المصدر: معهد دول الخليج العربي (AGSI)
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
يمثل اتفاق الدفاع الناشئ بين تركيا وباكستان والسعودية إعادة ضبط مهمة لبنية الأمن في الشرق الأوسط؛ حيث تسعى السعودية لتنويع اعتمادها الاستراتيجي بعيدًا عن مظلتها الغربية التقليدية، مدفوعةً بأسباب دفاعية لتقوية مواطن الضعف المباشرة على امتداد محيطها البحري والبري. ومن جهتها، ترى أنقرة في هذه الشراكة فرصة للتوسع الاقتصادي ونمو صادراتها الصناعات الدفاعية والتحوط الاستراتيجي في مواجهة اتساع حضور "إسرائيل" إقليميًا. أما إسلام آباد فتسعى من خلال هذا التحالف لتعميق التكامل العسكري والأمني مع دول الخليج لتعزيز شرعيتها الداخلية وتوفير رأس المال ومواجهة تحركات الهند تجاه تلك الدول. ومن ثم فإن هذا التكتل يعتبر أكبر من مجرد ترتيب قائم على المصالح الآنية؛ إذ يعكس سعيًا من قبل القوى الإقليمية غير الخليجية لترسيخ وجودها في المنظومة الأمنية للشرق الأوسط.
بدوره، يقع العراق الذي تزداد هشاشته في قلب هذه المصفوفة الجيوسياسية المتغيرة؛ حيث تقف بغداد عند مفترق طرق بالغ الخطورة في مواجهة تعقيدات سياسية داخلية تفاقمها ضغوط خارجية حادة، في ظل استمرار ضعفه العسكري النسبي مقارنة بجيرانه، والذي من المتوقع أن يتفاقم مع اقتراب انسحاب القوات الأمريكية. فعلى مدى السنوات الماضية استند المبدأ الدبلوماسي العراقي إلى نهج الحياد الاستراتيجي والانخراط الإقليمي المتوازن، وهو ما نجح في رفع مكانة بغداد الدولية وتحويل البلاد من ساحة للصراع الإقليمي إلى جهة تجمع الأطراف للحوار الإقليمي. لكن مع تفكك الشرق الأوسط لتكتلات متنافسة تركز على الأمن الصلب أصبح الحفاظ على هذا التوازن الدقيق غير قابل للاستمرار هيكليًا، ما أثار نقاشًا حادًا حول ثلاثة مسارات استراتيجية رئيسية:
أولًا: الاندماج في المحور الثلاثي الناشئ
نظريًا، يبدو الانضمام لهذا التكتل خيارًا جذابًا؛ إذ يوفر مزيجًا من رأس المال السعودي وقدرات الصناعات الدفاعية التركية ومكانة باكستان القوة النووية ذات الوضع العسكري القوي. ويرى مؤيدو هذا الخيار أنه يوفر مظلة قوية وشاملة لسنّة العراق، توازن التمدد الإيراني المفرط دون الحاجة للاعتماد الرسمي على أطر تقودها الدول الغربية. لكن بالمقابل، فإن هناك عيوبًا استراتيجية عميقة في مبررات انضمام العراق لهذا التكتل، منها:
· اختلال النفوذ: إذ يفتقر العراق للنفوذ المؤسسي والعسكري والاقتصادي اللازم للتأثير في عملية صنع القرار داخل هذا التحالف، وستكون بغداد عمليًا عضوًا هامشيًا ذا فرص ضئيلة للاستفادة بصورة متساوية من المكاسب الاستراتيجية للمجموعة.
· إضفاء الشرعية على التوغل التركي: فأحد أكبر الأخطاء الاستراتيجية في الانضمام لهذا المحور هو احتمال خلق فرصة خلفية لإضفاء الشرعية على وجود القوات التركية شمال العراق، وبالتالي فإن الانضمام لتحالف مع تركيا سيخاطر بتكريس هذا الوضع القائم.
· الهشاشة الهيكلية للتكتل الجديد: فقابلية استمرار هذا التكتل على المدى الطويل تظل موضع شك؛ فقد واجهت المبادرات الثلاثية والثنائية بين هذه الدول تاريخيًا صعوبات بسبب تضارب أجنداتها بعيدة المدى. ورغم ارتباطها بمصالح تكتيكية آنية وتصورات مشتركة للتهديدات، تظل تركيا والسعودية خصمين جيوسياسيين تتداخل طموحاتهما الإقليمية بصورة مباشرة بل وتصطدم أحيانًا، ما قد يطيح بسهولة بالشراكة قبل أن تحقق نتائج معتبرة.
ثانيًا: الاصطفاف الصارم مع الولايات المتحدة
يرى مؤيدو تجديد شراكة استراتيجية ملزمة مع واشنطن أن الولايات المتحدة تظل القوة العالمية الوحيدة القادرة على ضمان سيادة العراق وتوفير قدرات دفاعية متقدمة وردع التعدي الخارجي. لكن هذا الخيار يواجه مقاومة شديدة من الفصائل والكيانات المتحالفة مع قوى المقاومة داخل البرلمان. والأهم من ذلك أن هذا المسار يفترض وجود استعداد لدى واشنطن قد لا يكون موجودًا أصلًا؛ فما زال من غير الواضح مطلقًا إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لرفع العراق لمكانة حليف استراتيجي رئيسي أو شريك رئيسي من خارج "الناتو".
ويستند هذا التردد إلى عجز عميق في الثقة داخل مؤسسة صنع السياسة الأمريكية تجاه الطبقة السياسية العراقية؛ فصانعو القرار الأمريكيون ينظرون لقيادة بغداد باعتبارها إما غير راغبة أو غير قادرة على عزل مؤسسات الدولة عن المصالح الفصائلية، أو فرض سيادة القانون، أو الوفاء بالالتزامات طويلة الأمد المطلوبة لإقامة شراكة استراتيجية مستدامة.
ومن منظور واشنطن، فإن استثمار رأس مال سياسي أو تقديم ضمانات أمنية كبيرة ينطوي على مخاطر مرتفعة بصورة غير مقبولة؛ إذ يمكن للتغيرات السياسية الداخلية في بغداد أن تقوض بسهولة الأهداف الاستراتيجية المشتركة، أو أن تؤدي لتحويل تكنولوجيا الدفاع الأمريكية لجهات إقليمية معادية. ونتيجة لذلك، يبدو أن التفضيل السائد في واشنطن يركز على إدارة علاقة وظيفية منخفضة المستوى بدلًا من رعاية تحالف استراتيجي شامل.
ثالثًا: تعميق الشراكة مع إيران
تدعو قطاعات من الطبقة السياسية لإضفاء الطابع الرسمي على الموقف الدفاعي للعراق بما يجعله متوافقًا مع طهران، بحجة أن الجغرافيا والتهديدات الأمنية المشتركة والتشابكات الاقتصادية العميقة لا تترك أمام بغداد بديلًا قابلًا للاستمرار. ويؤكد المؤيدون لذلك أن إيران الضعيفة تحتاج لمزيد من التضامن لمنع انتقال حالة عدم الاستقرار الإقليمي إلى العراق. بالمقابل، يرى منتقدو هذا التوجه أن تعزيز العلاقات مع إيران المعزولة والمتضررة عسكريًا سيؤدي لعزل العراق بصورة دائمة عن جيرانه العرب، ويعرضه لعقوبات دولية ويُخضع المصالح الوطنية العراقية للأجندة الإقليمية الإيرانية.
كما إن الاصطفاف الأمني الرسمي مع طهران حاليًا يستند لوهم استراتيجي أساسي، يتمثل في توقع قدرة إيران على العمل كضامن أمني موثوق للعراق في مواجهة التهديدات الخارجي، في حين أن إيران (عسكريًا وتكنولوجيًا واقتصاديًا) ليست في وضع يسمح لها بإقامة مظلة دفاعية موثوقة للعراق. فما زالت طهران تفتقر لمنظومة دفاع جوي متكاملة ومتقدمة وتفوق جوي وقدرة لوجستية ضرورية لحماية العراق من أي عدوان خارجي.
إضافةً لذلك، فإن الاعتماد على طهران للحماية ينطوي على سوء فهم لطريقة عمل إيران الأساسية؛ ففي إطار عقيدتها الاستراتيجية الأساسية المتمثلة في "الدفاع المتقدم" لا تساوي طهران المصالح الأمنية لشركائها الإقليميين مع مسألة بقائها الوطني. فقد عملت شبكة الشركاء الإقليميين تاريخيًا كحاجز عملياتي لاستيعاب الصدمات وإسقاط النفوذ خارج حدود إيران وإبقاء الصراع بعيدًا عن أراضيها، وهذا يخلق اختلالًا استراتيجيًا خطيرًا بالنسبة لبغداد في عدة نقاط، أبرزها:
- توقعات من طرف واحد: فدائمًا ما تتوقع طهران من شركائها التعبئة واستيعاب الضربات واستخدام نفوذها للدفاع عن المصالح الاستراتيجية الإيرانية أو لتخفيف الضغط عن النظام.
- تراجع محسوب: أما عندما يواجه شركاؤها أنفسهم تهديدات مباشرة ووجودية أو تصعيدًا عسكريًا حادًا، فغالبًا ما تضبط إيران استجابتها وفقًا لمتطلبات الحفاظ على ذاتها، مفضلةً الخطاب والمناورة عبر الوكلاء على التدخل العسكري المباشر الذي قد يعرضها للخطر.
من جهة أخرى، فإن ربط الوضع الدفاعي لبغداد بطهران في ظل عدم الاستقرار الإقليمي لا يوفر أي حماية حقيقية من العدوان الخارجي، بل يخاطر بتحويل العراق لدرع تضحية يجبر بغداد على تحمل تكاليف هائلة لمواجهات إيران الإقليمية، دون أن يحصل بالمقابل على ضمان أمني ملموس أو موثوق.
توصيات سياسية لصناع القرار العراقيين
حتى لا يكون العراق ضحية لإعادة ترتيب بنية الأمن الخليجي، ينبغي لبغداد رفض إعادة الاصطفاف القائمة على ردود الفعل واعتماد موقف منضبط يعطي الأولوية للسيادة. وينبغي لصناع السياسات العراقيين اتباع الضرورات الاستراتيجية التالية:
1. الحفاظ على عدم الانحياز الاستراتيجي دون عزلة: فينبغي على العراق مقاومة الضغوط للانضمام لهذا المحور أو الالتزام بمواثيق دفاع ثنائية صارمة، وتعزيز دوره بوصفه وسيطًا إقليميًا محايدًا ومركزًا للعبور الاقتصادي، من خلال الاستفادة مثلًا من مبادرة طريق التنمية واستخدام التعاون الثنائي الوظيفي بدلًا من التحالفات العسكرية الرسمية.
2. فصل نزاعات السيادة في الشمال عن التحالفات الإقليمية: فعلى الحكومة أن تعالج فورًا وجود القوات العسكرية الأجنبية شمال العراق من خلال قنوات ثنائية مخصصة وآليات قانونية دولية. ولا ينبغي لبغداد تحت أي ظرف الانخراط في أطر دفاع متعددة الأطراف يمكن لأنقرة استغلالها لإضفاء الشرعية على وجودها العسكري على الأراضي العراقية.
3. إرساء الاعتماد الذاتي المؤسسي في مجال الدفاع قبل سبتمبر/ أيلول: إذ ينبغي للعراق إعطاء الأولوية لتوحيد قواته المسلحة الوطنية وتحديثها في ظل هيكل قيادة موحد. وبدلًا من البحث عن "مظلة أمنية" خارجية ينبغي لبغداد تخصيص موارد الدولة لتطوير قدرات الدفاع الجوي والبنية التحتية لأمن الحدود وتحديث أجهزة الاستخبارات، من خلال تنويع مصادر شراء المعدات الدفاعية.
4. التحول من تحالفات الأمن الصلب إلى الاعتماد الاقتصادي المتبادل: وذلك عبر انخراط العراق مع السعودية وتركيا وسائر جيرانه الإقليميين من خلال مشاريع اقتصادية مشتركة وربط شبكات الطاقة واتفاقيات إدارة المياه؛ فتأسيس العلاقات على المنافع الاقتصادية المتبادلة يخلق نفوذًا لا تستطيع التحالفات العسكرية الصلبة توفيره، ويقلل خطر الانجرار لصراعات إقليمية أوسع.
5. إنشاء مجلس أمن قومي ثنائي الحزبية: وذلك لعزل السياسة الخارجية عن حالة الفصائلية السياسية الداخلية وعن تسييسها لمجرد التسييس. وينبغي أن يتمتع هذا المجلس بالصلاحيات ويتسم بالمهنية وأن تُناط به مهمة تقييم القرارات الاستراتيجية طويلة الأمد وفق معايير موضوعية للمصلحة الوطنية، بدلًا من الارتباطات الطائفية أو الأيديولوجية.
ضرورة السيادة
مع اقتراب الموعد النهائي في سبتمبر/ أيلول القادم لخفض عدد القوات الأمريكية، تنتهي فترة الحياد المريح التي عاشها العراق، لكن التسرع في الانخراط في اصطفافات غير قابلة للاستدامة، لا سيما التكتل الثلاثي غير المتكافئ والهش هيكليًا الذي يخاطر بالمساس بسيادة العراق في الشمال، يوفر إحساسًا زائفًا بالأمن. ويتطلب التعامل مع هذه الحقبة من الفوضى الاستراتيجية من القيادة العراقية مقاومة المناورات الفصائلية، وتجنب إغراء المظلات الأمنية الوهمية، والتركيز على بناء القدرات العسكرية الداخلية، مع الحفاظ على سياسة خارجية ذات سيادة ومستقلة.