المصدر: معهد دول الخليج العربي (AGSI)
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
إن قرار الحوثيين بالانخراط في الصراع (ولو بشكل جزئي) بعد تحذير الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من أن أي ضربات أخرى ستؤدي إلى "عقاب عسكري كبير"، خيار مدروس بُني على ثلاثة عوامل على الأقل: 1- القدرات العسكرية، 2- خطة عمل محددة، 3- الحاجة لممارسة ضغط انتقامي. ففي الساعات الأولى من صباح الـ23 من يوليو/ تموز الجاري هاجم الحوثيون ناقلتي نفط ترفعان العلم السعودي، منفذين تهديدهم بإغلاق البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وقد تسببت هذه الهجمات في ارتفاع سعر النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ مايو/ أيار الماضي، ومثّلت دخول جماعة الحوثي الحرب الإيرانية، منهيةً بذلك شهورًا من التكهنات حول ما إذا كانوا سيدخلون الحرب أم لا.
وفي صيف عام 2025، عندما قصفت الولايات المتحدة إيران خلال عملية "مطرقة منتصف الليل"، اختار الحوثيون البقاء على الحياد وعدم الانخراط عسكريًا، واتخذوا القرار نفسه في وقت سابق من عام 2026 خلال الجولات الأولى من عملية "الغضب الملحمي"، ما يثير التساؤل: ما الذي تغير؟
بالنسبة للحوثيين كان أحد أبرز التغييرات تعزيز قدراتهم العسكرية، لا سيما مخزوناتهم من الصواريخ والطائرات المسيّرة. ففي يونيو/ حزيران 2025، عندما شنت الولايات المتحدة أولى غاراتها على إيران، كان الحوثيون قد خرجوا لتوهم من صراعهم مع الولايات المتحدة؛ عملية "الفارس الخشن" التي استمرت من مارس/ آذار إلى مايو/ أيار 2025. وقد استهلكت كل من الولايات المتحدة والحوثيين كميات كبيرة من الذخائر خلال هذا الصراع؛ حيث نفذت الولايات المتحدة أكثر من 1100 غارة استهدفت العديد منها مستودعات أسلحة الحوثيين.
وبحلول أوائل أيار/ مايو كان الحوثيون قد تكبدوا خسائر فادحة، وسرعان ما أدركت الولايات المتحدة أن الضربات الجوية وحدها لا تكفي لهزيمتهم، ومع سعي الجانبين لإيجاد مخرج اتفقا على وقف إطلاق نار يقضي بأن تتوقف الولايات المتحدة عن قصف الحوثيين، الذين سيتوقفون بدورهم عن استهداف السفن التي ترفع العلم الأمريكي. كل هذا يعني أنه بحلول الوقت الذي قررت فيه الولايات المتحدة الانضمام إلى "إسرائيل" في مهاجمة إيران بعد أسابيع قليلة، لم يكن الحوثيون في وضع يسمح لهم بدعم طهران؛ ببساطة لم تكن صواريخ الجماعة وطائراتها المسيرة كافية لدعم صراع عسكري. وكان الوضع متشابهًا لحد كبير في فبراير/ شباط عندما دخلت الولايات المتحدة مجددًا في حرب مع إيران. لكن في الأشهر الأخيرة، ومع تذبذب الولايات المتحدة وإيران بين الصراع النشط ووقف إطلاق النار، دأب الحوثيون على تعزيز ترساناتهم. فوفقًا لوكالة "رويترز" نقلت إيران أفرادًا ومعدات إلى اليمن في الأسابيع الأخيرة، وقد منح هذا التدفق الحوثيين ثقة بأنهم يمتلكون الآن القدرة العسكرية لخوض صراع.
في الوقت نفسه، رأى الحوثيون كيف شلّت إيران الاقتصاد العالمي وصادرات النفط في الشرق الأوسط بإغلاقها شبه التام لمضيق هرمز، وهو ما حاول الحوثيون فعله في عامي 2024 و2025 من خلال مهاجمة السفن التجارية في البحر الأحمر، لكن خطة إيران كانت أكثر نجاحًا ووفرت في الوقت نفسه فرصًا للحوثيين.
ومع فرض إيران حصارًا على مضيق هرمز بدأت السعودية تحويل جزء كبير من صادراتها النفطية من ساحلها الشرقي إلى ساحلها الغربي؛ حيث ترسو ناقلات النفط في مدينة ينبع الساحلية قبل أن تبحر جنوبًا عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ومن هناك إلى الأسواق العالمية، ما ساهم في استقرار أسعار النفط العالمية. ففي الوقت الحالي تُصدّر السعودية حوالي 4.6 مليون برميل من النفط يوميًا يمر أكثر من 80% منها عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب. لكن هذا الحل البديل أصبح الآن مُهددًا؛ فإذا نجح الحوثيون في فرض حصار على البحر الأحمر كما فعلت إيران مع مضيق هرمز فسوف تُقطع منافذ السعودية الرئيسية إلى السوق العالمية.
في هذا الإطار، سيعتمد الحوثيون على امتلاكهم الصواريخ والطائرات المسيّرة لإغلاق مضيق البحر الأحمر، وعلى ضعف السعودية التي أصبحت تعتمد على منفذ رئيسي واحد فقط إلى الأسواق، وهذه العوامل، إضافةً إلى عامل ثالث، أقنعت الحوثيين بأن الوقت قد حان للتحرك.
وفي الـ13 من يوليو/ تموز قصفت السعودية مطار صنعاء (معقل الحوثيين) في محاولة لمنع طائرة إيرانية من الهبوط في اليمن. ووفقًا للحوثيين، كانت الطائرة تقل وفدًا من المسؤولين لحضور جنازة المرشد الأعلى الإيراني الراحل، آية الله علي خامنئي. ولا تنفي السعودية وجود وفد من مسؤولي الحوثيين على متن الطائرة، لكنها زعمت وجود مسؤولين عسكريين من الحرس الثوري ومعدات عسكرية أيضًا، ويبدو أن تقارير لاحقة لوكالة "رويترز" أكدت تلك الشكوك.
وخوفًا من تداعيات وجود مسؤولي ومعدات الحرس الثوري على حصار الحوثيين المحتمل للبحر الأحمر، لجأت السعودية لشن غارات جوية رغم علمها بأن ذلك سيُعتبر خرقًا لاتفاق وقف إطلاق النار الضمني مع الحوثيين، والذي كان ساريًا منذ عام 2022، حيث ردّ الحوثيون بقصف مطار سعودي في محافظة أبها الجنوبية. والأهم من ذلك أن الحوثيين يعتقدون أن بإمكانهم الآن انتزاع تنازلات من السعودية التي تبدو في موقف ضعيف.
ونظرًا لاستعادة الحوثيين قدراتهم العسكرية وخطة إيران للنجاح في مضيق هرمز وشعور السعودية بالضعف، فإن الحوثيين قادرون على تحقيق هدفين في آن واحد؛ فبإمكانهم تأكيد ولائهم لإيران ومكانتهم لديها من خلال حصار البحر الأحمر، وفي الوقت نفسه الضغط على السعودية القلقة للحصول على مزيد من التنازلات والمزايا المالية داخليًا.
رغم ذلك، يتخذ الحوثيون هذه الخطوات بحذر؛ فقد أعلنوا أنهم لن يغلقوا البحر الأحمر أمام جميع السفن بل أمام السفن السعودية فقط. وهذا التمييز محاولة من الجماعة لحصر الصراع في منطقة محددة وإبقاء الولايات المتحدة و"إسرائيل" على الحياد، مع توسيع نطاق الصراع مع السعودية. ففي الـ25 من يوليو/ تموز، وبينما أوقفت الولايات المتحدة وإيران ضرباتهما، هاجم الحوثيون منشآت نفطية سعودية على طول ساحل البحر الأحمر.