مستقبل السلام بين مصر والأردن و"إسرائيل" في ظل الضغوط الداخلية والتوازنات الإقليمية الجديدة

الساعة : 15:37
2 سبتمبر 2026
مستقبل السلام بين مصر والأردن و

مع تغير التحالفات الإقليمية يواجه السلام بين مصر والأردن وبين "إسرائيل" ضغوطًا متزايدة، لكن المصالح الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية المشتركة ما زالت ترجّح استمرار التعاون؛ فبينما تواصل "إسرائيل" مواجهة تحديات على عدة جبهات يتعين عليها أيضًا أن تراقب علاقاتها مع الدولتين؛ أقدم شريكين لها في مجال السلام. بالمقابل، يواجه البلدان ضغوطًا داخلية وإقليمية، فيما تثير بعض سياساتهما الأخيرة قلقًا من المنظور "الإسرائيلي"، لكن لا يوجد في الوقت الراهن ما يدعو لتوقع انهيار اتفاقيتي السلام أو تحول أي من البلدين نحو مواجهة عسكرية.

لقد صمدت علاقات "إسرائيل" مع الدولتين لا سيما في مجالي الأمن والبنية التحتية، حتى مع استمرار المواقف الشعبية المعادية لهما بشدة. في الوقت نفسه تسعى كل من تركيا وقطر وباكستان والسعودية لإعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي وجذب مصر والأردن بصورة أكبر إلى فلكها. لكن مصر لم تنضم لاتفاق الدفاع المشترك الموقع في مكة وتقول إنها تحافظ على سياسة متوازنة، إلا أن تعاونها العسكري مع تركيا يتقدم بشكل لافت. وقبل سنوات قليلة فقط كانت القاهرة تنظر إلى أنقرة باعتبارها منافسًا أيديولوجيًا واستراتيجيًا خطيرًا، أما الآن فتسعى تركيا لجذب مصر إلى تكتل بدأ البعض يطلق عليه اسم " STEP في إشارة إلى السعودية وتركيا ومصر وباكستان.

بدوره، يقترب الأردن من النظام الجديد في سوريا، ويتخذ مواقف في الساحة الدولية ترى فيها "إسرائيل" إشكالية كبيرة، لكنها ما زالت تتشارك مصالح مهمة مع المملكة كما هو الحال مع مصر؛ فقد سعت طهران منذ فترة طويلة لزعزعة استقرار الأردن وتحويل الضفة الغربية إلى "غزة ثانية"، في حين تنسجم الهجمات على البنية التحتية للطاقة المصرية مع جهدها الأوسع لتعطيل الاقتصاد العالمي للطاقة. كما تتشارك مصر والأردن مع "إسرائيل" في مصلحة منع حماس من إعادة بناء موقعها في غزة أو السيطرة على السلطة الفلسطينية. وما زال البلدان يعتمدان جزئيًا على روابط البنية التحتية مع "إسرائيل"؛ فالأردن يعتمد على إمدادات المياه "الإسرائيلية"، بينما تحصل مصر على الغاز "الإسرائيلي" وتستفيد من صادراتها إلى الولايات المتحدة بموجب ترتيب المناطق الصناعية المؤهلة  "QIZ الذي يشترط استخدام مدخلات "إسرائيلية" في الإنتاج الصناعي المصري.

سلام بارد ما زال قائمًا وفاعلًا

ما زالت علاقات "إسرائيل" مع مصر والأردن مختلفة تمامًا عن علاقاتها الأكثر دفئًا مع الإمارات والبحرين والمغرب في إطار "اتفاقيات أبراهام"؛ حيث تقتصر العلاقات مع القاهرة وعمّان إلى حد كبير على القنوات الحكومية والأمنية وقنوات أعمال محدودة. وما زالت العداوة الشعبية- والتي عززتها الحرب الحالية- قوية في كلا البلدين، إضافةً إلى مواقف منظمات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات المهنية التي تعارض التطبيع، بينما يستمر التعاون في المجالات التي تتقاطع فيها المصالح العملية للطرفين.

فعلى الجانب المصري، يؤمّن الغاز "الإسرائيلي" نحو سدس استهلاك مصر ويساعدها في دعم اقتصادها الذي يواجه ضغوطًا شديدة، وبموجب إطار المناطق الصناعية المؤهلة  "QIZ" يحتفظ المصنعون المصريون أيضًا بإمكانية الاستفادة من المزايا الجمركية الأمريكية عندما تحتوي منتجاتهم على النسبة المطلوبة من المدخلات "الإسرائيلية". أما الأردن فلديه اتفاقية تجارة حرة خاصة به مع الولايات المتحدة لكن المياه تظل نقطة اعتماد رئيسية؛ فالمملكة تمتلك موارد مائية محدودة للغاية في حين يتزايد عدد سكانها بسرعة، لذلك تظل ترتيبات المياه التي يستند بعضها إلى معاهدة السلام والاتفاقات اللاحقة ذات أهمية كبيرة.

من جهة أخرى، تعمل السفارتان "الإسرائيليتان" في مصر والأردن بصورة أساسية من "تل أبيب" بسبب التهديدات الأمنية، لكن الاتصالات الأمنية والاستخباراتية ما زالت نشطة. كما يشارك ممثلون مصريون وأردنيون في مركز التنسيق المدني-العسكري في "كريات غات" تحت مظلة أمريكية، بما في ذلك التنسيق بشأن قوة الاستقرار الدولية المخطط لها في غزة.

مصر.. الاحتكاك والمصالح المشتركة

لم تتغير المواقف الدبلوماسية الأساسية لمصر تجاه "إسرائيل" حتى الآن؛ فما زالت القاهرة تؤكد على حقوق الفلسطينيين وتنتقد العمليات العسكرية "الإسرائيلية" وتدعو من حين لآخر إلى فتح المنشآت النووية "الإسرائيلية" أمام التفتيش، وفي المحافل الدولية كثيرًا ما تؤيد مصر أو تقود إجراءات تنتقد "إسرائيل". لكن القلق الأكثر إلحاحًا يتمثل في احتمال انضمام مصر إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك الموقع في أغسطس/ آب الماضي؛ فقد شاركت مصر بالفعل في مناورات عسكرية مع تركيا واتخذ البلدان موقفًا مشتركًا يعارض الوجود "الإسرائيلي" في "أرض الصومال".

ومثل هذه الخطوة قد تثير تساؤلات بشأن التزامات مصر بموجب معاهدة السلام لعام 1979، بما في ذلك البند الذي يمنح تلك الاتفاقية الأولوية على الالتزامات الأخرى. وقد زادت جهات خارجية، مثل قطر، من حدة بعض المخاوف في "إسرائيل"، لكن لا توجد مؤشرات على أن مصر تستعد لشن هجوم مفاجئ أو تسعى لانتهاك المعاهدة، ومع ذلك فإن تعمق العلاقة مع تركيا يستحق مراقبة وثيقة.

لكن بالمقابل، ما زالت مصر و"إسرائيل" تتشاركان مصالح استراتيجية مهمة؛ فقد أظهر الهجوم الإيراني على منشأة الغاز في دمياط أن مصر أصبحت هدفًا لجهود طهران الرامية لتعطيل الاقتصاد العالمي للطاقة، ولدى "إسرائيل" كذلك مصلحة مباشرة في منع مثل هذه الهجمات بسبب روابط الطاقة الخاصة بها مع مصر. كما إن تجدد نشاط "الحوثيين" في البحر الأحمر ومضيق باب المندب يهدد البلدين معًا؛ فبالنسبة لمصر يؤدي تعطيل حركة الملاحة في قناة السويس للإضرار بمصدر رئيسي للعملة الأجنبية، أما بالنسبة إلى "إسرائيل" فإنه يهدد طرق الشحن الاستراتيجية. وحتى الآن تجنبت مصر الانخراط العلني في مواجهة "الحوثيين"، لكن تجدد القتال في اليمن قد يغير حساباتها.

في السياق ذاته، تشكل غزة مجالًا آخر تتداخل فيه المصالح؛ فمصر تعارض العديد من السياسات "الإسرائيلية" في القطاع، لكنها تمتلك أيضًا مصلحة واضحة في منع حماس، باعتبارها حركة تابعة للإخوان المسلمين، من استعادة السيطرة. ورغم الخلافات بشأن خريطة طريق مجلس السلام في غزة المؤلفة من 15 نقطة، ستظل هناك مساحة للتنسيق بشأن دور القاهرة بوصفها منطقة خلفية لوجستية خلال المراحل الأولى من إطار تدريجي يهدف لإيجاد بدائل لجزء من سكان القطاع.

الأردن.. توترات متزايدة وتنسيق مستمر

على الساحة الأردنية، شهدت العلاقات تراجعًا حادًا؛ حيث شكّل قرار الملك عبد الله الثاني عام 2019 باستعادة المناطق الحدودية التي كانت مؤجرة لـ"إسرائيليين" لمدة 25 عامًا تحولًا مهمًا. وكان آخر اجتماع بين "نتنياهو" والعاهل الأردني في أوائل عام 2023. ومنذ ذلك الحين اتخذ الملك موقفًا علنيًا أكثر عدائية، لا سيما بسبب المخاوف من أن تؤدي السياسة "الإسرائيلية" إلى تهجير الفلسطينيين من غزة أو من الضفة االغربية.

كما أثارت سياسة الأردن تجاه سوريا بعض المخاوف؛ فرغم نجاح المملكة النسبي في قمع النشاط الجهادي داخل أراضيها إلا أنها لم تفعل الكثير للمساعدة خلال أعمال العنف الخطيرة التي شهدتها منطقة السويداء رغم قربها منها.

وثمة نقطة احتكاك أخرى تتمثل في تعامل الأردن مع الأشخاص المتورطين في "الإرهاب"؛ فقد أُبلغت "أحلام التميمي" التي أُدينت لدورها في تفجير مطعم سبارو في القدس وأُطلق سراحها في "صفقة شاليط" عام 2011، بمغادرة الأردن أوائل عام 2025، لكنها لم تُسلَّم إلى واشنطن وما زالت تعيش وتنشط هناك.

ورغم ما سبق يظل التعاون الأمني مهمًا؛ فقد عمل الأردن تحت قيادة القيادة المركزية الأمريكية "CENTCOM" للمساعدة في اعتراض هجمات إيرانية بالصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة استهدفت "إسرائيل" في أعوام 2024 و2025 و2026، كما تعرض الأردن نفسه لهجمات إيرانية بسبب الوجود العسكري الأمريكي على أراضيه. وللأردن مصلحة كذلك في منع تحول أراضيه إلى قاعدة للإرهاب وتهريب الأسلحة، وقد كان أكثر نجاحًا في مكافحة "الإرهاب" منه في مكافحة التهريب، ما يجعل استمرار التنسيق بين القوات الأمنية أمرًا بالغ الأهمية.

ومثل مصر، فلدى الأردن مصلحة طويلة الأمد في منع حماس من حكم غزة أو السيطرة على السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية، كما إن لديه مصلحة أقل إعلانًا في استمرار نظر "إسرائيل" إلى غور الأردن باعتباره حاجزًا استراتيجيًا. وتشكل القدس مجالًا آخر لتداخل المصالح؛ فبموجب معاهدة السلام تتمتع الملكية الهاشمية بدور خاص فيما يتعلق بالمقدسات الإسلامية في الحرم القدسي الشريف. وقد تتمكن حكومة فلسطينية مستقبلية من تحدي هذا الدور أو تجريد الملك منه، وهو ما يمنح الأردن مصلحة في الحفاظ على الوضع السياسي الراهن.

ما ينبغي على "إسرائيل" أن تفعله

ما زال الحفاظ على اتفاقيتي السلام مع مصر والأردن مصلحة "إسرائيلية" حيوية، حتى في الوقت الذي تثير فيه بعض سياسات البلدين القلق. وبالتالي، ينبغي على "إسرائيل" تجنب الخطوات التي قد تدفع الرئيس المصري أو العاهل الأردني لاتخاذ مواقف أكثر حدة ضدها تحت ضغط داخلي. وفي الوقت نفسه ينبغي لها العمل مع الشركاء الإقليميين والدوليين لإعادة قنوات الاتصال الدبلوماسية رفيعة المستوى، وطمأنة الحكومتين بشأن النوايا "الإسرائيلية" تجاه السكان الفلسطينيين. وينبغي على "إسرائيل" أيضًا أن توضح، لا سيما لمصر، المخاطر طويلة الأمد للانخراط بعمق أكبر في فلك الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وقد يكون بمقدور الأصدقاء في شرق المتوسط تعزيز هذه الرسالة.

من ناحية أخرى، تظل روابط البنية التحتية مصدرًا آخر للنفوذ؛ ففي المدى القصير يمكن للترتيبات غير المحسومة أن تؤثر في السلوك. وعلى المدى الأطول، فإن زيادة اعتماد مصر والأردن على "إسرائيل" في مجالات البنية التحتية الحيوية تخدم المصالح الاستراتيجية "الإسرائيلية".

إضافة إلى كل ذلك، تظل واشنطن مهمة في رسم مسار العلاقات؛ فحتى إذا كان الرئيس الأمريكي "ترامب" مترددًا في ممارسة الضغط على الحكومات التي يعتبرها حليفة، فما زال بإمكان الكونغرس أن يذكّر القاهرة وعمّان، بصورة هادئة وغير علنية، بأن حجم المساعدات العسكرية الأمريكية مرتبط باستمرارهما في الالتزام بالسلام مع "إسرائيل".

والخلاصة أن العلاقات باردة وتزداد توترًا، لكنها ما زالت تستند إلى مصالح أمنية واقتصادية واستراتيجية راسخة، ولدى "إسرائيل" أسباب قوية للحفاظ عليها.