الحدث
كشفت مصادر إعلامية سودانية متطابقة، السبت 23 مايو 2026، عن قرار نحو 35 قيادياً من تحالف "صمود" المدني المعارض العودة إلى السودان والانخراط في حوار مباشر مع السلطة القائمة في الخرطوم، بعد أسابيع من الخلافات الحادة التي شقّت صفوف التحالف حول الموقف من الحرب وقوات الدعم السريع. ونقلت صحيفة "تاق برس" و"اليوم نيوز" عن الكاتب الصحفي عبد الماجد عبد الحميد أن قائمة العائدين تضم رئيس حزب سياسي بارز خاض خلال الأشهر الماضية نقاشاً حاداً مع رئيس التحالف عبد الله حمدوك بسبب الموقف الداعم لقوات الدعم السريع، وأن "وفد مقدمة غير معلن" وصل لترتيب الحوار مع نافذين في المشهد السياسي والأمني. ويأتي ذلك بالتزامن مع اجتماع قوى "إعلان المبادئ" في نيروبي واعتمادها وثيقة "الميثاق السياسي" وخارطة طريق ثلاثية.
الرأي
يحمل هذا التطور دلالة استراتيجية تتجاوز مجرد بوادر حصول انشقاق داخل تحالف معارض، إذ يُمثّل انكساراً في الحاضنة السياسية المدنية التي طالما وفّرت لقوات الدعم السريع غطاءً خطابياً وسياسياً منذ توقيع "إعلان أديس أبابا" بين حمدوك وحميدتي في يناير 2024. ويشير خروج 35 قيادياً -من بينهم رئيس حزب وازن- إلى انتقال الكتلة الأكبر من "صمود" من موقع "المعارضة السياسية المتحالفة موضوعياً مع الدعم السريع" إلى موقع "المتفاوض الباحث عن دور في إطار الدولة"، وهو تحوّل يُضعف الرواية التي رسّختها المليشيا عن نفسها بوصفها شريكاً سياسياً لقوى مدنية ديمقراطية، ويُجرّدها من غطاء كانت تستخدمه في عواصم القرار الدولي.
بموازاة ذلك، تتقاطع هذه المعطيات مع موجة متسارعة من المؤشرات تكشف بدء "تفكك التحالف غير المعلن" بين الدعم السريع وحاضنته السياسية، فمن جهة، أعلنت واشنطن رسمياً رفضها الاعتراف بالحكومة الموازية في نيالا، ومن جهة ثانية، تتسارع الانشقاقات الميدانية في صفوف المليشيا (النور القبة، السافنا، حبيب حريكة، الهويرة)، ومن جهة ثالثة، يدخل مسار المنامة التفاوضي طوره الجدي. كما أن قرار العودة جاء بعد سلسلة ضغوط مارستها القاهرة والرياض على شخصيات مدنية في "صمود"، خاصة بعد انعقاد اجتماعات تحضيرية للقاء بين الكتلة الديمقراطية والتحالف، ضمن جهد إقليمي لإعادة هندسة المشهد السياسي السوداني بعيداً عن نفوذ المحور الإماراتي.
ويبرز السيناريو الأرجح في تحوّل "صمود" خلال الأسابيع القادمة من تحالف موحد إلى كيانَين متباينَين: جناح يقوده حمدوك يبقى في نيروبي مع رؤية مرنة تجاه الدعم السريع وتسوية شاملة تعطيه دوراً سياسياً، وجناح أوسع يعود إلى الخرطوم ويقبل بالعمل تحت سقف الدولة القائمة. هذا الانقسام، إن تكرّس، سيُسهّل على الحكومة في بورتسودان تقديم نفسها للمجتمع الدولي بوصفها مظلة جامعة، ويُضيّق هامش حمدوك التفاوضي. ويتقاطع ذلك مع تسارع ضغط واشنطن على الإمارات والدعم السريع بعد أن تكون قد فرّغت ساحة المعارضة المدنية من القدرة على توفير "بديل شرعي"، بما يفتح الباب أمام تسوية تحت سقف الجيش كمؤسسة دستورية، وفق ما عبّر عنه مسعد بولس مؤخراً. ويبقى ما يستحق المراقبة هو ما إذا كان جناح الحوار سيُترجم قراره إلى حضور علني في الخرطوم خلال الأسبوعين القادمين، وموقف القاهرة من الترتيب وما إذا كانت ستحتضن لقاءً موسعاً بين هذا الجناح والكتلة الديمقراطية قبل عيد الأضحى.