تطورات الأجهزة الأمنية
أجرى رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان سلسلة مباحثات إقليمية ودولية مكثفة شملت تركيا والسعودية ومصر، في إطار مشاورات سياسية وأمنية تتصل بمستقبل الأزمة السودانية وتداعياتها الإقليمية. ففي العاصمة التركية أنقرة، عقد البرهان محادثات ثنائية مع الرئيس أردوغان، أعقبتها جلسة موسعة ضمّت وزراء الخارجية والدفاع والزراعة، ورئيس جهاز المخابرات، ورئيس هيئة الصناعات الدفاعية. ووفق الرئاسة التركية، تناولت المباحثات العلاقات الثنائية، وتطورات الأوضاع في السودان، والجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار الإقليمي، إضافة إلى آفاق التعاون الدفاعي بين البلدين. وتشير مصادر مطلعة إلى أن البرهان يعتزم مواصلة هذا الحراك بزيارة مرتقبة إلى دولة قطر في إطار مشاورات سياسية أوسع.
وفي السياق ذاته، أجرى رئيس مجلس السيادة مباحثات مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في العاصمة الرياض، ناقشا خلالها تطورات الأزمة السودانية والجهود الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار. وشهد اللقاء حضور قيادات تنفيذية وأمنية وعسكرية من الجانبين السعودي والسوداني، إلى جانب مشاركة المبعوث الأميركي، ما منح المباحثات بعدًا إقليميًا ودوليًا يعكس ثقل الدور السعودي ضمن مقاربة الرباعية الدولية. كما زار البرهان العاصمة المصرية القاهرة في زيارة رسمية قصيرة، حيث كان في استقباله الرئيس السيسي، ورافقه عدد من كبار المسؤولين، في مؤشر على استمرار التنسيق السياسي والأمني بين البلدين بشأن تطورات الملف السوداني.
على الصعيد الدولي، طرح رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس مبادرة شاملة أمام مجلس الأمن الدولي تهدف إلى تسوية النزاع في السودان، تقوم على وقف شامل لإطلاق النار تحت رقابة دولية وإقليمية. وأوضح إدريس أن المبادرة تستند إلى إشراف الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، مع التأكيد على نزع سلاح ما وصفها بـ"المليشيات المتمردة"، وتنفيذ برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج للمقاتلين غير المدانين، بما يسهّل عودتهم إلى الحياة المدنية. بموازاة ذلك، توصّل السودان ودولة جنوب السودان إلى اتفاق يقضي باستئناف الإنتاج في حقلي هجليج وبمبو النفطيين بولاية غرب كردفان، بالتوازي مع ظهور قائد ثاني قوات الدعم السريع عبد الرحيم دقلو في جولة ميدانية داخل منطقة هجليج.
مستجدات الإجراءات الأمنية
· شرعت قيادة الجيش السوداني في اتخاذ إجراءات عملية لحصر وتصنيف الجماعات المسلحة المساندة لها، تمهيدًا لإعادة تنظيم وضعها وتغيير طبيعة مشاركتها في العمليات العسكرية، بما في ذلك دمج بعض التشكيلات داخل المؤسسة العسكرية. غير أن هذه الخطوات قوبلت برفض حاد من قبل “كتيبة البراء بن مالك”، التي وصفت القرارات بأنها “كارثية” وطالبت بإقالة رئيس هيئة الأركان.
· أغلقت الشرطة أربعين مكتبًا لمنتحلي صفة القوات النظامية في ولاية الخرطوم، وأوقفت نحو خمسة آلاف متهم خلال فترة وجيزة، في إطار حملات أمنية لمكافحة الجريمة والفوضى الأمنية.
· وقّع السودان وتركيا اتفاق توأمة بين ميناء بورتسودان وميناء مرسين، شمل تبادل الخبرات ونقل التكنولوجيا ورفع كفاءة التشغيل في قطاع الموانئ.
· كشفت مصادر مصرفية عن تقديم اللواء بحري متقاعد إسماعيل عثمان أبو شوك استقالته من منصب مدير بنك النيلين، بعد أيام قليلة من تعيينه.
· أصدر رئيس مجلس السيادة توجيهًا للمرة الثانية بعدم حرمان السودانيين من وثائق الهوية، بما في ذلك الأشخاص الذين تواجههم بلاغات أو دعاوى قانونية.
· أعلنت لجنة تقصي الحقائق التابعة لاتحاد المحامين العرب شروعها في التحقيق بشأن الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين في إقليم دارفور.
· أعلن المسجل التجاري بوزارة العدل وقف إصدار المعاملات في مدينة بورتسودان، تمهيدًا لاستئناف العمل الإداري في العاصمة الخرطوم.
· قرر حزب المؤتمر السوداني فصل مجموعة من أعضائه بعد توقيعهم على ميثاق تحالف السودان التأسيسي "تأسيس"، من بينهم والي شمال دارفور السابق محمد حسن عربي.
أبرز الأحداث الأمنية
· أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها على بلدة هجليج النفطية بولاية غرب كردفان، بعد انسحاب الجيش من مواقعه الدفاعية ودخوله إلى أراضي دولة جنوب السودان حيث جُرِّد من سلاحه. كما أفرجت عن مئات المدنيين الذين كانت قد احتجزتهم لمدة أسبوعين في بلدة أم بادر بولاية شمال كردفان، بعد منعهم من مواصلة السفر نحو الولاية الشمالية.
· سيطرت قوات الدعم السريع على بلدتي أبو قمرة وأمبرو بولاية شمال دارفور، عقب انسحاب القوة المشتركة المتحالفة مع الجيش من مواقعها الدفاعية، في سياق تحركات تهدف إلى بسط النفوذ على آخر معاقل حلفاء القوات المسلحة قرب الحدود السودانية–التشادية.
· دخلت قوات الدعم السريع مدينة كرنوي الواقعة على بُعد نحو 200 كيلومتر من الفاشر، عقب انسحاب القوة المشتركة إلى مدينة الطينة.
· قصفت طائرات مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع محطات كهرباء في ولاية نهر النيل، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن مدن عدة، من بينها عطبرة والدامر، وسقوط قتلى في مناطق متفرقة شمالي وجنوبي البلاد.
· استعاد الجيش السيطرة على بلدة عُلوبة جنوب شرقي مدينة الأبيض، بعد ساعات من إعلان قوات الدعم السريع السيطرة عليه.، كما استهدف بالطائرات المسيّرة بلدات بولاية غرب كردفان، من بينها أبو زبد وأبو قلب والمحفورة، ما أدى إلى تدمير عدد من المركبات القتالية وتحييد عناصر مقاتلة تابعة للدعم السريع.
· تعرّضت مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان لقصف مدفعي كثيف نفذته قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، ما أسفر عن مقتل ستة عشر شخصًا، بينهم نساء وأطفال، وإصابة آخرين.
· تعرّض الناشط السوداني هشام علي المعروف بـ"ود قلبا" لمحاولة اغتيال في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، بعد تعرّضه للطعن من قبل مجهول، ونُقل إلى المستشفى حيث وُصفت حالته بالمستقرة.
· نفذت الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، وبمساندة قوات الدعم السريع، قصفًا مكثفًا باستخدام المسيّرات والمدفعية الثقيلة استهدف مدينتي كادقلي والدلنج بولاية جنوب كردفان، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف المدنيين.
· أعلن الجيش السوداني مقتل قائد ثاني الفرقة 22 مشاة في بابنوسة، اللواء عبد الماجد أحمد الحاج، في حين ظل مصير قائد الفرقة اللواء معاوية حمد غير مؤكد، وسط ترجيحات تشير إلى مقتله أثناء الانسحاب جنوبًا.
المؤشرات والاتجاهات الأمنية
· تشير التقديرات إلى أن الجيش السوداني يتجه نحو إبداء مرونة مشروطة للمقترحات المطروحة، يسعى من خلالها إلى كسب الوقت لإعادة ترتيب وضعه وتحسين موقعه التفاوضي والميداني. وفي المقابل، يُرجَّح أن يلجأ الدعم السريع إلى تصعيد عملياته العسكرية في مناطق حساسة مثل الأبيض وكادقلي، في محاولة لفرض وقائع ميدانية وتمنحه أوراق قوة إضافية.
· لا تعكس الزيارات المتكررة لكل من السعودية ومصر عودة فعلية لمسار تفاوضي نشط تقوده الرباعية الدولية، بقدر ما تشير إلى تبلور تحالف إقليمي غير معلن يضم السعودية ومصر والسودان وإريتريا، تحكمه اعتبارات أمن البحر الأحمر وتوازنات النفوذ في القرن الأفريقي. وضمن هذا السياق، باتت الأزمة السودانية جزءًا من اصطفافات إقليمية أوسع، لا تُبنى بالضرورة على أولوية إنهاء الحرب، بل على إدارة تداعياتها بما يخدم المصالح الاستراتيجية للدول المنخرطة.
· يمثل دخول قوات جنوب السودان إلى منطقة هجليج لحماية منشآتها النفطية تحولًا نوعيًا في مسار الحرب، إذ يكشف انتقال الصراع من إطاره الداخلي إلى مستوى إقليمي أكثر تعقيدًا. ويعيد هذا التطور رسم حدود التهديد، ويفتح الباب أمام دول الجوار، مثل مصر وإثيوبيا وإريتريا، لاستخدام مبررات مماثلة للتدخل إذا ما شعرت بتهديد مباشر لمصالحها الحيوية، وبما يتسق مع حساباتها الاستراتيجية الخاصة.