في ذلك الهجمات الصاروخية المحدودة النطاق ضد شمال "إسرائيل". ومن المرجح أيضًا أن تستمر الاشتباكات المحدودة قرب المنطقة العازلة، كما تُظهر هجمات الحزب على القوات "الإسرائيلية" في تلة علي الطاهر بداية آب/ أغسطس الجاري وفي بلدة المنصوري في الخامس من الشهر ذاته أن استمرار الانتشار "الإسرائيلي" جنوب لبنان ما زال مصدرًا للاحتكاك.
العوامل المؤثرة في العمليات العسكرية لحزب الله
· تجدّد التصعيد بين "إسرائيل" وإيران: حيث سيكون ذلك العامل المحفّز الأوضح لشن الحزب حملة أوسع نطاقًا، وستتوقع إيران منه الانضمام إلى الصراع لأن قربه من "إسرائيل" يتيح لها إرهاق جيشها والضغط على منظومات دفاعه الجوي عبر إطلاق وابل من الصواريخ على منطقة الشمال واستئناف الهجمات على القوات "الإسرائيلية" المنتشرة في المنطقة الأمنية. كما يعتمد الحزب بشكل كبير على الإمدادات العسكرية الإيرانية والدعم المالي والمساعدة العملياتية، ومن غير المرجح أن يبقى على الهامش إذا تعرّضت طهران لهجوم "إسرائيلي" كبير آخر. بالمقابل، قد تستغل "إسرائيل" مواجهة أوسع نطاقًا لتكثيف حملتها ضد الحزب وزيادة إضعاف قدراته.
· توسّع أو انسحاب القوات "الإسرائيلية" في لبنان: حيث سيُبقي الانتشار "الإسرائيلي" والعمليات العسكرية في لبنان على مستوى مرتفع من الاحتكاك مع الحزب، ومن المرجح أن يؤدي ذلك لزيادة الاشتباكات معه، لا سيما شمال نهر الليطاني وحول علي الطاهر والنبطية، حيث يمتلك الحزب بنية تحتية عسكرية مهمة. وقد أبدت "إسرائيل" استعدادًا محدودًا للانسحاب، كما تُبدي ثقة محدودة بقدرة الجيش اللبناني على نزع سلاح الحزب، ومن غير المرجح أن يقبل الحزب بنزع سلاحه ما دامت القوات "الإسرائيلية" موجودة في لبنان.
· القدرة العسكرية المتبقية للحزب: فقد تعرّضت القدرات العسكرية ومخزونات الأسلحة لدى الحزب لتدهور كبير، وسيتوقف توقيت وحجم أي عملية في المدى القصير على مدى قدرته على إعادة بناء ترسانته. ومن غير المرجح أن يصعّد الحزب بشكل كبير ما دام بحاجة لتجديد مخزونه من الأسلحة، لا سيما في ظل التحديات المتزايدة المتعلقة بتهريب الأسلحة عبر سوريا، ومحدودية إمكان الحصول على التكنولوجيا التجارية ذات الاستخدام المزدوج.