المصدر: ميدل إيست فورَم
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
في الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري نظّم عدة مئات من السكان العرب المؤيدين للحكومة مظاهرة في مدينة الحسكة، عاصمة المحافظة التي تحمل الاسم نفسه، والتي يشكّل الأكراد أغلبية سكانها وتقع شمال شرقي سوريا، مطالبين بإنهاء استمرار سيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد" على المنطقة.
وتكتسب هذه المظاهرات أهمية كبيرة لأن "قسد" كانت قد حلّت نفسها واندمجت في مؤسسات الدولة السورية، بموجب اتفاق مع دمشق عزّز بدرجة كبيرة سيطرة الحكومة المركزية على المنطقة. وتشير هذه الاحتجاجات إلى أن اتفاق يناير 2026 لم يُحقّق سوى القليل في سبيل تهدئة التوترات الكامنة المتعلقة بالجهة التي تتولى السيطرة على شمال شرقي سوريا.
وقد أعرب بعض المسؤولين في الحكومة السورية المؤقتة عن دعمهم لمطالب المتظاهرين، وهو ما يزيد الوضع تعقيدًا؛ فقد توصلت حكومة "الشرع" وقائد "قسد" مظلوم عبدي، الذي يشغل الآن منصب مستشار رئاسي، إلى تفاهم يقضي بمنح أشخاص مرتبطين بقوات الأخير مناصب في المؤسسات الإدارية والعسكرية السورية، لكن السلطة السياسية والعسكرية الفعلية انتقلت عمليًا إلى شخصيات موالية لدمشق. ويثير ذلك تساؤلًا أوسع بشأن الغرض من هذه الاحتجاجات ومواقف المسؤولين الحكوميين الداعمين لها؛ فإذا كان الاتفاق قد نقل جانبًا كبيرًا من السيطرة من "قسد" إلى دمشق، فما الذي يسعى المتظاهرون ومؤيدوهم داخل الحكومة لتحقيقه أيضًا؟
وتكشف هذه الاحتجاجات في جوهرها عن ديناميكيتين مهمتين:
أولًا: تُظهر أن بعض أبناء المجتمع العربي ما زالوا يرفضون وجود الأكراد في مواقع السلطة السياسية والعسكرية، بصرف النظر عن كيفية تحوّل ميزان القوى لصالح دمشق؛ حيث ينحدر معظم المتظاهرين من حي غويران، وهو حي عربي في الحسكة له تاريخ من تأييد نظام "الأسد" ثم "تنظيم الدولة الإسلامية" لاحقًا. وتشير مشاركتهم إلى أن معارضة "قسد" لا تنبع بالضرورة من دورها السياسي أو العسكري الراهن وحده، بل قد تعكس أيضًا توترات أعمق بين العرب والأكراد بشأن النفوذ المحلي والسلطة، والحقيقة أن بعض العرب لن يشعروا بالرضا ما لم يروا الأكراد في موقع التبعية لهم.
ثانيًا: قد تكون هذه الاحتجاجات جزءًا من مسعى لدفع ميزان القوى بدرجة أكبر لصالح دمشق، وقد تشير أيضًا إلى أن بعض المسؤولين في الحكومة المؤقتة، لا سيما العرب من أبناء الحسكة، يسعون لإعادة التفاوض بشأن التنازلات المقدمة إلى "قسد" بموجب اتفاق 30 يناير، أو إلى الحد منها وربما تقييد نطاقها.
إن المقصود من الاتفاق لم يكن أن يشكّل حلًا دائمًا، بل بدا حتى وقت إبرامه أقرب إلى ترتيب مؤقت منه إلى تسوية راسخة طويلة الأمد، وقد عالج الأولويات العاجلة للطرفين إلى حد كبير تحت ضغط داعميهما الخارجيين في تركيا. فبالنسبة إلى "الشرع" ورغم رغبته في إعادة تركيز السلطة شمال شرقي سوريا بيد الحكومة المركزية، كان التوصل لاتفاق مع "قسد" مهمًا أيضًا لطمأنة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، والتعامل مع تهديدات أنقرة بشن عملية عسكرية شمال شرقي سوريا. أما "عبدي" فقد كانت خياراته مقيّدة بالقدر نفسه؛ فمع إنهاء الولايات المتحدة دعمها لـ"قسد" واجه ضغوطًا متزايدة من زعيم حزب "العمال الكردستاني" المسجون، عبد الله أوجلان، للتوصل إلى اتفاق مع دمشق، وهو اتفاق سيساعد على تهيئة ظروف أكثر ملاءمة لعملية نزع السلاح الجارية في تركيا.
وفي أيلول/ سبتمبر الماضي، استدرج مسلحون يُعتقد أنهم مرتبطون بإحدى القبائل العربية جنديًا كرديًا يخدم في الجيش السوري إلى أحد المواقع، ثم قطعوا رأسه. وأثار مقتله احتجاجات في مختلف أنحاء المناطق الكردية في سوريا. وخلال إحدى المظاهرات في مدينة "كوباني"، احتجزت السلطات عشرات المتظاهرين الأكراد واستعدت لنقلهم إلى حلب، وردّ المحتجزون على ذلك بإشعال حريق في مركز الاحتجاز، ما أسفر عن مقتل سبعة سجناء وأدى لاندلاع مزيد من الاحتجاجات.
ومن المرجح أن تستمر هذه الحوادث، إلى جانب الاحتجاجات الواسعة المطالبة بإدراج تعليم اللغة الكردية إدراجًا كاملًا في المناهج الرسمية للمدارس السورية، ما دامت الأسباب الجذرية للتوترات دون معالجة. فالأكراد السوريون يطالبون بحكم ذاتي حقيقي في مناطقهم، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أنهم يرون فيه ضمانة تحميهم من السكان العرب الذين يزداد شعورهم بالقدرة على تحدي مطالب الأكراد بالمساواة، ودون معالجة هذه القضية الجوهرية، فإن أي حل على غرار اتفاق يناير 2026 لن يكون أكثر من مجرد تأجيل للمشكلة وترحيلها إلى المستقبل دون حلها فعليًا.