إضاءة على التحولات المؤثرة داخل الكونغرس الأمريكي ضد الدعم لـ"إسرائيل"

الساعة : 10:50
18 يوليو 2026
إضاءة على التحولات المؤثرة داخل الكونغرس الأمريكي ضد الدعم لـ

المصدر: موقع موندووايس

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

أظهرت التطورات السياسية الأخيرة في الولايات المتحدة كيف يلجأ المسؤولون المنتخبون في واشنطن لتطويع قواعدهم الإجرائية لضمان استمرار تدفق الأسلحة إلى "إسرائيل"، بالمقابل تفيد مؤشرات خارج العاصمة بأن هذا الواقع قد يكون آخذًا في التغير؛ فقد تمكنت "ميلات كيروس" من هزيمة النائبة المخضرمة "ديانا ديغيت" التي شغلت مقعدها في الكونغرس على مدار 15 دورة، في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي بولاية كولورادو، لتضيف اسمها إلى قائمة الانتصارات التي حققها الجناح التقدمي في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية هذا العام. وبما أن الدائرة الانتخابية تُعتبر معقلًا آمنًا للديمقراطيين فإن فوز "كيروس" في الانتخابات التمهيدية يعادل عمليًا الفوز بالمقعد في الانتخابات العامة، كما هو الحال مع العديد من المرشحين التقدميين الآخرين

 ويعزز هذا الانتصار الوزن التصويتي داخل الكونغرس للأعضاء الديمقراطيين الأكثر ميلًا إلى اليسار، والأكثر معارضة للحرب على غزة وما يصفونه بالإبادة الجماعية. كما كشفت الأحداث داخل مجلس النواب مدى الحاجة لهذا التحول؛ حيث أوقفت لجنة القواعد التي يهيمن عليها الجمهوريون محاولة للطعن في استمرار المساعدات الخارجية المقدمة إلى "إسرائيل". ورغم أن المناورات البرلمانية مثلت انتكاسة للمحاولة فقد أظهرت أيضًا أن تزايد عدد الديمقراطيين، بل وحتى بعض الجمهوريين المستعدين للتصويت ضد زيادة الدعم لـ"إسرائيل"، قد يتيح لهم ممارسة تأثير سياسي أكبر في المستقبل القريب.

الأمر لا يتعلق بالأرقام فقط

لقد بدأت القصة داخل لجنة القواعد في مجلس النواب؛ حيث كان الجمهوريون يقررون أي التعديلات المقترحة على مشروع قانون مخصصات وزارة الخارجية السنوي سيُعرض للتصويت وأيها سيُرفض مباشرة. فتقدم النائب الجمهوري عن ولاية كنتاكي، توماس ماسي، بعدة تعديلات تقضي بإلغاء المساعدات العسكرية الخارجية لكل من "إسرائيل" ومصر والأردن. ويبدو أن التعديل المتعلق بمصر قد سُحب بينما سمحت اللجنة بإحالة التعديلين الآخريْن إلى التصويت. ولا توجد فرصة حقيقية لإقرار تعديلات "ماسي"؛ فقد صيغت هذه التعديلات بصورة فضفاضة بما يمنح أعضاء مجلس النواب هامشًا واسعًا للتصويت ضدها، مع الاستمرار في الادعاء بأنهم منفتحون على إعادة النظر في تسليح "إسرائيل"  مستقبلًا، وسيتم رفض التعديل المتعلق بالأردن على الأرجح ما دام التعديل الخاص بـ"إسرائيل" سيُرفض.

ومع ذلك، فإن مجرد طرح هذه التعديلات قد وضع عددًا من النواب الديمقراطيين في موقف سياسي حرج؛ فقد برر عدد منهم معارضتهم بالقول إن التعديل سيحرم "إسرائيل" من التمويل المخصص لـ"البرامج الدبلوماسية"، وليس فقط من المساعدات العسكرية. وهذا تبرير مضلل لأن مشروع القانون لا يتضمن عمليًا سوى تمويل محدود للغاية لبرامج غير عسكرية؛ أما السبب الحقيقي فهو أن هؤلاء الديمقراطيين لا يريدون أصلًا التصويت على مسألة المساعدات لـ"إسرائيل". ويرجع ذلك إلى التباين الشديد في مواقفهم حاليًا تجاه القضية الفلسطينية عن مواقف قواعدهم الانتخابية أكثر من أي ملف سياسي آخر؛ فرغم استمرار خشيتهم من رد فعل الممولين وجماعات الضغط إذا صوتوا ضد المساعدات لـ"إسرائيل"، فهم يدركون أيضًا أن ناخبيهم سئموا من رؤية أموال الضرائب الأمريكية تُستخدم في تمويل "الإبادة الجماعية" و"التطهير العرقي" و"الاحتلال العسكري" وغيرها من جرائم الحرب.

لهذا أصبح الديمقراطيون في مجلس النواب يخشون رد فعل ناخبيهم إذا صوتوا ضد تعديل "ماسي"، وهو وضع غير مألوف بالنسبة للتيار الديمقراطي التقليدي. ويمكن الاستشهاد هنا بتصريحات "بيت أغيلار"، أحد أبرز القيادات الديمقراطية في مجلس النواب والمعروف بدعمه القوي لـ"إسرائيل"، إذ قال: "سواءً كنت مؤيدًا أو معارضًا لتعديل ماسي، فهذا لا يعني أننا نعتقد أن كل شيء يسير على ما يرام في تلك المنطقة، ولا يعني أيضًا أن نتنياهو يملك شيكًا على بياض، كما لا يعني أن مساعداتنا ودعمنا سيستمران إلى الأبد، وسنواصل العمل على هذا الملف."

وبالتالي، فإن "أغيلار" يعارض التعديل دون شك ويدعم استمرار المساعدات لـ"إسرائيل"، ويُعتبر أيضًا من الشخصيات المفضلة لدى لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية "AIPAC". رغم ذلك فإن مجرد اضطراره لتقييد دعمه الخطابي لـ"إسرائيل" بهذه الطريقة يعكس حجم الضغوط السياسية التي أصبح يشعر بها.

في السياق ذاته، قالت النائبة الديمقراطية المؤيدة لـ"إسرائيل"، لويس فرانكل: "إذا كنا سنعيد ضبط علاقتنا مع أي دولة أجنبية فلا ينبغي أن يتم ذلك من خلال تعديل ضمن مشروع قانون للمخصصات، بل ينبغي أن يكون نتيجة نقاش واسع ومعمق تشارك فيه أطراف كثيرة." وهذه الصيغة بحد ذاتها لافتة؛ إذ لم تتضمن أي إشارات معتادة إلى "إسرائيل" بوصفها "حليفًا عظيمًا"، وكأن الحديث يدور عن أي دولة أخرى. أما "غريغ ميكس"، النائب الديمقراطي عن نيويورك والعضو الديمقراطي الأبرز في لجنة الشؤون الخارجية فكان أكثر وضوحًا، إذ قال: "أعلم أن إسرائيل ما زالت تواجه أخطارًا، ولا أريد أن تُحرم مما تحتاج إليه... لكن هناك عوامل كثيرة تمنعنا من القول ببساطة: سنوقف 3.3 مليارات دولار... لا أعتقد أن ذلك سيكون سياسة حكيمة."

التلاعب بالقواعد لخدمة "إسرائيل"

رغم أن التعديل قدمه نائب جمهوري فإن بقية أعضاء حزبه لا يواجهون أي حرج في التصويت لصالح استمرار تسليح "إسرائيل"، ولهذا يرى الديمقراطيون أن قرار لجنة القواعد لم يكن سوى محاولة لإحراجهم سياسيًا. فاللجنة تعلم أن التعديل لن يمر لكنها أرادت إجبار الديمقراطيين على تسجيل موقف علني من قضية المساعدات لـ"إسرائيل"، وإبراز الفجوة بين مواقف ممولي الحزب من جهة وقواعده الانتخابية من جهة أخرى. ويتضح هذا الأسلوب أكثر بالنظر للتعديلات الأخرى التي أعلنت اللجنة أنها "غير مقبولة إجرائيًا"، أي إنها سقطت قبل أن تُعرض أصلًا على مجلس النواب.

ومن بين هذه التعديلات مشروع يقضي بحذف المادة 219 (التي كانت تعرف سابقًا بالمادة 224) من قانون مخصصات الدفاع الوطني، وتهدف لتعميق التشابك بين الجيشين الأمريكي و"الإسرائيلي"، بما يمنح "إسرائيل" عمليًا مقعدًا دائمًا داخل عملية صياغة الاستراتيجية العسكرية الأمريكية، ويعزز تبادل المعلومات الاستخباراتية والتكنولوجيا العسكرية بين الجانبين. وقد علق "ماسي" على قرار اللجنة بقوله: "إذا أصبحت المادة 219 قانونًا نافذًا، فعلى الشعب الأمريكي أن يعتبر ذلك استسلامًا كاملًا من الكونغرس لاستقلال القرار الوطني أمام النفوذ الأجنبي."

كما تقدمت النائبة "ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز" بأحد عشر تعديلًا على مشروع قانون مخصصات وزارة الخارجية، استهدف أحدها بصورة مباشرة الحد من سهولة منح الأسلحة لـ"إسرائيل"؛ فقد نص على إلزام الرئيس الأمريكي بتقديم شهادة رسمية تؤكد أن أي دولة تتلقى أسلحة أمريكية تستخدمها بما يتوافق مع القانون الدولي وأنها لا تعرقل وصول المساعدات الإنسانية. وبعد تقديم هذه الشهادة يصبح لزامًا على الكونغرس إصدار قانون منفصل يجيز كل عملية لنقل الأسلحة. وقد يبدو هذا الإجراء مجرد زيادة في التعقيدات البيروقراطية، خاصةً وأن القانون الأمريكي يحظر أصلًا تقديم مساعدات عسكرية للدول التي لا تستوفي هذه الشروط.

لكن الواقع مختلف تمامًا؛ حيث تحصل "إسرائيل" سنويًا على المنح العسكرية، ويرسل الرئيس الأسلحة ثم يكتفي الكونغرس بالموافقة الشكلية لأن الافتراض المسبق هو أن "إسرائيل" بوصفها "الحليف العظيم" تلتزم تلقائيًا بالقانون الدولي. أما تعديل "أوكاسيو-كورتيز" فكان سيقلب هذا المنطق؛ إذ يجعل إثبات التزام "إسرائيل" شرطًا سابقًا لنقل الأسلحة بدلًا من افتراض التزامها تلقائيًا.

وهذا التعديل كان سيحوّل القضية لنقاش سياسي وإعلامي مفتوح، ويوفر للناشطين الساعين لوقف تدفق السلاح إلى "إسرائيل" فرصة أكبر للتأثير داخل الرأي العام والبيت الأبيض والكونغرس. ولو وصل التعديل إلى قاعة التصويت لوَضَع كثيرًا من الديمقراطيين، وحتى بعض الجمهوريين الذين تعارض قواعدهم الانتخابية استمرار تسليح "إسرائيل"، أمام معضلة سياسية حقيقية. وربما لم يكن ذلك كافيًا لإقراره، لكنه كان سيطلق أجراس الإنذار داخل "AIPAC" ومكاتب أعضاء الكونغرس المتحالفة معها، بيد أن هذا التعديل تحديدًا لن يرى النور لأنه يُعتبر تعديلًا معقولًا يحظى بتأييد غالبية الناخبين الديمقراطيين والمستقلين وحتى بعض الجمهوريين.

وينطبق الأمر نفسه على تعديل "خانا–ماسي"، وهذه هي قوة امتلاك الأغلبية داخل مجلس النواب حتى وإن كانت أغلبية ضئيلة؛ ففي السابق لم يكن مهمًا أي الحزبين يسيطر على المجلس؛ إذ كانت "الشيكات المفتوحة" لـ"إسرائيل" تستمر دون تغيير. لكن هذا الواقع بدأ يتغير؛ فقد أظهرت الانتخابات الأخيرة أن الديمقراطيين لم يعودوا يشعرون بالارتياح عند التصويت لصالح المساعدات لـ"إسرائيل"، وأصبحوا يدركون أن هذه المواقف قد تكلفهم خسارة الانتخابات وهو أمر لم يكونوا يعتقدون من قبل أنه قد يحدث.

رغم ذلك، ما زال الطريق طويلًا؛ فالنائب التقدمي "غريغ كاسار" الذي لم يكن من أكثر الأصوات جرأة في الدفاع عن فلسطين قال بشأن تعديل "ماسي": "أدرك أن التعديل بصيغته الحالية قد يوقف التمويل العسكري (نحو 3.3 مليارات دولار) إضافة لجزء من التمويل الدبلوماسي (حوالي 50 مليون دولار)، ورغم أنني كنت أفضّل التصويت على تعديل يوقف التمويل العسكري فقط فإن الأهم بالنسبة لي هو معارضة مليارات الدولارات المخصصة للدعم العسكري."

ورغم أن "كاسار" و"أوكاسيو-كورتيز" هما الوحيدان اللذان صرّحا علنًا بتأييدهما لتعديل "ماسي"، فمن المرجح أن ينضم إليهما عدد أكبر من الديمقراطيين. وسيكون لحجم التأييد هذا دلالة مهمة لأنه سيكون بمثابة رسالة إلى "AIPAC" وغيرها من جماعات الضغط المؤيدة لـ"إسرائيل" بأن موقعها السياسي لم يعد بالصلابة التي كان عليها. ومن المرجح أن يصبح هذا الموقع أكثر هشاشة في الكونغرس القادم، وإن كان مجرد فوز الديمقراطيين بالأغلبية لن يكون كافيًا لإحداث تحول جذري، لكن الضغط المنظم دفاعًا عن الحقوق الفلسطينية والمطالبة بإعادة صياغة السياسة الأمريكية تجاه "إسرائيل"، لم يكن يومًا بهذا المستوى من التنظيم والاتساع والتأثير.

فهذا الضغط قادر على جعل استمرار تدفق الأسلحة إلى "إسرائيل" أكثر كلفة سياسيًا بالنسبة للديمقراطيين، بالمقابل ما زالت جماعات الضغط المؤيدة لـ"إسرائيل" وفي مقدمتها "AIPAC" تتمتع بموارد مالية ضخمة وخبرة طويلة وشبكة علاقات واسعة داخل واشنطن، ما يجعلها قوة مؤثرة يصعب  تجاوزها. لكن الساحة السياسية الأمريكية أصبحت اليوم أكثر تنافسية من أي وقت مضى، وتسويق "إسرائيل" داخل الولايات المتحدة أصبح أكثر صعوبة من أي مرحلة سابقة، وقد بدأت مؤشرات هذا التحول تظهر بالفعل، ما يجعل الطريق نحو سياسة أمريكية مختلفة تجاه فلسطين و"إسرائيل" أكثر انفتاحًا مما كان عليه في السابق.