المصدر: معهد كارنيجي
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
ملخص تنفيذي
ترسخت في مصر خلال عهد "السيسي" استراتيجية يمكن أن توصف بأنها "رأسمالية ملاك الأراضي"، تقوم على استثمار الأراضي والبنية التحتية والأصول المملوكة للدولة لتحقيق عوائد مالية، بدلًا من التركيز على الإنتاج والتحديث التكنولوجي. ويلعب الجيش دورًا محوريًا في هذا النموذج، خصوصًا عبر إدارة مشاريع البناء والعقارات واستصلاح الأراضي وتأجيرها للمستثمرين. وقد يبدو هذا التحول مؤشرًا على نضج الاقتصاد العسكري وقدرته على توليد فوائض مالية في بعض القطاعات، لكنه يكشف أيضًا عن اقترابه من التشبع؛ فالنموذج يعتمد على الريع والتمويل بالدين وتدفقات رأس المال الخارجي، بينما تتراجع قدرته على تحقيق عوائد جديدة، ما يضع مصر أمام تكاليف كبيرة وعوائد مؤجلة وغير مؤكدة. ويمكن تلخيص المقال في النقاط الرئيسية:
- يرتكز نهج "السيسي" في توليد الإيرادات العامة وتحقيق النمو الاقتصادي الكلي على السيطرة على الأراضي والبنية التحتية والأصول المملوكة للدولة كمصدر رئيسي للتراكم، بدلًا من الاستثمار الإنتاجي أو التحديث التكنولوجي.
- يلعب الجيش دورًا محوريًا في صنع القرار ووضع السياسات التي تتمحور حول الرئيس فيما يتعلق باستراتيجية الدولة الاستثمارية.
- تقود بعض الأجهزة العسكرية نموذجًا لـ"رأسمالية الإقطاع" يركز على تأجير الأراضي المملوكة للدولة في المناطق الحضرية والريفية لمستثمرين من القطاع الخاص.
- تُشكّل نحو مائة شركة عسكرية جزءًا متبقيًا من الاقتصاد العسكري، وتُستخدم كأداة للمحسوبية وتداول النخب داخل القوات المسلحة.
- ما زال الريع سمةً بارزةً في الاقتصاد العسكري، ما يؤدي لتوسع مستمر في مشاريع العقارات والزراعة بغض النظر عن جدواها وربحها.
ويخلص التقرير إلى النتائج التالية:
- يُهيمن الرئيس والجيش بشكلٍ كبير على البيئة السياسية وظروف السوق التي تعمل ضمنها جميع الجهات الفاعلة الاقتصادية، بما في ذلك القطاع الخاص.
- تُظهر المشاريع التي تُديرها المؤسسة العسكرية في مجال العقارات الحضرية والزراعة الصحراوية نجاحاتٍ أوليةً قوية، لكن التوازن الفعلي بين تكاليفها وفوائدها مشكوك فيه؛ فقد تُخفي مخاطر مالية وبيئية واجتماعية جسيمة.
- لا يُمكن بسهولة تكرار نموذج رأسمالية الملاك المُدارة عسكريًا في قطاعات اقتصادية أخرى، إن أمكن ذلك أصلًا.
- تواجه رأسمالية الملاك المُدارة عسكريًا تناقصًا في العوائد، ما يُخلّف تكاليف ضخمة وعوائد مؤجلة إن وُجدت.
- حاجة "السيسي" لتوسيع قاعدة نفوذ حكومته والحفاظ على الولاء من خلال مشاريع عسكرية ضخمة ممولة بالديون تُرسّخ اعتماد مصر بشكل متزايد على تدفقات رأس المال المستمرة من مصادر خارجية.
- تقترض الحكومة وتسدد وينفق الرئيس والجيش.
- يستمر النظام في العمل حتى ينهار؛ حيث تعجز مصر عن تحقيق فوائض ومدخرات محلية كبيرة، وهي شديدة التأثر بالصدمات الخارجية.
مقدمة
لقد توسع الدور الاقتصادي للجيش المصري بصورة كبيرة منذ عام 2013، مدفوعًا بثلاثة اعتبارات رئيسية:
- أولًا: رغبة "السيسي" الجامحة فور توليه منصبه في تصوير مصر كوجهة استثمارية جاذبة، بهدف استقطاب الاستثمارات الأجنبية وتدفقات رأس المال الأخرى.
- ثانيًا: سعيه الدؤوب لزيادة الإيرادات لخزينة الدولة المستنزفة، وذلك بالدرجة الأولى من خلال استثمار أصول الدولة عبر القطاع الخاص.
- ثالثًا: إسناد إدارة مجموعة متزايدة من الأنشطة في قطاعات اقتصادية متنامية إلى الجيش، إيمانًا بالكفاءة الإدارية العالية والانضباط والولاء السياسي للقوات المسلحة.
ومنذ عام 2020 أخذ هذا الدور شكلًا جديدًا يقوم بدرجة أكبر على إدارة الأصول الحكومية واستخلاص العائد منها، بدلًا من إنتاج السلع والخدمات. وصعدت وكالات عسكرية حظيت بدعم رئاسي بسبب قدرتها على استثمار الأراضي والعقارات، بالتوازي مع استمرار عشرات الشركات العسكرية التقليدية. ويطرح ذلك سؤالًا جوهريًا: هل بلغ الاقتصاد العسكري مرحلة من النضج تسمح بتعميم نجاحه أم وصل إلى مرحلة تشبع تستنفد فيها وسائل استخلاص الريع؟ تميل المؤشرات إلى الاحتمال الثاني، خصوصًا وأن استدامة النموذج أصبحت مرتبطة بالاقتراض الخارجي والتحالفات الجيوسياسية التي تضمن استمرار تدفق رؤوس الأموال.
نظرة خاصة على الاقتصاد العسكري المصري
يعمل الاقتصاد العسكري ضمن بنية سلطة تجمع بين الهيمنة الرئاسية واعتماد الرئيس على الولاء المؤسسي للقوات المسلحة؛ إذ يحدد السيسي اتجاهات الاستثمار الحكومي بينما يمثل الجيش شريكًا أساسيًا في تنفيذها. وبالمقابل، يستمر القطاع الخاص والهيئات المدنية والشركات الحكومية في العمل ضمن مساحة اقتصادية ذات نفوذ سياسي محدود. ورغم أن القطاع الخاص يمثل القسم الأكبر من الناتج المحلي، فإن الاستثمارات العامة تهيمن على النشاط الاقتصادي وتتمتع الجهات المرتبطة بالجيش بمزايا قانونية ومؤسسية وتمويلية. ويؤدي اعتماد الدولة الكبير على البنية التحتية والعقارات لتكريس نمط ريعي يعتمد على الأرض والعقود الحكومية بدلًا من الإنتاج والابتكار، وهو ما يفسر جزئيًا ضعف اندماج مصر في سلاسل القيمة العالمية.
وقد دفعت الصدمات المتتالية منذ عام 2020 الحكومة إلى محاولة رفع كفاءة المشاريع العسكرية، لكن دون تغيير النموذج الأساسي، كما إن حاجة النظام للمحافظة على الولاء السياسي توسّع دائرة المحسوبية وتكرس دور القوات المسلحة الاقتصادي، بصرف النظر عن تقييم جدواه بصورة مستقلة.
التكاليف والفوائد في النموذج الاقتصادي المصري
لم يكن توسّع الجيش الاقتصادي استجابةً لفشل السوق؛ فقد كان القطاع الخاص حاضرًا في معظم القطاعات التي دخلها الجيش، من البناء والعقارات إلى الصناعة والزراعة والتجارة والخدمات. وبالتالي فالسؤال ليس لماذا تدخلت الدولة بل لماذا استثمرت بهذا الحجم في مشاريع يتجاوز بعضها الطلب الفعلي؟ كما يظهر في انخفاض إشغال بعض المدن الجديدة وضعف استخدام بنيتها التحتية.
إن هذا النموذج يحقق فوائد للشركات الكبيرة المرتبطة بالمشاريع العسكرية لكنه لا يحفز الإنتاجية أو استقلال القطاع الخاص، كما يؤثر الجيش في شروط السوق من خلال قدرته على إدارة المشاريع الضخمة والوصول للتمويل وتخصيص أراضي الدولة، ما يعيد تشكيل خريطة الاستثمار ويزاحم القطاع الخاص.
وتغيب عن تقييم المشاريع حسابات شاملة لتكاليف الصيانة المستقبلية والاقتراض وآثارها في بقية الاقتصاد، كما إن الوظائف الناتجة من قطاع البناء غالبًا ما تكون مؤقتة ومنخفضة المهارة. وفي العقارات يتحول الاستثمار لوسيلة لحفظ القيمة أكثر منه مصدرًا مستدامًا للإنتاج، بينما يفوق المعروض السكني الطلب وتتركز غالبية الوحدات الجديدة في المدن الجديدة.
ويزيد غياب الشفافية صعوبة تقييم الجدوى؛ إذ لا تتوافر تفاصيل كافية عن تكاليف المشاريع وإيراداتها ورسوم الإدارة التي تحصل عليها المؤسسة العسكرية. وتمتد المشكلة إلى الآثار البيئية نظرًا لكثافة استهلاك المياه والطاقة في البناء والزراعة الصحراوية واستخراج المعادن، وما يرتبط بذلك من مخاطر على المياه والتربة والانبعاثات.
أما اجتماعيًا فنموذج الزراعة واسعة النطاق يصب في مصلحة كبار المستثمرين على حساب صغار المزارعين والصيادين، بينما يرتبط التطوير العقاري بعمليات إخلاء وإعادة توطين واسعة. وتبرز هنا مفارقة هي بناء أعداد كبيرة من الوحدات الموجهة إلى الشرائح الأعلى دخلًا، تزامنًا مع استمرار أزمة السكن الملائم لدى الشرائح الأفقر.
الجيش كـ"رأسماليين مُلاك أراضٍ"
يمثل ظهور مؤسسات عسكرية تدير الأراضي بوصفها أصلًا رأسماليًا بدلًا من إنتاج الغذاء أو العقارات مباشرة، تطورًا أساسيًا؛ فالقيمة تتحقق من الإيجار والتحكم في الوصول إلى الأرض وتحديد الجهات القادرة على استغلالها، وينطبق ذلك على الأراضي الزراعية والعقارات الحضرية معًا.
ويقوم هذا النموذج على خمسة عوامل رئيسية:
1- سيطرة الجيش الواسعة على استخدام أراضي الدولة
2- امتلاكه حقوق انتفاع اقتصادية حصرية في مناطق استراتيجية
3- نفوذه الإداري في العقود والتراخيص وتخصيص الموارد
4- تمتعه بحماية قانونية ورقابية واسعة مع توسع الاختصاص العسكري لبعض المجالات المدنية
5- وأخيرًا قدرته على نقل جانب كبير من مخاطر تمويل المشاريع للبنوك الحكومية والخزانة العامة.
وهذه المنظومة تمنح الجيش قدرة استثنائية على تحويل السيطرة المؤسسية على الأراضي إلى دخل اقتصادي، لكنها في الوقت نفسه تنقل جانبًا مهمًا من المخاطر إلى الدولة.
طفرة العقارات الحضرية المُدارة عسكريًا
يحتل التطوير العقاري موقعًا مركزيًا في استراتيجية توليد الإيرادات، سواءً من خلال إنشاء مدن جديدة على الأراضي الصحراوية أو تحويل مناطق قائمة ومساحات عامة إلى مواقع للتطوير التجاري. ويساعد امتلاك الدولة معظم الأراضي المصرية على جعل العقارات أحد أهم مجالات رأسمالية ملاك الأراضي. وتوفر المشاريع العقارية الكبرى تدفقات نقدية وعملات أجنبية، خصوصًا عبر الاستثمارات الخليجية، لكنها لا تؤدي بالضرورة لخفض الدين؛ إذ يُعاد توجيه الإيرادات غالبًا إلى التزامات أو استثمارات أخرى.
وقد أشرف الجيش على نسبة كبيرة من مشاريع البناء العامة وحصل على دخل من إدارة المشاريع وتأجير الأراضي، كما يملك حصصًا مهمة في مشاريع أبرزها العاصمة الإدارية الجديدة، بما يسمح له بالحصول على إيرادات من الإيجارات والاستثمارات، وقد اتسع النموذج ليشمل تطوير مساحات عامة وأراضٍ متميزة ومشاريع فندقية وسياحية. ويضمن استمرار إنشاء المدن الجديدة تدفقات مالية للجهات العسكرية حتى عندما تظل معدلات الإشغال محدودة، لكنه يعمق بالمقابل الاعتماد على قطاع عقاري يقوم بدرجة كبيرة على المضاربة وحفظ القيمة.
السيطرة على الأراضي الزراعية ومختلف الصناعات
يمثل جهاز "مستقبل مصر" النموذج الأبرز لرأسمالية ملاك الأراضي في الزراعة؛ إذ يقوم نهجه على استصلاح الأراضي الصحراوية وتوفير البنية التحتية ثم تأجيرها للمستثمرين مع احتفاظ الجهاز بالسيطرة والإدارة. وقد توسع دوره سريعًا ليشمل نسبة كبيرة من الأراضي المستصلحة وشراء السلع الغذائية الاستراتيجية وتجارة المحاصيل وتوزيع الغذاء والتخزين والتجزئة، فضلًا عن الدخول في قطاعات العقارات والطاقة والخدمات.
وقد منح الدعم الرئاسي الجهاز سلطات متزايدة وصولًا لإعادة تصنيفه كهيئة اقتصادية خاصة ذات نطاق واسع من الأنشطة، لكن غياب الإفصاح المالي يحول دون التحقق بصورة مستقلة من ربحيته وجدواه، كما تكشف التقديرات المتباينة بشدة لتكاليف استصلاح الأراضي عن صعوبة إجراء تقييم اقتصادي حقيقي لمشاريعه.
إلى جانب العقارات والزراعة توجد نحو مائة شركة عسكرية تعمل في التصنيع والتجزئة والغذاء والمقاولات والتعدين والخدمات، ومع ذلك تظل حصتها السوقية في معظم القطاعات محدودة، كما يتكبد بعضها خسائر تغطيها الدولة بينما تعتمد أرباح شركات أخرى على امتيازاتها في العقود الحكومية والمشاريع العسكرية. ولا يعكس تضاعف عدد الشركات العسكرية منذ 2013 بالضرورة نجاحًا اقتصاديًا، بل يعكس الأولوية السياسية الممنوحة للجيش؛ فمعظم الشركات الجديدة تنتج سلعًا وخدمات مدنية بالكامل، ما يضعف الحجة التقليدية بأن النشاط المدني العسكري مجرد استغلال لفائض الطاقة الإنتاجية الدفاعية. وتعزز بنية الحوافز هذه أنماطًا ريعية، بدءًا من استغلال المعلومات والعلاقات والنفوذ في الأراضي والعقود، وصولًا إلى استمرار التوسع في الفنادق والمرافق التجارية رغم تواضع النتائج المالية في بعضها.
إلى أين يتجه الاقتصاد العسكري مستقبلاً؟
لقد حقق النموذج العسكري أفضل نتائجه عندما استطاعت الدولة السيطرة المباشرة على أصول أساسية، خصوصًا الأرض والمياه، لكنه لم ينجح في توفير نموذج قادر على دفع القطاعات الإنتاجية نحو الابتكار أو رفع المحتوى المحلي أو الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، وهو ما يجعل نقله من العقارات والزراعة إلى الصناعة والخدمات أمرًا صعبًا. ولم تحقق محاولات التوسع الخارجي في أفريقيا وأسواق إعادة الإعمار العربية نتائج كبيرة كذلك، وظلت النجاحات مرتبطة بدرجة كبيرة بالعلاقات السياسية أكثر من القدرة التنافسية.
أما في الداخل فالنموذج يواجه خطر تناقص العوائد بسبب محدودية الأراضي المتميزة وتراجع الطلب المحتمل على العقارات وتنافس المشاريع المختلفة على الموارد نفسها. لذلك، لا يمثل البحث عن أسواق جديدة نتيجة طبيعية لتنامي القدرة التنافسية، بل محاولة للالتفاف على القيود المتزايدة للسوق المحلية. وتكمن المشكلة الأعمق في اعتماد النموذج على تدفقات رأس المال الخارجي؛ فقد حصلت مصر على تدفقات مالية خارجية ضخمة منذ 2013، لكن خدمة الدين ظلت تستحوذ على نسبة كبيرة من الإنفاق الحكومي، وهو ما يكشف محدودية قدرة النموذج على تنشيط القطاعات غير الريعية وتوليد فوائض محلية مستدامة.
الخلاصة
لا ترجع مشكلات الاقتصاد المصري إلى القيود الهيكلية وحدها بل إلى ترتيبات مؤسسية وسياسية تربط السلطة بتراكم رأس المال، ويظهر ذلك بوضوح في الاقتصاد العسكري؛ حيث تندمج السيطرة السياسية مع القدرة على استغلال الأراضي والأصول العامة واستخلاص الريع. لهذا لا تكفي الإصلاحات التكنوقراطية، مثل الإفصاح المالي أو تعديل القواعد الضريبية، لمعالجة المشكلة الأساسية لأنها لا تغير العلاقة بين النفوذ السياسي وتوليد الريع.
وقد تحقق بعض المؤسسات العسكرية تحسينات في الكفاءة والإيرادات، لكن ذلك يجري ضمن منظومة تُعفى فيها جهات تسيطر على أصول عامة ضخمة من جانب كبير من الرقابة والضرائب والقواعد الحكومية، بينما تموّل الدولة استثمارات رأسمالية كبيرة بالاقتراض وتتحمل مخاطرها والتزاماتها. وبذلك تظل المعضلة الأساسية قائمة؛ يعتمد النموذج على الاقتراض وتدفقات رأس المال الخارجي لتمويل استثمارات لا تولد بالضرورة فوائض إنتاجية محلية كافية لسداد تكاليفها. ومع تناقص العوائد وصعوبة تكرار نموذج العقارات والزراعة في القطاعات الأخرى تصبح استدامة الاقتصاد العسكري، والاقتصاد المصري الأوسع المرتبط به، أكثر ارتهانًا لاستمرار التمويل الخارجي وأكثر عرضة للصدمات الاقتصادية والجيوسياسية.